رواية دسمة، مع ذلك مُحكمة برغم طولها وضخامتها، خرجت ببراعة من حيز تأطيرها في إطار العمل البوليسي أو أعمال الجاسوسية، الأمر الذي يُقلل من قيمتها الأدبية في حساب النقاد.

إنما الرواية كُتبت – خلال أحداثها – بعِدة مستويات من السرد. فهي على درجة عالية من المَعرفية المكانية شديدة التفاصيل، سواء داخل مصر، أو خارجها.

لم تغفل نفسيات الشخصيات بتاتًا، وكانت مُدركة لأدوات العوامل النفسية وتفسيراتها، وكأنها طبيب نفسي عليم ببواطن النفس وسلوكياتها. كذلك هي على درجة عالية من معرفة أسلوب العمل المخابراتي والبوليسي، وسَردته بتفاصيل تكاد معه تكون واحدة منهم.

لديها حصيلة معلومات أثرية وتاريخية غاية في الدقة والغزارة، واستخدمتها في مواقعها الروائية بشكل تُحسد عليه. برغم كثرة الشخصيات في الرواية، إلا أنني لم ألحظ اختلاطًا أو تناقضًا في تصرفاتهم ومساراتهم الروائية؛ مما يدل على قوة سردية منقطعة النظير.

لم تغفل الوازع الديني لدى الشخصيات، وبينت درجاته بشكل دقيق ومُفصل؛ لدرجة أننا رأينا طقوسهم وأدعيتهم بنصوص حقيقية. مثل يوسف (اليهودي)، وسالم (المسلم)، وهُما محور الرواية.

الجو العام للرواية اجتماعي بحت، ويُتابع الحياة الإنسانية بكل روابط الدم بينها. فالضابط مروان لديه أُم تهتم به ولها حيز لا بأس به في الرواية، برغم عدم تأثيرها في الأحداث بشكل مباشر. وكذلك لديه خطيبة يُحبها وتُحبه ويلتقيان ويتبادلان مشاعر الغرام، وتجتاحه الخواطر الهائمة في عِشقها واستلاب فؤاده بها. كذلك أُم سالم، والحاج حسن عامل مَحل داوود، وممدوح صديق سالم، والاحتكاك اليومي من مأكل ومشرب ونوم وعمل. حياة مصرية صميمة أطرت لها الكاتبة، وكان له أثره في إبداع الرواية؛ ليشعر القارئ بكل أبعاد الأحداث بكل تفاصيلها البحتة؛ ما ينم عن قديرة في مجال الرواية.

لذا؛ تصلح الرواية أن تكون بوليسية، وتاريخية، واجتماعية، ورومانسية… كل ذلك بجدارة.

جديرة – كذلك – بكل إنصاف لتحويلها لمسلسل تليفزيوني قوي، ليس أقل من ذلك، أو سلسلة أفلام سينمائية مُجزأة لاستيعاب تفاصيلها المُشتبكة المهمة.

برغم ما كرست له الكاتبة داخل أروقة مَبنى الأمن الوطني، من أريحية في العمل، وتشويق في الإجراءات، وإثارة في التحريات الجنائية، ومُتعة في الأبحاث التاريخية، بعيدًا عن السياسة، فإنها لم تغفل المشاعر الحقيقية التي تكتنف المواطن العادي تجاه مبنى الأمن الوطني، وما يحيطه من رَهبة، وما يبعثه في النفس من رعب وتوتر، جراء سُمعته المُتعلقة بالأمن السياسي للنظام الحاكم، وملاحقته للسياسيين والمعارضين، وتعرضهم فيه لأقسى أنواع التنكيل والمساءلة. وهو ما يُعبر عن صِدق التناول، والتعبير عن حالة ثقافية لشعب تضطهده حكومته، رصدتها الكاتبة بإنصاف وعدل وحيادية.

عدة فرص ناهزت الكاتبة أن تصف العلاقات الجنسية، وتُسهب فيها، ولن تُلام نقديًا، بسبب قُدرتها الفائقة في تناولها مختلف نوعيات الكتابة، لكنها لم تفعل.

هادي عبد الرحيم، حينما كان عاملًا بالفندق، واستغلته سائحة مُسنة جنسيًا حينما تصادف وجوده بغُرفتها وحدهما، ثم أصبح داعرًا للمُسنات من السائحات. وسوسو أو سحر زوجة عوض الدسوقي، الراقصة المعتزلة، وعَرضت لها تغيراتها الجسمانية بعد اعتزالها وكبرها في السن. وداليا عوض، المسترجلة المُعقدة وصديقتها السحاقية، وفُرص ممارستهما المتكررة. برغم بعض الهنات في المشهد الأخير، والذي سأتعرض له فيما بعد.

شبكة الدعارة التي تقودها عِدة شخصيات من بينها هديل وشيماء، وما تتمتعان به من جمال وأنوثة، وطريقة توريط البنات في علاقات جنسية مع الأثرياء والمسئولين العرب، وإيمي التي سحبها الرجل البدين تاجر السلاح إلى غرفة القصر ليُعمل فيها غريزته. كل ذلك لم يشفع لها أو يُشجعها في الخوض بوصف لعملية الجنس أو مشاهد مُثيرة لغريزة القارئ إطلاقًا، وتغاضت عنها باستعارات وتشبيهات وحلول إبداعية خاصة إيحائية بالمعنى المطلوب:

(اندفع من فمه سيل من اللعاب اللزج أغرق رقبتها، اندلعت بداخلها ألسنة من اللهب الحارق، وقتها فقط سطعت في الغرفة ألوان متداخلة تسللت إليها من الألعاب النارية التي كانت تنير السماء في الخارج).

الأمر الذي يُحسب لها، ويُدلل على احترافية كاتبة، لها قِيم نبيلة، يرفع من قَدرها، ويُنظف ساحتها الأدبية من أي أساليب مُلتوية لزيادة الانتشار أو المَبيع. فالرواية بها من التشويق والإثارة السردية للأحداث ما يُؤهلها لانتشار فسيح، ومَبيع غزير.

وبصفتي قارئًا ناقدًا مُتذوقًا، فأنا أنتصر لهذا النوع من الأدب وأُشجع عليه، وأُقدمه كعمل أدبي قيم للغاية، يستحق تقديره عالميًا، مُناسب لقراءته من كل أفراد الأسرة بلا ارتياب.

تكتب الكاتبة في (سرابيط الخادم) عن واقع دقيق لا مجال فيه للخيال إطلاقًا برغم أسطوريته، فكل ما سردته حقيقي، ومُخزٍ وفاضح؛ لدرجة أن شاكيرا لن تستطيع أن تُقاضيها عن ذكرها لها في حفل الأمير بما قامت به من غناء ماجن وعُري مُستباح، لتنال به رضا الأمير الخليجي شقيق الملك؛ لأن تلك حقيقتها بالفعل. كما أنها حقيقة الأمراء الخليجيين، وذوي النفوذ في الدول العربية المُحيطة، حتى إنني أحسست أنها سردت المشهد الفاحش المشهور في الفيلم المغربي «الزين اللي فيك» الراقصات من البنات الجميلات أمام شخصيات عابثة من جنسيات عربية مختلفة. وهو ما يُعبر عن واقع عَفِن مُخزٍ مُزرٍ وخطير.

بل لا سبيل للمبالغة حينما نُذكر بأن الكاتبة صحفية في الأساس؛ تكتب من واقع مِهني ترصد منه الأخبار والحقائق التي رأتها رؤيا العين، ولديها سَيل من المعلومات ذات مصادر موثوقة، حتى لنشعر أثناء القراءة بأنها الكاتبة التي تعرف كل شيء! لا روائية تشطح بخيالها الذي يسمع عنه كثير منا فحسب. بل إني أتجاوز هذا، وأقول إنها رواية طويلة حقيقية، تعرضت لها الكاتبة بنفسها، واطلعت على جميع تشعباتها وتفاصيلها وملفاتها، غيرت فيها بعض أجناس الشخصيات الرئيسية، لتكون هي نفسها الأقرب لشخصية الصحفي «عُمر النواوي».

مسار واحد في البدء لم يُقنعني بالرواية، هو مسار داليا (الخنثى)، أو المتبلدة مشاعريًا تجاه الرجال، فعندما قررت الرضوخ لطبيعتها، وممارسة الجنس مع مروة، كأنما وجدت ضالتها مع تلك الفتاة المثلية، وإشكالية المعالجة المطلوبة ليست في الجنس، الذي ما أن يقضيه المرء خلال سويعات يلبث مُتشبعًا أيامًا وأسابيع أحيانًا، بل إن الإشكالية في حاجتها إلى الحب الحقيقي، الذي لا يكون مجرد قرار اتخذته داليا. الإشكالية في العلاقة السَوية التي تفتقدها عند والديها والرجال عمومًا؛ لذلك ليس من سبيل واقعي لحل عُقد داليا؛ لأنها فاقمت مشكلاتها أكثر، فكأنما حصلت على مُسكِن لآلامها النفسية فحسب، تُخفف به كُرهها وتمردها، إنما أن تحل عُقدها ومشكلاتها، بتحويل جنسها إذا كان هذا مطلوبًا، والعيش بين أهل طبيعيين، في بيئة سَوية.

فالمُعالجة هنا وإن كانت مرحلة شاذة لمصير أسود، فالمشهد لم يرقني فنيًا. كما أنه ليس منطقيًا أن تأبى داليا التورط جنسيًا مع مروة، ثم تقبل أن تخوض فيها طلبًا للحب فحسب! وهل مطلبها هو حب الأهل أم حب العاطفة أم حب الصداقة؟! لأن فِطرة المرء لا تطمأن لحل مُسكِن، خالٍ من القيود والقوانين الربانية والاجتماعية. ولأن تعلق مروة بداليا هو تعلق جنسي بحت، خال من الصداقة، فبالتالي ما الذي يجذب داليا إليها؟! لذلك لم يعجبني مشهد التقاء داليا بمروة في صفحة 408. لكن النتيجة مَنطقية ومقبولة بما يخص نهاية داليا.

أعتقد أن نهاية الرواية، التقاء مايا بأديرا وكلارا في لندن، تحمل رسالة هامة، أنه لا يُمكن الوثوق بشخصية لها علاقة بإرث صهيوني ما في عائلتها.

من أجمل الفقرات التي راقتني للغاية، ولها أبعاد تاريخية وعقائدية ودينية وسياسية:

(مصر بلد غريبة جدًا، كل آثارها بناها المصريون من أجل الله وحده.. نحن نتحرك وسط تاريخ شهد تحالفًا مقدسًا ما بين السياسة والدين. سلطة يرفضها المتحذلقون من العلمانيين، ولا يتورعون هم أنفسهم عن الاحتماء بالدين في وقت الصعود للحصول على السلطة. كيف يمكن أن يخاطب السياسيون شعبًا كالمصريين صدَّر الدين للعالم كله، ويطالبونه بألا يقحم الدين في أموره السياسية. فحتى الأساطير التي ارتبطت بميلاد الدول والمدن وحالت بينها وبين الانقراض، تحول أبطالها إلى آلهة تعبد).

من خلال هذه السطور المُستمدة من أهمية الدين في حياة المصريين، تُكرس الكاتبة لمعنى تعدد الأديان في مصر، وقُدرة المصريين على تقبل الآخر، وأنها عاشت بمرونتهم ولِينهم إزاء العقائد والعبادات المختلفة. ولعل هذا تمهيد للفكرة الأساسية المُستمدة من توزيع سالم لأسراره بين آثار يهودية ومسيحية وإسلامية.

راقني كذلك بصفحة 444، ما علمه مروان ضابط الأمن عن جمعية (بناى برث) الصهيونية الماسونية، وأهدافها الخبيثة لاستيطان العالم كله، وبالأخص العالم العربي والإسلامي، والسيطرة عليها عبر التحكم في سياساتها. الرائع ما ختمه بتوصياته:

(فالتوصيات التي سيكتبها في نهاية التقرير، كانت بمثابة الحل الوحيد لمقاومة تلك الجمعية، ولحماية مصر وغيرها من الدول التي يتم استهدافها.

«العيش والحرية والعدالة الاجتماعية»).

لا يخفى أن الشعار يخص ثورة شعب مصر يناير (كانون الثاني) 2011، كأن الحل يكمن في الثورة على استبداد الحُكام، الذين هُم بدورهم عُملاء لتلك الجمعية الأخطبوطية العالمية الخبيثة. وهنا ينضم ضابط أمن دولة مَنوط به حماية نظامها، إلى مصري حُر يعتنق الحقيقة، ويثور على الباطل، ويدعم الثوار في إسقاط النظام، من أجل أن يحل محله نظام مُطهَر يكفل العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، ليس للمصريين فحسب، إنما للعالم، ويقيه من عنكبوت الإنسانية السام المتمثل في الماسونية الصهيونية، التي تصنع شبكات الشر لتمتص ثرواتها وتُضعفها.

سرابيط الخادم، رواية مَلحمية واقعية عبقرية، تليق بأسطورة خير، في مُواجهة أسطورة شرور، تكشف لنا باقتدار مُبدع، أبعاد الشر والفساد المتواريين وما خلف الأستار الحريرية العُليا في عالمنا؛ كإنذار مُبين؛ من أجل أن يُقاومه عن اقتدار كل الشرفاء من اليهود والمسيحيين والمسلمين، في ثورة عارمة، مُهيأة في المستقبل لمعركة حامية الوطيس، بين الحق والباطل، تضمن النصر للخير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كتب
عرض التعليقات
تحميل المزيد