صحيح أنه من السابق لأوانه التحدث عن مآلات هذا الحراك، أو عن تصورات مضبوطة للمرحلة المقبلة، ولو أنها لن تخرج في أحلك الاحوال عن إطار التغير إلى حال أفضل مما كان عليه الوضع سابقًا أو ما هو عليه الآن، لكن الجدير بالذكر، هو أن سبع جمعات فقط من المسيرات السلمية كانت كفيلة بإسقاط الأسطورة القائلة أن شعوب العالم الثالث لن يُكتب لها النجاح في الذهاب نحو تجربة ديمقراطية دون المرور على دوامة العنف، عنف لطالما سعى بعض الغرب ومن بعدهم الحكام العرب على جعله سّمة خاصة بهاته الشعوب لقمعها وشَرعَّنة ممارساتهم الدكتاتورية تجاهها.

     من قرأ تاريخ الجزائر جيدًا، يدرك من الوهلة الأولى أنها ليست بالمرة الوحيدة التي يَشُّذُ فيها الجزائريون عن قواعد، أٌريدَ لها ان تكون مبررًا لسياسات عدوانية، تجاه شعوب أرادت لنفسها نموذج عيش مغاير تمامًا لذلك الذي يفرضه المهندسون الكبار للسياسة العالمية، نموذج رسمه الجزائريون وعلى اختلاف مشاربهم، بمشاهد سلام راقية، اجتمع فيها الجمال بالإبداع، والتقى فيها الوعي بالأعراف، زادتها صدىً، احترافية التعامل التي طبعتها المؤسسات الأمنية والعسكرية مع حراك جماهيري بهذا الشكل، مقدمين للعالم أجمع، صورة رائعة قلما نشاهدها على شاشات التلفزيون.

 قد أتفق تمامًا مع من يرى أن هاته الصورة الجميلة التي قدمها هذا الشعب هي امتداد طبيعي لثورته النوفمبرية التي يكاد يجزم أنها لم تكتمل بعد، ولكني لا أتفق ألبتة مع من يظن أنها كانت صورة دون مقابل، أو أن ثمنها كان زهيدًا، فالجزائر ذاتها التي افتكت استقلالها بكفاح الدماء، وخاضت تجربتها في التعددية بعشرية أخرى من الدماء، كانت شاهدة أيضًا على تجارب ربيع دموي عند كثير من أشقائها العرب، وهو ما جعل من الدرس أعمق وأقوى مقارنة بشعوب أخرى.

أسئلة أخرى تُطرح في ضل هذا الحراك، تتقاطع دونما شك مع إشكالية لطالما نبّه إليها المفكر الجزائري مالك بن نبي وهي مشكلة القابلية للاستعمار والتي رجع بأسبابها عند نقطة التوقف عن إنتاج الأفكار البناءة وإفساح المجال لتغلغل الأفكار الهدامة الى الذوات ومنها إلى المجتمع، وربط حلها (أي المشكلة) بالتغير الذي لن يتحقق حسبه إلا بتغيير الأسباب المؤدية إلى تلك الحالة.. فهل يمكن القول إننا اليوم حقًا أمام تغيير من هذا القبيل؟ وهل الدروس المستقاة من تجاربنا وتجارب أشقائنا ولدت لدينا وعيًا مكتملًا؟ وأعادت إلينا تلك الثقة المفقودة بأنفسنا في إحداث تغيير بأسلحة غير معهودة لدينا، تعتمد أساسًا على النضال السلمي؟

أعتقد أن مشاهد بهاته السلمية والوعي والإبداع كفيلة بالرد على جميع هاته التساؤلات وغيرها.

لنخلص في الأخير إلى نقطة جوهرية كانت وبلا شك الدافع والهدف في آن واحد وهي استكمال بناء دولة قوية تُكفل فيها حقوق الأقلية وتُحترم رؤى الأغلبية، دولة تراعى فيها خواصنا ولا تزول أبدًا بزوال الرجال.

صحيح أن مهمة على هاته الشاكلة ستكون دون شك أصعب و أتعب، لكن مجرد التفكير في انعكاسات نجاحها لهو أمر محفز حقًا، خصوصًا إذا ما ألهمت هاته التجربة الفريدة، باقي الشعوب الحالمة بغد أفضل من يومها، ودفعتها للسير على خطانا، وهو ما سيؤذن لا محالة بالدخول في عهد جديد يحمل في ثناياه خيارات مفتوحة، خارجة إلى حد كبير عن سيطرة من نصبوا أنفسهم أوصياء على مستقبل الأمم والشعوب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد