ملاحظة

ربما تبدو تجربة الغوص داخل فكر الإرهابي تجربةً صعبةً، ولكن يمكن تبين ملامح هذه الشخصية من بعض الكتابات والمرجعيات التي يتبناها ومن كثير من القصص التي نراها في أحيائنا وفي أوطاننا ممن غرتهم هذه الفئة فانضموا إليها.

خطبة الداعشي ما قبل الأخير هي خطبة من وحي الخيال، تكشف بعضًا من خبايا هذه الشخصية.

———

ينتظر الشاب الإرهابي وخليفته الإرهابي موتهما الذي قد يكون في الدقائق القادمة بعد أن قتل كل الإرهابيين.

في كهف مهجور في أحد الجبال، والغريب أن أمام هذا الشاب حاسوبًا محمولًا وكاميرا من أفضل الأنواع.

يطلب منه الخليفة أن يعد له خطابًا ليلقيه ويرسله في «كاسات» لقناة «الأرخبيل» العربية فهي كثيرًا ما تبث رسائله الصوتية والمرئية، لعل هذا الشريط يكون طوقَ نجاةٍ أخيرًا له، ويبدأ الشاب في الكتابة حتى ينهي الخطاب الأخير.

ينتظر الشاب الخليفة حتى يأخذ قسطًا من الراحة ويغير ثيابه.

يبدأ في إعداد الخلفية علم أسود وبعض السيوف كذلك، وسلاح روسي وآخر أمريكي الصنع. تدور بخلده فكرة أخذ مكان الخليفة لبرهة فيواجه الكاميرا ليرتجل خطابًا.

يفتح زر الكاميرا يجلس.

امممم آه آه.. بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، محمد الضحوك القتال.

أما بعد، فإني أخاطبكم من مكان لا يعرفه بعدي إلا الله والخليفة وأمريكا، يجبرني الخليفة على كتابة خطاب يثير الحماس وأجبر نفسي على الوقوف أمام الكاميرا لأقول شيئًا من الحقيقة قبل أن أقتل برصاص الطائرات.

الحقيقة الأولى أني لا أعرف شيئًا غير أن عملي مقدس ورفيع يرضي الله ورسوله، وأن جزاءه جنة عرضها السماوات والأرض وحور عين بقدر ما أشتهي لذلك فأنا ألهي نفسي بالسبايا في انتظار الحور السماوية.

الحقيقة الثانية أنني كنت من الخائفين في صفوف تنظيمنا الإرهابي، لذلك لم تقع ترقيتي لأفجر حيًّا سكنيًّا يسكنه مئات الفقراء، أو لأقتل راعيًا في الجبل أو لأفجر نفسي في ملهى ليلي أو سيارة مفخخة، ولكن أسعفني جسدي الضخم لأكون حارسًا للخليفة أظهر معه في كل الصور والفيديوهات حتى تكتمل الصورة.

الحقيقة الثالثة أننا لسنا أغبياء، فنحن لدينا مفكرون يكفرون كل شيء ويتركون لنا الله لنمتلكه وحدنا، لدينا مفكرون خبروا كل شيء وكتبوا عن إدارة التوحش والمذكرة الإستراتيجية، وعن كيفية التدمير والتقتيل وتشريد الآلاف وحرب العصابات وقتال الطواغيت الأنجاس والشعب الكافر.

الحقيقة الرابعة أننا لسنا غرباء عنكم، فنحن أبناء خلافاتكم واختلافاتكم ونقاشتكم التافهة التي تبدؤونها بعبارات «مع احترامي لك» وتنهونها بسب الجد والأب والأم والقبيلة.

خرجنا من رحم الفتنة التي تزرع بينكم ونتغذى من شتائمكم لبعضكم البعض، نوجد بينكم ولا تعرفوننا، نعيش خلايا نائمة وذئابًا منفردة إلى أن يحين موعد العملية.

الحقيقة الخامسة أنه تزعجنا وحدتكم واستقراركم السياسي والاجتماعي، لذلك نعمل على بث الفوضى ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، ويعيننا في ذلك كثير من الأغبياء في ميادين السياسة والإعلام، وفي الأحزاب.

الحقيقة السادسة أن حجتكم ضعيفة تذهبون للمهمشين لتقولوا لهم:  «سوف نسعى، سنعمل، سنحاول»، أما نحن فنعدهم بعمل فوري: «قاتل في سبيل الله»، ينفذ ما نريد ونعطيه ما يريد مخدرات وسبايا وسيارة وأموال ونسمح له بممارسة ألعابنا الداعشية مثل «تحطيم المتاحف، قطع رأس تمثال من عهد الوندال أو الرومان، تغطية تمثال امرأة عارية فاسقة من العهد الفينيقي».

الحقيقة السابعة أني أتذكر كل الماضي الذي عشته من قلب حي سكني تقمعه الشرطة كل يوم، ونستهلك فيه نحن شباب الحي المخدرات ونشرب المسكرات نخبًا مع النسيان.

نضرب في السجون ونهان، ويجبروننا طواغيت المكان على المشي عراة فننقم عليهم.

في تلك اللحظات السوداوية لم نجد مؤسسات حقوق الإنسان، ولم نجد أطباء النفس وعلوم الاجتماع.

لم نجد غير شيوخ ذوي لحى طوال، كشفوا لنا عن طريق للصبر عن المحن، وأخبرونا بأن الإرهاب دين وحق فاتبعناهم وبايعناهم على السمع والطاعة في المنشط والمكره.

تريدون تفسيرًا للخلايا النائمة التي تدعمنا وللذئاب المنفردة التي تتصيد الفرصة لشرب الدم، انظروا إلى فعلكم لقد قسمتم بلادنا واحتللتموها وعرضتمونا للمجازر والشرور والاعتداءات، وزرعتم إسرائيل في جسدنا، ودعمتم الدكتاتوريات في أرضنا فقمعوا وسرقوا.

ها نحن نولد من جديد بعد قمعكم لثورة الشعب الشيشاني المسلم، وبعد المجازر التي ارتكبت بحق المسلمين في يوغسلافيا القديمة، إلى احتلال العراق، ومذابح نيجيريا وبورما.

سنبث الرعب في أوساطكم، فالرعب في مذهبنا عمل بطولي نكافئ عليه، وسنجد في الشريعة ما يبرر لنا كل هذا، وسنكون انتحاريين جوالين عابرين للحدود ننتقل من بلد إلى بلد لنقتلكم بدوافع عقائدية وأممية خارج مفهوم أوطانكم الأصلية.

أراكم تتساءلون  ما الذي يدفع جهاديًّا مسلمًا يعيش حرًّا منعمًا في بلد أوروبي إلى السفر إلى مناطق البؤس والحروب في سوريا والعراق ليقتل نفسه هناك، أو أن يفعل ذلك في البلد الذي آواه وحمل جنسيته وأكل من خيره، كما في حالة إرهابيي عمليات باريس وبروكسل الأخيرة؟

ما الذي يدفع مليونيرًا كابن لادن ليخرج من نادي المال والأعمال  والقصور والثراء ليسوح بين الجبال والقفار، ويتحوّل إلى قاتل وممول للإجرام العقائدي حول العالم؟

ما الذي يدفع شخصًا مؤهلًا على مستوى عالٍ كالطبيب أيمن الظواهري الذي كان ليصبح شخصًا مرموقًا وصاحب عيادة في القاهرة، فيختار طواعية أن يسكن الكهوف ويتداوى بالأعشاب، ويتحوّل إلى إرهابي يتمتّع بمشاهد قتل الناس وترويعهم على الشاشات في أراضٍ لم يطأها ولا يعرفها، وتقع على الجانب الآخر من العالم؟

أقول لكم إننا نصنع صنعًا من رحم السواد، نلهث مثلكم يا طغاة نحو الجنس والمال والسلطة ولكن كل هذا حسب الخليفة شرعي، فالجنس إما سبي في الدنيا، أو حور عين في الآخرة، والمال إما غنائم في الدنيا، أو نرزق بها من غير حساب في الآخرة، والسلطة إما خلافة، وإما فلا الآخرة، أما أنتم فجنسكم اغتصاب ومالكم سرقة وسلطتكم احتلال.
أقول لكم إننا نشأتنا وإعدادنا تمت عبر شيخ يدرسنا كل يوم، فيقلل من قيمة الحياة على الأرض، فهي مجرد محطة مؤقتة ومتاع والآخرة دار القرار، فالدنيا ابتلاء ومفاسد ولعب ولهو وزينة وتفاخر وهي مرتع للكافرين.

يدرسنا الشيخ فيحرم علينا ما تظننونه مباهج من فنون وموسيقى ومسرح وسينما، فهي والله بدع ما أنزل الله بها من سلطان.

يدرسنا شيخنا أن للرجل حق إرضاء شهوته الجنسية والنكاح كيفما يشاء، داخل وخارج مؤسسة الزواج فننكح في خلافتنا ما طاب لنا من نساء مثنى وثلاث ورباع، وما ملكت أيماننا ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا.

يتم تحريضنا من قبل المشايخ على محاربة من يخالفنا، والتسيد عليكم جبرًا وعدم إقامة العلاقات مع الدول الكافرة الفاجرة، فنحن أصحاب الحق و الريادة، وأنتم أصحاب المؤامرات التي تستهدفنا دومًا دون الآخر، فنحن مسلمون كارهون للآخر، غاضبون متشوّقون لقتال الدول الوطنية التي تقيم علاقات مع الكفار، وكذلك قتال دول الكفر نفسها إرضاءً للخالق.

هدفنا قتل المسيحيين واليهود منفلتي الأخلاق والقيم، وتنتشر فيهم المفاسد، وأبناؤهم لا يستحقون الحياة، كفار لا استثناء بين مدني وعسكري عند قتالهم، الكفار وأموالهم مستباحة وتعتبر غنائم للمسلمين، وسبي نساء الكفار مستباح.

مكافأتنا أن جزاء المبادر فينا الجنّة  وحسن المآل، سيكافئنا الله على إرهابنا وعنفنا، ويسّره أن يرانا كذلك.

فيا كفار العالم اتحدوا، ويا شعوب الدول العربية الفاجرة اتحدوا سنقتلكم جميعًا.

 

والآن عفوًا سأكمل تجهيز المعدات لخطاب الخليفة الأخير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد