اندفاع جماعي للسباحة في نهري دجلة والفرات، قطع للطرقات في تونس، غضب مواطني عارم في طرابلس الليبية. هذه يوميات بعض المواطنين العرب خلال فصل الصيف، وهو الفصل الذي يشهد ارتفاعًا شديدًا في درجات الحرارة خاصة في الدول العربية ذات المناخ الصحراوي وشبه الصحراوي مثل السعودية، ليبيا، مصر، العراق، سوريا. ومع هذا الارتفاع في درجات الحرارة، يرتفع الطلب على الكهرباء والماء سواء للاستهلاك المنزلي أو الزراعي أو الصناعي.

في هذا الإطار، لا يخفى عليكم أن الوضع الخدمي في العالم العربي يسير من سيي إلى أسوأ، ولا يمكن أن نتوقع خلاف ذلك وسط الوضع العام العربي المتردي سواء على المستوى السياسي أو الأمني أو الاقتصادي أو الاجتماعي، ولا يمكن للفساد، وسوء الحوكمة، والاضطرابات السياسية، والحروب الأهلية، والتقلبات المناخية أن تؤدي إلى غير هذه النتائج.

أن تواجه دولنا اليوم هكذا تحديات وأزمات، هذا أمر طبيعي، لكن أن نفشل في حسن إداراتها وفي إيجاد الحلول المناسبة لها منذ سنوات، عندها يجب طرح الأسئلة حول الأسباب التي جعلت سقف طموحات المواطن العربي في القرن الحادي والعشرين هو توفير المياه والكهرباء باستمرار ودون انقطاع.

هذا المواطن الذي صرخ وانتفض قبل حوالي 10 سنوات في ساحة القصبة التونسية، وميدان التحرير المصري، وساحة الحرية بصنعاء، وساحة العاصي بحماة، طالبًا الحرية والكرامة والشغل، متأملًا في التغيير نحو الأفضل، أضحت طموحاته في 2020 هي توفير أبسط أساسيات الحياة.

إلى أي حد ساء الوضع الخدماتي في العالم العربي؟ وما الأسباب؟ هذا ما سوف نحاول الإجابة عنه من خلال هذا المقال، عبر أخذ أمثلة متنوعة من وطننا العربي، حيث سنستطلع ما باتت تعانيه شعوب هذه البلدان من جراء إنقطاع المياه والكهرباء، والأسباب التي أدت إلى ذلك.

العراق

ربما يكون العراق أول بلد عربي يتبادر إلى أذهاننا عندما نتحدث عن أزمتي الكهرباء والمياه، وهو الذي عرف قبل حوالي العام انتفاضة شعبية عارمة كانت من بين أهم أسبابها تردي الخدمات الأساسية في البلاد طوال السنوات الماضية. في هذا الاطار، دعني أذكرك أيها القارئ أن البلد الذي نتحدث عنه هو العراق بلد الرافدين (دجلة والفرات)، صاحب خامس أكبر احتياطي نفطي في العالم، وهو الذي تمتد صحراؤه على مساحة شاسعة تفوق 160 ألف كلم مربع (أكبر من مساحة تونس)، بما يعنيه ذلك من إمكانيات لإنتاج الطاقة الشمسية.

هذا البلد الغني بموارده وثرواته، عجزت حكوماته المتعاقبة منذ سنة 2003 عن توفير أبسط الاحتياجات اليومية لشعبه. فعلى مستوى قطاع الكهرباء، انفقت أموال طائلة قدرها مؤخرًا رئيس الوزراء الحالي، مصطفى الكاظمي بـ62 مليار دولار خلال ال17 عاما الماضية، لكن ومع ذلك بالكاد يغطي إنتاج البلاد من الكهرباء 13.5 ألف ميجاوات نصف احتياجاته (24 ألف ميغاوات)، وهو ما يتسبب بانقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة خاصة في المحافظات الوسطى والجنوبية، وهو ما أوعزه الكاظمي إلى سوء التخطيط والفساد. مما يعني أن أغلب الأموال المستثمرة في هذا القطاع، كان مصيرها ثقب الفساد الأسود، خاصة إذا ما اعتبرنا أن سوء الحوكمة والتخطيط هو أحد أوجه الفساد.

الوضع لا يبدو أفضل على مستوى القطاع المائي في بلاد الرافدين، التي ورغم تمتعها بمصادر مائية متنوعة ما بين الأنهار (دجلة، الفرات، الكارون..) والأحواض الجوفية الكبرى (مثل حوض الفرات)، فإن البلاد صارت تعرف انقطاعات في المياه تأثر بها المواطن البسيط بدرجة أولى سواء في شربة مائه أو في لقمة عيشه.

حسب بعض المقالات التي كتبت عن هذا الموضوع، تنقسم أسباب أزمة المياه المتفاقمة في العراق إلى ثلاثة أسباب كبرى. السبب الأول يتمثل في الإهمال، سوء الإدراة الحكومية وعدم إعطاء الأولوية الكافية لهذا الملف من قبل الساسة العراقيين. فرغم الميزانيات المتضخمة منذ سنة 2003، فإن العراق لم يبنِ أي سد جديد، ولا قام بتوسيع بحيرة أي سد قائم، ولا أطلق أي مشروعات مائية استراتيجية، ولا أحسن استغلال مياه دجلة والفرات التي تصب في مياه الخليج المالحة، وذلك حسب الباحث في شؤون الموارد المائية رياض العلي.

وبالرغم من احتواء البلد على ثروات مائية جوفية مهمة كما سبق وأن ذكرنا، فإن العراق يبدو غير قادر على استغلالها بسبب افتقاده للتقنيات الحديثة لاستخراج ومعالجة هذه المياه الجوفية أولًا، وتكلفتها الباهظة ثانيًا. أكثر من ذلك، بل إن السلطات العراقية غير قادرة حتى على تحديد حجم المياه الجوفية بسبب شح البحوث العلمية في هذا المجال، ولم ترسم الدوائر الرسمية خارطة لموارد البلاد من المياه الجوفية إلا في سنة 2010 بالتعاون مع مكتب اليونسكو بالعراق.

السبب الثاني لأزمة المياه ببلاد الرافدين يتمثل أيضًا في تعدي أكبر جارين للعراق على حصته في الأنهار المشتركة، واستغلالهم لضعف هذا البلد (الناتج من الاضطرابات السياسية والأمنية) لبناء سدود وتحويل مجاري أنهار، دون أي تشاور أو مراعاة لمصالح العراقيين. فعلى سبيل المثال لا الحصر، أدى تحويل الإيرانيين لمجرى نهر الكارون وبناء عدد من السدود على نهر الكرخة (وهما نهران يصبان في شط العرب جنوبي العراق) إلى تراكم نفايات مصفاة عبادان النفطية، وإلى إرتفاع نسبة الملوحة فيه نظرًا لتقلص تدفق المياه العذبة. وهو ما كان له آثار اجتماعية واقتصادية وبيئية مدمرة على السكان، كان أولها تحول مياههم إلى مياه غير صالحة للشرب، هذا غير تلف المحاصيل الزراعية بسبب المياه المالحة، وتدمير الثروة السمكية النهرية.

بحكم أنه بلد مصب لنهري دجلة أو الفرات، عرف العراق أيضًا مشكلات متنامية مع الجار التركي فيما يخص قضية المياه، والتي بدأت تطفو على السطح منذ بناء تركيا سد كبيان في أواسط سبعينيات القرن الماضي، مرورًا بسد أتاتورك الضخم في التسعينيات، وصولًا إلى شروع تركيا في مشروعها القومي (مشروع جنوب شرق الأناضول)، الذي يتضمن بناء 22 سدًّا، أبرزهم هو سد إليسو على نهر دجلة الذي تسبب ملء حزانه سنة 2018 بتقليص تدفق مياه النهر إلى أقل من النصف، وهو ما كان له آثاره السلبية في العراق، خاصة من حيث جفاف أراضيه الزراعية.

الجفاف في العراق 

في هذا الإطار، يشير بعض الخبراء إلى أن الخلل يكمن في عدم إبرام العراق لاتفاقيات دولية لتقاسم مياه الأنهار المشتركة، وعدم تفعيل بغداد وسائل الضغط الكفيلة بإرغام أنقرة وطهران على احترام التزاماتهما ومراعاة مصالح العراقيين.

فكل من تركيا وإيران تستفيدان من عجز الميزان التجاري العراقي الذي يميل بشكل كبير إلى صالحهما، حيث بلغ حجم التبادل التجاري مع الأولى 16 مليار دولار، والثانية 13 مليار دولار سنة 2019، هذا غير تحول العراق إلى رئة اقتصادية لإيران للتهرب من العقوبات التي فرضتها واشنطن إثر إلغاء الاتفاق النووي. من جانب آخر، يمكن للتعاون الأمني في مكافحة التنظيمات المسلحة التي تهدد أمن تركيا (مثل حزب العمال الكردستاني) وأمن إيران (مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني) أن يشكل عامل ضغط إضافي يمكن أن يستغله العراق لصالحه في أي عملية تفاوضية في المستقبل.

في عودة إلى أسباب الأزمة؛ يعد التغير المناخي السبب الثالث لأزمة المياه ببلاد الرافدين، وهي الظاهرة التي حذرت عدة تقارير من أن العالم العربي أو منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ستكون أكثر مناطق العالم تضررًا منها، حيث سنعرفها على شكل موجات جفاف أو فيضانات، وهو ما سيكون له تأثيرات مباشرة في اقتصاداتنا وأمننا الغذائي. العراق غير مستثنى من هذا الخطر، وهو مهدد بالتحول إلى بلد بلا أنهار في أفق العام 2040 إذا لم تتحرك السلطات العراقية لاتخاذ الإجراءات اللازمة، وذلك بناء على تقرير صادر عن بعثة الأمم المتحدة بالعراق سنة 2010.

لم تتوقف معاناة المواطن العراقي عند حدود نقص المياه، وإنما أضيف إليها مشكلة تلوثها حيث أشار تقرير لمنظمة «هيومن رايتس واتش» سنة 2019 إلى أن 4 ملايين شخص من سكان محافظة البصرة قد حرموا من الحصول على المياه المأمونة صحيًّا طوال الثلاثة عقود الأخيرة، وقد شهدت سنة 2018 دخول 118 ألف شخص إلى المستشفى إثر إصابتهم بأمراض تراوحت أسبابها بين الفيروسات والطفيليات والبكتيريا، والمعادن السامة الناتجة من تلوث المياه.

في هذا الصدد، حملت المنظمة الحقوقية الدولية مسؤولية هذه الأزمة إلى السلطات العراقية، التي تقول إنها تقاعست منذ عقود عن حسن إدارة الموارد المائية وتنظيمها بشط العرب ومجاريه، وغضت الطرف عن تلويث الأنشطة البترولية لموارد البصرة المائية، وقد رصد التقرير حصول تسربات نفطية بمياه النهر، حسب ما تظهره صور الأقمار الصناعية.

ليبيا

في ليبيا التي ما زالت تعيش على وقع الاحتراب الأهلي منذ قرابة عقد من الزمن، عرفت العاصمة طرابلس قبل بضعة أسابيع مظاهرات هي الأكبر منذ سنوات؛ وذلك بسبب تردي الخدمات العامة، وعلى وجه التحديد منها خدمة الكهرباء، وما فرضه هذا الواقع من معاناة يومية على الليبيين الذين تحملوا الأمرين لقرابة العام من عدوان قوات حفتر على أحيائهم وبيوتهم.

هذا الانقطاع يعزى إلى المشكلات الفنية وتهالك محطات الكهرباء المغذية لمدن الغرب الليبي مثل محطة غرب طربلس، جنوب طرابلس، الزاوية، الرويس، الخمس… وهي محطات لا تشتغل في غالب الأحيان إلا بنصف طاقتها، وهو ما يترك كبرى مدن الغرب الليبي لساعات طويلة بدون كهرباء. وإذا كان الوضع في طرابلس يبدو بهذا السوء، في الجنوب الليبي يبدو الوضع أكثر سوءًا، حيث ليس هناك انقطاع للكهرباء لأنه لا يصلهم أصلًا، وحتى الآمال التي علقت على محطة أوباري (جنوب غرب البلاد) ذهبت أدراج الرياح بسبب ما قيل من إنها مشكلات فنية أعاقت تشغيل المحطة.

فرغم نجاح قوات حكومة الوفاق في دحر قوات حفتر عن العاصمة في شهر يونيو (حزيران) الماضي، وتنفس أهالي طرابلس الصعداء إثر هذا النصر، فإن معاناتهم مع انقطاع الكهرباء (الذي قد يصل إلى 20 ساعة في اليوم) ما زالت مستمرة، وفي حين يرى المحتجون أن أهم أسباب الأزمة تتمثل في استشراء الفساد والفشل في إدارة قطاع الطاقة، يتهم بعض مسؤولي حكومة الوفاق حفتر وداعميه بالوقوف وراء تفاقم أزمتي الكهرباء والوقود في مدن الغرب الليبي.

أعمال صيانة للشبكة الكهربائية في ليبيا 

شأنه شأن المواطن العراقي، لا تتوقف معاناة المواطن الليبي عند حدود الكهرباء، وإنما تتجاوزه إلى مشكلة الحصول على المياه الصالحة للشرب. وهي مشكلة تتمثل أسبابها في تهالك التجهيزات وشبكات نقل المياه خلال العشرية الأخيرة، وأيضًا تحول المنشآت المائية (من محطات ضخ وأنابيب) إلى أداة للابتزاز وسلاح للحرب. وهو ما عرفته العاصمة طرابلس خلال حملة قوات حفتر عليها؛ إذ قام الأخير بشن حرب من نوع آخر على أهاليها، وذلك عبر قطع المياه عنهم في محاولة منه لكسر صمودهم ودفعهم إلى التمرد على حكومة الوفاق.

تونس

في تونس المجاورة، يروي تقرير لوكالة «رويترز» نشر قبل حوالي العام بخصوص أزمة المياه في تونس، عن أن أهالي بعض المناطق الجبلية والريفية عليهم في غالب الأحيان الاختيار بين استخدام المياه إما للشرب وإما الطهي وإما الاستحمام و سقي المواشي وذلك نظرًا لمحدودية الكميات التي بحوزتهم. تونس، والتي وإن كانت أرقامها الرسمية تشير إلى أن أكثر من 90% من سكانها يمكنهم الحصول على المياه، فإن حصة الفرد فيها لا تساوي إلا 420 مترًا مكعبًا في السنة، وهو ما يجعل منها بلدًا فقيرًا مائيًّا حسب المعايير الأممية التي تصنف حد الفقر أو الشح المائي بألف متر مكعب للفرد في السنة.

هذه الأزمة، تعزى أسبابها حسب السيدة إيمان اللواتي (باحثة في المرصد التونسي للاقتصاد) إلى سوء البنية التحتية المائية، اختلال أو سوء ترتيب الأولويات (مثل استغلال الفنادق للمياه على حساب المزارعين والمناطق النائية خلال فصل الصيف) وتأثيرات التغيير المناخي.

معاناة التونسيين من جراء حمل المياه في تونس 

لكن هذه الأسباب تبدو حاليًا بعيدة عن المعالجة، ولا تحظى بالاهتمام الكافي من قبل ساسة البلد، ربما بخلاف بعض الاستثناءات، مثل الرئيس السابق المنصف المرزوقي الذي كان من بين القلائل الذين حذروا كثيرًا من خطورة هذه الأزمة. حيث كان الرجل قد قام فعليًّا ببعض التحركات في هذا الملف عندما تولى منصب رئيس الجمهورية سنة 2012، كان من أهمها اقناع اليابانيين (في إطار قمة تيكاد سنة 2013) بتمويل مشروعين مائيين، أحدهما لجهر وادي نهر مجردة، والآخر لبناء محطة لتحلية مياه البحر بصفاقس جنوبي البلاد.

يجدر الإشارة أيضًا إلى أن المرزوقي كان تقريبًا المرشح الرئاسي الوحيد الذي سلط الضوء على قضية المياه خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة. وعلى الرغم من أنها قضية حيوية، فإن نقاشات ساسة تونس العقيمة التي انحصرت في مسألتي تغيير النظام السياسي والانتخابي، يبدو أنها لا تولي أي درجة من الاهتمام إلى قضية يجب اعتبارها مسألة حياة أو موت بالنسبة للشعب التونسي على المدى المتوسط والبعيد.

حتى في باقي الدول العربية التي لا تعرف اضطرابات أمنية وسياسية، والتي يمكننا القول إنها دول هادئة ومستقرة نسبيًّا، أضحت اليوم هي الأخرى تواجه تحديات على مستوى توفير الماء والكهرباء لمواطنيها.

ففي الجزائر على سبيل المثال، عرفت البلاد موجة من الاحتجاجات في صائفة عام 2019 بالتزامن مع مظاهرات الحراك الشعبي ضد رموز حقبة بوتفليقة آنذاك، لكن الدافع وراء هذه المظاهرات كان انقطاع المياه الذي عرفته البلاد طيلة أيام عيد الأضحى في أكثر من 30 ولاية. وفي حين رأى بعض المتابعين أن أسباب الأزمة تعزى إلى الوضع السياسي بالبلاد وإلى صراع الأجنحة داخل النظام، رأى شق آخر أن سوء الإدارة الحكومية وعدم انتظام هطول الأمطار (التقلبات المناخية) كانت من بين أهم أسباب هذه الأزمة.

مع ذلك، وسط هذه العتمة، وجب دائمًا أن نتذكر أن ما يملكه العالم العربي من موارد وثروات سواء مادية أو بشرية يسمح له بتحويل النقمة إلى نعمة، والخطر إلى فرصة، لكن نحن فقط نفتقد إلى الإرادة والعزم الكافيين، وإلى الإيمان بأن البؤس والفقر والجوع والتبعية ليس قدرنا. أمام هذه الأزمات، دور القائد وجب أن يكون جمع مختلف أطياف وفئات الشعب حول هذه القضايا الحارقة، وهو ما نفتقده حاليًا في جل الدول العربية، بما أن جل حكامها المستبدين غير المنتخبين هم آخر من قد يحقق الإجماع الوطني والشعبي حول أي قضية.

حتى في تونس مثلًا، نحن حاليًا نفتقد إلى القيادة، مع أن دولتنا هي دولة ديمقراطية، ومع أن رئيسنا منتخب مباشرة من قبل الشعب بنسبة تفوق 70%. فإن اهتمامات الرئيس، قيس سعيد، حاليًا تبدو بعيدة جدًّا عن التفكير فيما يتهدد هذه البلاد من أخطار مستقبلية على مستوى أمنها القومي المائي والغذائي والاقتصادي، وذلك على الرغم من أن صلاحيات منصبه تتيح له التحرك بمرونة في هكذا ملفات، إلا أنه يأبى إلا أن يفوت الفرصة على نفسه ليكون القائد في لحظة الأزمة.

على امتداد الرقعة العربية، نحن اليوم ندفع فاتورة عقود من الفشل والفساد وسوء التخطيط وسوء التدبير من قبل الأنظمة التي حكمتنا من المحيط إلى الخليج. ففي الوقت الذي كان ينبغي أن نجلس فيه على طاولة واحدة ونخطط بشكل جماعي حتى لا نصل إلى مثل هذا اليوم، كانت لحكامنا أولويات أخرى مثل احتكار المزيد من السلطة، نهب مقدرات البلاد، تهريب الأموال إلى الخارج، تمكين الأقارب من أعلى المناصب، قمع الأصوات المعارضة في الداخل، ملاحقة المعارضين في الخارج، مراقبة وسائل الاعلام والإنترنت.

في رأيي، الأخطر من كل ما سبق هو أن هذه الأزمات على المدى المتوسط والبعيد تهدد بتحويل حتى باقي الدول العربية التي تعيش في استقرار وهدوء نسبي إلى دول فاشلة، إلى دول مصدرة للاجئي المناخ، وهي تهدد أوطاننا حتى في وجودها. فانعدام الخدمات الأساسية لا يؤدي فقط إلى تنفير رأس المال الأجنبي والاستثمارات الخارجية، بل يخلق أيضًا بيئة طاردة لرأس المال الوطني وللأدمغة والكفاءات المهنية، وهم الثروة الوطنية الحقيقية التي لا تقدر بثمن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد