رفيقي في درب الشباب، دعني أنتحي بك جانبًا وأخبرك بفاجعة لا تعني سوانا، بعد أيام من الآن  سيأخذوننا إلى صجراء بعيدة تعج بالحشائش والشجيرات والرمال التي يصفها الشعراء بالذهبية وأشياء أخرى لم أعد أتذكرها، سيستأصلوننا من نعيم بيوتنا ويحجزون لنا أماكن في مناطق حدودية غابرة، هناك حيث أشعة شمس أكتوبر أو نوفمبر -لا أدري- المحتشمة أو النافذة ستخترق أجسادنا المهترئة وصمت الكون سيطرق في أذننا، سيجردوننا من هواتفنا الأذكى منا، لن نغازل صديقاتنا مع غبش الصباح بعد هذا اليوم بالرسائل المنسوخة من منتديات عشاق محمود درويش، لن نتشارك مع الغير في مواقع التواصل الاجتماعي روتيننا اليومي البئيس وأحلامنا وتقلبات وجداننا وذكريات ماضينا، لن نتمنى السلامة لوطننا بمنشور هلامي في عيد الاستقلال ولكن سنتعلم كيف نصون كل شبر من أرضه بأيدينا، سندرك أيضًا أن الوطن ليس كله شلالات وخضرة ومراكز تجارية ومدن فسيحة، هو صحارى وحشائش وحر وأمد بعيد أيضًا.

لن يصفنا بعد هذا اليوم أحدًا بالجيل التافه والشهواني والمستهلك وغير النافع، سنحمل سلاحًا يحيي فينا ذاكرة أجدادنا الذين لقوا حتفهم مناشدين نور الاستقلال في عتمة تغول المستعمر، سنهتدي لماهية مصطلحات أضحت ميتافيزقية بالنسبة لنا كالانضباط والالتزام والمسؤولية، سندرك لا محالة أن الوطن ليس بعثات دبلوماسية ورايات ترفرف في الملاعب وتحية للعلم في صباح يوم الاثنين الغابر، ولكن هو أيضًا تضحية وكفاح من أجل حمايته وصيانة وحدته الترابية. نحن محظوظون أيضًا، يغمرني يقين أن لا أحد سيتجرأ على نشر منشور في الفيسبوك يعبر فيه عن امتعاضه من صفعة العقيد له أو يشكو اختراق أشعة الشمس لجلده الناعم الحساس، سيكف الشباب أيضًا عن استعراض تقلبات مزاجهم التي أصبحت أكثر تقلبًا من الأحوال الجوية. لن يكون هناك مكان هنالك لهذه التفاهات والترهات التي غزت حياتنا.

صديقي المقبل على التجنيد، دعني أخبرك أيضًا أن أبي قضى دهرًا في صفوف القوات المسلحة المغربية، دعني أعترف لك أننا كعائلة افتقدنا للأمن الذي يحمله وجوده لكننا كنا دائمًا نشعر بالفخر لأنه يساهم في استتباب سلامة وأمن وطن ليس لنا سواه، يتحاشى دائمًا الحديث عن مستهل مسيرته حين رأى شذرات الموت بعينه في قلب الصجراء ربما لأنه كان يدرك في قرارة نفسه أن ابنه سيكون ملزمًا بقضاء سنة من التجنيد الإجباري أو لأنه كان مؤمنًا أن «التاريخ يتذكر الملوك وليس الجنود». لقد كان يخالجني تأثر مفعم بالإنسانية وكانت ترتسم ابتسامة ماكرة على شفتي عندما كان يخبرنا بفحوى الرسائل التي كانت تُبعث لرفقائه الجنود من طرف عائلاتهم والتي كان يتكفل بقراءتها لهم، كانت كلها تحمل جملة أسطورية: «لاينقصنا إلا النظر في وجوهكم وبعض الأوراق الزرقاء».

عودة التجنيد الإجباري للشباب من 19 إلى 25 سنة مع بعض الاستثناءات أضحت واقعًا لا مفر منه، هذه المرة، سأتجرد من كل مبادئي وسأطرق باب المحسوبية والزبونية، أريد أن تكون خدمتي العسكرية بعد انقضاء فترة دراستي بجانب والدي لكي ألامس معاناة حماة الوطن، لأدرك كيف هو طعم الحياة من دون الأثير ومؤانسته أو «wifi» الذي تكاد حياتنا تنعدم دونه، والأهم من كل هذا  هو معرفة كيف يمكن للمرء أن يصرف أيام رمضان تحت وطأة حرارة تبارح الخمسين درجة وأن يعيش بعيدًا بمئات الكيلومترات عن عائلته وكأنه في غربة في حضن الوطن.

أعتذر يا صديقي إن تسربت بعض نزعات الخوف إلى قلبك، أتمنى لك تجربة مثمرة وموفقة في التجنيد الإجباري، قبل أن أودعك، لا أريدك أن تنسى شيئًا مهمًا، إن الأكثر غيرة على هذا الوطن ليس بالضرورة مؤثرًا فيسبوكيًا أو مغنيًا يكتب أغاني وطنية مبتذلة، لكن ربما هو جندي في أقصى صحراء المملكة المغربية،  غرق في براثن هموم الحياة لكنه ما يزال يبتسم، ومصر على أن يجعل من ابتسامته تلك الموجة العملاقة التي تداري شساعة البحر، بحر الهموم والحنين والمعاناة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد