لا يزال الاشتغال في أسلاك الوظيفة العمومية، وخاصة في قطاع التربية والتعليم المغربي، موسومًا على الدوام بالإكراه والإجبار، رغم كل شعارات الحرية وحقوق الإنسان والمواثيق الدولية المتنامية في البلد، وكأن هذا القطاع هو المحمية الوحيدة التي رغم كل التطورات والمجهودات التي يشهدها، لا زال يراد لها عن قصد وإصرار، أن تكون متخصصة في توالد العبيد وحماية العبودية على فظاعتها ونخاسة رهطها.

 

فبدءًا من سنوات الالتحاق بالقطاع قد لا يكون لك أي دخل في اختيار مكان المباراة ولا مركز التكوين، وأثناء التكوين ليس لك أي سلطة في اختيار مواد التكوين أو نموذجه خاصة ما يستجيب لحاجياتك التربوية والبيداغوجية والمهنية والتواصلية وغيرها، مما يجعل تخرجك بعدها، إعلانًا حقيقيًّا بترك بضاعة التكوين في المركز ومواجهة الواقع بالطرق التقليدية والمجهودات الذاتية. وبعد التكوين أيضًا، يفرض عليك التعيين للعمل في أي منطقة كانت، وغالبا ما يكون تعيينا سورياليا يبكي الرجال والنساء بسببه الدم الأحمر القاني بدل الدموع. وكان من الإمكان بشيء من المكننة و المعيارية وحق التبادل أن يستجاب لمختلف الطلبات والرغبات والحالات الخاصة.

 

وعند بدء العمل، وسنة بعد سنة تكون كل المقررات وكل البيداغوجيات مفروضة على الأستاذ، ولأنها لم تنبع من الواقع ولم يشارك فيها الفاعلون تواجهها صعوبات التنزيل قد تبلغ حد الفشل الذريع، ودون حياء لا تتورع الجهات المسؤولة من أن تحمل هذا الفشل للأستاذ، بدعوى أنه لم ينخرط في المشروع بل وسعى لإفشاله، تكررت بيننا قصة البناي وصاحب المنزل وهو الذي كان يفرض عليه ما يقوم به وما لا يسمح له القيام به، باعتبار المنزل منزله والتمويل تمويله، حتى إذا عاب الناس عليه خربته رد اللوم كله على المعلم البناي، وهل كان البناي إلا عبدا مأمورا؟

 

 

وعقدًا بعد عقد، ينتظر المعلمون والأساتذة الانتقال وللاقتراب من مناطق سكناهم العائلية ومصالحهم الاجتماعية دون جدوى، فالإجبار قد أخذ بتلابيب كل شيء، ولا صحة ولا قرب ولا زواج ولا رعاية أسرية ولا دراسة جامعية مع الإجبار، وما على الموظف إلا “أن يأكل القوت وينتظر الموت”، وحتى إذا انتقل فإنما “كالدلو” من “البئر القديم” إلى “البئر الجديد”، أو كما هو الحال اليوم حيث تحول الأستاذ المسكين من مجر ” دلو” إلى مجرد “حليب” فائض، لتتحكم فيه كل أدوات الإجبار بأسماء ومسميات ما أنزلت التربية بها من سلطان، كتدبير الفائض والخصاص أو إعادة الانتشار وما هو بإعادة الانتشار، إن هو إلا إعادة الاحتقار، وإعادة التشريد في مزارع الوزارة دون أي اعتبار! والكارثة في الحقيقة، كيف أصبح يدبر هذا الوضع المأزوم والمزمن، وتستبعد فيه كل الحلول والسياسات والمقاربات إلا سياسة ومقاربة القهر والإجبار، والذي يطال الأستاذ في الدرجة الأولى وهو الذي ليس له أي دخل في صناعة الأزمة، التي يظل بالفعل صناعها وأبطالها في المصالح النيابية والمكاتب الإدارية في مأمن من أي محاسبة أوتشريد أو أي مساس.

 

  • فسياقات الوضعية المأزومة هذه، وهذا الفائض الذي كان في ما مضى امتيازًا وأصبح اليوم تهديدًا، ينذر بقطع الأرزاق ووضع السكاكين على الأعناق، هذه الوضعية المأزومة لا تأتي إلا من غياب بناء المؤسسات المطلوبة أو التأخر فيها، أو عدم التوازن بين المؤسسات المتواجدة، أو تقليص بنيات المؤسسات ولو بخلق أقسام خمسينية وستينية مكتظة، أو إرسال تلاميذ إلى مؤسسات مجاورة ليُضافوا إلى تلاميذها الأصليين، أو فقط جمع مستويات مختلفة في نفس المؤسسة خاصة المستويات الابتدائية (السمطة)، أوالمغادرة الطوعية والإحالة على المعاش مع انقطاع التكوينات والتوظيفات الجديدة إلا بالنقير والقطمير، أوالتعيينات العشوائية والزبونية في بعض النيابات والمؤسسات المحظوظة خاصة في صفوف الأشباح وزوجات رجال المصالح، أو الاضطراب في تبني بعض المؤسسات لتدريس بعض المواد أو إحداث بعض المسالك التي لا تلقى نجاحًا ليبقى أساتذتها وقد أصابهم الفيروس المشرد للفائض والخصاص ينتظرون الذي قد يأتي ولا يأتي، وقمة التدبير والشفافية ألا أحد يحاسب عن كل الاضطرابات السابقة والاختلالات العميقة إلا الأستاذ البريء.

 

  • كارثة أخرى، أن المذكرة الوزارية لتدبير الفائض والخصاص، تعتريها مع الأسف اضطرابات وتناقضات غير سليمة ولا متماسكة، فتفييضها لأستاذ ليست له معايير مضبوطة ولا مقبولة، فمثلا كان مما يجري به العمل هو أن الأستاذ الفائض هو آخر من التحق بالمؤسسة (نقطة إلى السطر)، واليوم يستثنى من هذا إذا لم يكن قد التحق بالمؤسسة تكليفا أو من أجل المصلحة، فمثل هذا يحتفظ له بأقدميته التي قد يصبح بها أول من التحق بالمؤسسة ولو كان في الواقع هو آخر من التحق، وإذا كان هذا الاستثناء مقبولا فلماذا لا تكون استثناءات أشد منها تقبل أيضا، ومن ذلك الأستاذ المشرف على التقاعد الذي ينبغي أن نرحم شيبته وأمراضه>

 

 

ومن ذلك الأستاذ الذي سينفك استقراره الاجتماعي ومواكبته لدراسة أبنائه الجامعية عن قرب، ومنه الذي لا يملك وسيلة نقل بين المؤسسات أو دار سكن بين الجماعات الأحواض المتباعدة، وأستاذ… وأستاذ…، وخلل أيضا في معايير الأقدمية، وخاصة معيار الأقدمية في النيابة، فما ذنب أستاذ يكون قد طلب نيابة العمل الحالية منذ أول تعيين فلم تعطَ له، لماذا يحاسب على شيء هو ليس مسؤولا عنه، وبأي منطلق إلا منطق المهانة والإذلال والقهر والإجبار، والإجبار لا عقل له ولا منطق، وإلا كيف يعتبر أيضا قوة “التكليف” في القانون وهي مؤقتة تساوي قوة “التعيين” وهي دائمة، وبذلك قد يطرد الأستاذ المكلف (المؤقت) من المؤسسة زميله المعين (الدائم)، في حين أن الأستاذ “المكلف” جاء مؤقتًا لأداء مهمة في مؤسسة الاستقبال، واليوم لم يعد في تلك المؤسسة خصاص، فالمفروض أن يعود “الكلف” من حيث جاء أو إلى ما هو متاح لا أن يثبت مكان “المعين” أو يصبح كالمنتقل الرسمي ولو بدون المشاركة في أي حركة انتقالية وطنية.

 

كارثة أخرى، وتتمثل في التلاعبات التي تعتري تنزيل المذكرة المشؤومة على أرض الواقع، تلاعبات كثيرًا ما ضلع أبطالها بتغليفها بوجه قانوني لا يقنع حتى البلهاء، فمذكرة الحصة الكاملة للأستاذ والتي أسست للمذكرة غير مطبقة في كل النيابات ولا كل الموسسات ولا كل المواد، بل هناك من لازال يشتغل بنصف حصة، التفويج الذي تنص عليه التعليمات الرسمية للوزارة في تدريس المواد العلمية، قد أزيل في بعض المواد وبعض المؤسسات وأمام أعين السادة المفتشين، لا لشيء إلا من أجل تفييض أساتذة، لتشردهم الإدارة والمصالح النيابية بكل فظاظة لا قانونية ولا حوارية ولا تربوية ولا إنسانية، وكأن القوم في معركة وجود حاسمة وقد كشروا عن أنيابهم ويسبحون بحمد المذكرة المشؤومة التي مكنتهم من تقديم خدمات خفية ومعلنة لفئات محظوظة من الأساتذة موالية على حساب أخرى لا مولى لها ولا حول ولا قوة.

 

وقد بلغ خبث هذا التلاعب أن نقلوني أنا شخصيا وبعد أزيد من ثلاثة عقود من العمل من نفس بنية المؤسسة (20 قسمًا) ونفس عدد أساتذة المادة (03) إلى نفس بنية المؤسسة المستقبلة (20) ونفس عدد أساتذة المادة (03)، ونقلوني مرة أخرى ليستنجدوا مكاني بمحضرة مختبر ويعطوها جدول الحصص الثالث الذي هو جدولي وليس من حقهم ولا من حقها، نقلوا العنصر النسوي من المعلمات رغما عنهن وأسرهن واستقرارهن من الوسط الحضري إلى الوسط القروي والمناطق النائية، وفي حين ما فتئ رئيس الحكومة يرجح تعيين النساء تعيينًا تفضيليًّا قرب أهلهن ومصالحهن ولو على حساب الرجال، فإن السيد النائب الإقليمي يقول لهن في انهيارهن واستعطافهن وبكل عنجهية: “راه وخا تبكي على الدم غادي تنتاقلي، أنت موظفة، ستلتحقين أو تتحملين مسؤوليك”، وطبعا، هذا رد أقسى من التشريد نفسه! ويبلغ التلاعب المفضوح أن زودوا مؤسسة بأستاذ رياضيات لا تشكو من خصاص ولم تطلب أي أستاذ جديد، لتتضح الأمور كلها فيما بعد، وبأن الملعوب إنما جرى كذلك لطرد أستاذ قديم في المؤسسة في نفس المادة، لأنهم يعتبرونه مشاغب نقابي، والأستاذ الجديد أكثر منه أقدمية، رغم أنه آخر من التحق، وكأن الأمر كله مجرد تلاعب مسرحي موسمي سخيف بمصالح الأساتذة المقهورين وليس فيه كما يدعون ولو قطرة واحدة من المصلحة التربوية ولا من الواجب الوطني ولا الانضباط المهني ولا هم يحزنون.

 

 

والكارثة الكبرى، لعلها تكمن في فلسفة المذكرة ذاتها وهي المبنية على الإجبار ولا شيء آخر غير الإجبار، الإجبار في عهد الحرية والكرامة والدستور الجديد وحقوق الإنسان والمواثيق الدولية…، ولا يجبر على العمل بغير رضاه إلا العبيد، ترى كيف لوزارة التربية والعلم والأنوار وفي الألفية الثالثة أن تعامل أساتذتها والركن الأساسي في كل منظومتها على أنهم مجرد عبيد مبثوثون في مزارعها وعليهم أن يعملوا كما يطلب منهم وأنى طلب منهم، فالوزارة هي صاحبة المزارع وصاحبة الشأن والبرامج والمهام وصاحبة أداء الأجور والعلاوات وهي المتفردة بالمذكرات وبالقرارات والتأديبات والاقتطاعات وأولها التنقيل الإجباري والتوقيفات، ولا عليكم بعد ذلك فهي تحرص كل الحرص على المقاربة التشاركية وقد وضعت لكم المجالس التعليمية لتوقعوا فيها يا رجال ونساء التعليم على حضوركم وجداول أعمالكم ونقاشاتكم ومطالبكم وتوصياتكم، وتركت لكم مجالس التدبير لتلوكوا فيها الكلام بعد مذكرات شردت زملاءكم وعجزت عن معالجة تدهور وضعيات مؤسساتكم، ولا عليكم فقد سميناها “مدرسة النجاح” والكل ينجح وسينجح وهذا هو المهم، فحذاري من الروح التضامنية لا الفردية ولا الجماعية فتقعوا في الإخلال بالاستحقاق الوطني للدخول المدرسي، وليكن شعاركم “تفوتني وتجي في من بغات”.

 

 

وأخيرا، حتى لا نكتب من أجل الكتابة، نقر بأن الوضع شائك ومعالجته تتطلب جهودًا جبارة تضامنية وجماعية تدبيرية وتنظيمية قانونية وتربوية جد فعالة ومتناسقة، وعليه ومساهمة في الحل نقترح البدائل التالية:

 

  • مذكرة صلبة في الموضوع، وببناء جماعي وصياغة تشاركية.

 

  • معاييير واضحة لتحديد بنيات المؤسسات و وفق معايير تعليم الجودة

 

 

  • التضامن الجماعي المؤقت لملء الخصاص وبالتناوب بين الأساتذة، ولكن ليس في نيابة واحدة أو مؤسسة واحدة أو مادة واحدة.

 

  • التخطيط المستقبلي المحكم وما يلزمه من طاقات وإمكانيات ومراعاة المصلحة التربوية فوق كل شيء، مع التزام الدولة بضمان شروط الجودة وعدم الارتهان الدائم للظروف والإكراهات.

 

 

  • احترام الدستور وحقوق الإنسان والمواثيق الدولية وما تدعو إليه من قيم الحرية والكرامة وعدم التعذيب النفسي والبدني والاجتماعي للموظفين، بمنحهم حق رفض الانتقال خارج نفس الجماعة.

 

  • جاهزية الدولة لإيفاء الرافضين للعمل عندها بشروطها الإكراهية الجديدة، لمستحقاتهم دون تماطل أو انتظار أو متاهات الدواليب الإدارية، مع سرعة تعويضهم عما طالهم من أضرار أكلت شبابهم وضيعت شيبتهم.

 

 

  • كف الوزارة عن أسطوانتها المشروخة: “هناك خصاص وهناك إكراهات”، فضجيج الأرقام يتحدث عن ما بين 120000.00 و300000.00 متقاعد سيغادرون أسلاك التعليم 5 أو 6 سنوات قادمة. فهل ستستطيع مذكرة إعادة الانتشار تدبير هذه الأزمة الخانقة أم ستزيد الطين بلة، فكفى من الضحك على الذقون.

 

  • تحمل النقابات لمسؤوليتها التأطيرية والترافعية والتدافعية مع الوزارة ومع الحكومة لما فيه المصلحة العامة للمنظومة التربوية وأركانها الأساسية وعلى رأسهم الأستاذ ومصالحه المادية والاعتبارية.

 

 

  • اعتماد سياسة الحوار والتشارك والتحفيز المادي والمعنوي للفائضين بما سيكلفهم المنصب الجديد والوسط الجديد عند الاختيار من تضحيات إضافية، فكما تقول الدولة وهي محقة: “على “روس” أن يستمع إلى الصحراويين ويأخذ برأيهم، أفلا يليق بالسيد رئيس الحكومة والسيد “الوزير” أن يستمع للأساتذة ويأخذ برأيهم”، أم أن الأمر يحتاج إلى مظاهرات “ماستريخت” ومفاوضات “مانهاست”؟ هذا التدبير المشوه يرفضه كل الجسد التعليمي، وينبغي أن يستجاب لمطالبه، لا أن يواجه بالقهر والفتنة ويطعن البعض فوق ذلك في تضحياته وهو الذي لا يزال يؤسس جداول حصصه عقودًا مضت بالساعات التضامنية.

 

  • هذه رسالة من أجل مذكرة: “نعم للخدمة .. لا للإجبار”، إلى كل من يهمه الأمر، وضمنهم الوزارة ورئاسة الحكومة والبرلمان والأساتذة والنيابات والنقابات وخاصة النقابات التي يبدو أنها مستكينة ومهادنة أو عاجزة ومغلوبة وكل موسم يطال مناضليها من المذكرة المشؤومة ما يطالهم، وكل التلاميذ تلاميذنا وكل الأساتذة والإداريين زملاؤنا وكل المؤسسات مؤسساتنا ولا تتحمل المزيد من الشروخ المجانية بينها، “نعم للخدمة والاعتبار .. لا للإجبار والاحتقار”، قولة قال بها الطلبة الأطباء في مجال الصحة، ولا شك ستنتقل يومًا إلى مجال التعليم، فيحترق الأخضر باليابس، فلننظم القطاع ما وسعنا التنظيم ولنحارب فيه التلاعب ما وسعتنا المحاربة، ولننشر فيه الحرية والمسؤولية ما وسعنا النشر، ونصبح ونمسي ونقول كما تقول المواثيق الدولية والحقوق الدستورية: “نعم للخدمة والاعتبار .. لا لا لا لا .. لا للقهر والإجبار”.

 

الحبيب عكي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد