إن حالة السذاجة المتكررة التي كثيرًا ما تقع فيها أطياف المعارضة المصرية، عند تناولها لكل كارثة جديدة يرتكبها النظام بارتكابها أو يسقط فيها، بل أحيانًا عندما تظهر إشاعة غير مؤكدة (أعتقد أن النظام من ينشرها كفخ للمعارضة للقضاء على مصداقيتها أمام الجماهير)، هذه السذاجة تفقدها تدريجيًّا المصداقية وإمكانية بناء جسور ثقة مع الجماهير، وبالتالي إعطاء النظام معين دائم لا ينضب من القدرة على تبرير خطاباته وتمريرها.

فمثلًا مع الحادث البشع الأخير لقطار محطة مصر، روجت بعض المنصات الإعلامية المعارضة، كلمة عبد الفتاح السيسي عن إمكانية وضع أموال الدولة بالبنوك «هتجيب فلوس أكتر» في سياق حديثه عن تحديث خطوط السكك الحديدية، وسذاجة المعارضة هنا ليس فقط في غياب خطوة بسيطة مثل النظر إلى السياق الذي قال فيه السيسي كلمته، وهذا شيء بديهي لأي معارضة جادة، ولكن هناك نقطة أعمق متعلقة ببنية المعارضة ومنطلقاتها الفكرية.

والسذاجة هنا لا أقصد بها الغباء بالطبع، كما أن الجدية غير مقصود بها الحدة والصرامة، ولكن ما أقصده أن البعض في المجمل يفتقدون أحيانًا الرؤية الراديكالية للأمور، في جدهم كما في هزلهم، وبالتالي فمعظم منطلقاتهم تكون ذات طابع يتصف بشخصنة الوقائع السياسية والاجتماعية وربطها بسلوكيات فردية وخيارات شخصية للحاكم، أو إعطائها بعدًا طائفيًّا أو فكريًّا بحتًا ينزعها من سياقها التاريخي وأبعادها الطبقية، وهذا ما يجعل خطابهم صيدًا سهلًا لخطاب النظام الذي يتسم بالوضوح الطبقي من ناحية، وكذا بامتلاكه أدوات القمع الفكري والأيديولوجي والبدني التقليدية من ناحية أخرى.

منحت التكنولوجيا الحديثة منصات بديلة للمعارضة تستطيع عبرها طرح رؤيتها ونشر خطابها وسط الجماهير، ولكن ما ينقص المعارضة بالفعل هو الجدية في التعامل مع الوقائع، والأهم البلورة الطبقية لكل واقعة وربطها بسياق أشمل وأعم هو سياسات الليبرالية الجديدة، وانحيازاتها، وأشكال الاصطفاف الطبقي من حولها.

فقضية مثل قطار محطة مصر هي بالأساس قضية طبقية مرتبطة بأولويات الإنفاق بالموازنة العامة للدولة، والتي تقدم قطاعات الأمن العام والقضاء على القطاعات الخدمية، مثل الصحة، والتعليم، والنقل.. إلخ، بالإضافة إلى إهدار النظام المليارات في إنجاز مشروعات ليس لها أي جدوى اقتصادية، وأخرى ليست ذات أولوية. كما أن خطاب السيسي نفسه، الذي أُخذ أضعف مقطع للطعن فيه، به نقاط أهم لها علاقة برغبته في رفع أسعار التذاكر، وإشراك القطاع الخاص في السكك الحديدية إرضاءً لسياسات البنك الدولي… إلخ.

أن تعمل كوميك ساخرًا فهذا شيء قد يبدو جيدًا، ولكن أن تكون جادًا أثناء عمله فهذا هو النجاح الحقيقي، وهكذا يجب أن تكون المعارضة (جادة حتى في هزلها).

إن الصراع على الهيمنة يتطلب التعامل الجاد للمعارضة مع الوقائع والظواهر المختلفة من وجهة نظر طبقية، هذا هو الطريق الصحيح إن أرادت كسب شعبية وسحب البساط بشكل حقيقي من تحت أقدام السيسي وجنرالاته، أما التعامل «التيك أواي» مع الوقائع، وعدم التأني والجدية في التعامل مع الأخبار والحوادث، بالإضافة إلى غياب الرؤية الطبقية، ناهيك عن طرحها، فكل هذا سوف يجدد الدماء بشكل مستمر في جثة نظام شديد التعفن مثل نظام السيسي، ويعطيه قبلة حياة ومبررًا دائمًا للاستمرار في وعي الجماهير المكتوين بنيران الأزمة.

إن الأمل الكاذب الذي يروج له النظام في وعي الجماهير، في غياب البديل الجاد، سيكون هو الدافع للتحمل والاستمرار تحت حكم هذا النظام.

ولا يعيب المعارضة على الإطلاق استخدامها وسائل التواصل الحديثة لبث خطابها كما يروج البعض للطعن فيها، خاصة مع الغلق المستمر للمجال العام، ولكن عيبها ونقطة ضعفها الرئيسية هي عدم الجدية في التعامل مع الأطروحات والوقائع والظواهر المختلفة، والسعي لإكسابها بعدًا طبقيًّا واضحًا عند طرحها كخطاب على الجماهير.

هكذا فقط وعبر هذا الطريق الشاق الجاد تستطيع المعارضة تدريجيًّا الظفر بثقة الجماهير، وتفكيك أوهام النظام المهيمنة على عقولهم وإدراكهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد