التعليم الطبي – في مصر – مأساة مستقلة بذاتها لا تقل في خطورتها عن الأمراض المتفشية أو عن ضعف الإمكانيات الطبية الذي يضعنا في مدارس طب سبعينات القرن الماضي رغم توافر أغلب الإمكانات، إلا أنها مخصوصة بفئة معينة تمتلك المال اللازم للاستفادة منها، كما أنه لا يقل خطورة عن عدد وفيات إهمال المستشفيات، فما نتج ذلك الإهمال إلا من طبيبٍ لم تحسن الجامعة تعليمه.

فلنغض النظر قليلاً عما يحدث في العالم من حولنا ونحاول التركيز على تلك الأزمة. وفي هذا المقال – بجزأيْه – سأضع أهم سبع نقاط تسببت في جعلنا متأخرين في مجال التعليم الطبي بغض النظر عن تخلف المنظومة الطبية بأكملها.

السبب الأول:

التعليم – كما هو المفترض أن يكون – ما هو إلا وسيلة لتهيئة الطالب لسوق العمل، تأخذه الجامعة صفر اليدين فتكسبه المهارات الأساسية، والمعلومات اللازمة لتلك الممارسة المطلوبة منه فيما بعد التخرج.

أما في جامعاتنا المصرية، فالتعليم هو وسيلة لنيل الرضا، مع الكثير من محاولات الدحلكة والدهلزة أمام حضرة جناب الأستاذ حتى أننا قد لا نتعلم شيئًا منه على الإطلاق لكنه يمتلك الدرجات التي ستجعلنا يومًا ما، في مكانٍ أفضل (في مرحلة ما بعد البكالريوس) لنجد تعليمًا أفضل، فنحن الآن نزرع لنحصد تعليمًا بعد ذلك. وملخص هذا السبب هو غياب التعريف العلمي لكلمة “تعليم” مما أدى إلى ضياع الفكرة الأساسية التي من أجلها أنشئت الكليات والجامعات.

السبب الثاني:
المقررات العلمية في كلية الطب تعج بالفوضى؛ بين معلومات قد عفى عليها الزمن، ومعلومات مكررة (تتكرر بصورة سنوية)، ومعلومات غير مفيدة للطالب في مرحلة البكالريوس، ومعلومات مجتزأة من سياقها لتظهر في صورة الشبح غير المبرر أمام الطالب نتيجة للاختصار المُخِل.

مَن مِن الأساتذة الأفاضل (رؤساء الأقسام) خاض يومًا النقاش مع مجلس الكلية عن تلك الفوضى التي نقابلها مع الكتب، غير الرسمية منها (التي يقدمها بعض الأساتذة) أو الرسمية – إن صح التعبير – والتى يشرف القسم على إعدادها بنفسه، ورغم ذلك تظل الفوضى كما هي!

لا أعتقد أنهم قد تطرقوا يومًا إلى نقاشٍ مثل تلك الأمور، حتى وإن كان البعض قد تكلم فيها فإنها دائمًا ما تأتي متأخرة في أجندة أعمال الكلية حيث أن هناك ما هو أهم من وجهة نظر الأساتذة كعياداتهم الخاصة والأحاديث التلفزيونية ونحو ذلك!

السبب الثالث:
الغياب والحضور والمحاضرات، والدرجات العشر (من خمسمائة درجة) التي يضحي بها الطالب في سبيل راحته. هل تحولت الكلية من صرحٍ للعلم إلى مكان لتسجيل الغياب والحضور من أجل عشر درجات؟! هل هذه هي أقصى محاولات إدارة التعليم في الجامعة لإرغام الطلبة على الحضور؟!

أذكر قسم الأطفال الذي كنا نحضر فيه كي نتعلم، وبالفعل لم نتغيب يومًا واحدًا طيلة الأيام التسعين التي قضيناها هناك، فقد كنت أحب أساتذته وأشعر أنني مستفيد من جلوسي إليهم، حيث أن القاعدة تقول:

“أن الله يفتح للطالب من الفهم بين يدي شيخه (أو أستاذه) ما لا يفتحه له وهو يجلس إلى الكتب”، فالأستاذ يعطينا خلاصة تجربته وخلاصة فهمه لأشياء كان الوقت يضيع فيها سدىً قبل أن نتوصل إلى قرار عدم فهمها وتحويلها إلى ثقب معلوماتي أسود، يحفظ من خلال (تجميعة) معينة نتذكره بها في الاختبار ثم يرحل مع الراحلين.

كيف نستفيد من ذلك في حين أن نسبة كبيرة من الأساتذة لا يحسن التدريس؟! والجامعة لا تحرك ساكنًا تجاه ذلك الأمر، وكم من محاضرات جلست طيلة الوقت فيها منتظرًا لحظة الخروج حيث كان المحاضر يقرأ المحاضرة من خلال PowerPoint presentation وباقي الطلبة منهمكون على فيسبوك!

كيف تقنع الطالب بالحضور إلى محاضرة كبيرة تحوي خمسمائة طالب ولا مجال فيها للنقاش أو الاستفسار (حيث أن وقتها الطبيعي هو ثلاث ساعات كاملة فلا مجال للإطالة بالنقاش)؟!

كيف تقنع الطالب بالحضور وأنت لا تدربه بصورة مباشرة على التعامل مع المرضى؟ بل تتحول الحصص العملية إلى تمثيلية (بين الطالب والمريض) هدفها الأول هو تعلم كيفية إرضاء جناب الممتحن ثم كيفية تقبل الطالب لاستظهار قدرات الممتحن العضلية عليه في المعلومات النظرية وبخاصة القديمة منها؟!

لن أضيع وقتي في المستشفى إلا إن كان تدريبي فيها تدريبًا حقيقيًا مثلي في ذلك كمثل النائب المقيم ولكن على مستوى دراستي. وتخيل أن الطالب يمضي ثلاثة أيام كاملة في المستشفى أسبوعيًا في كل قسم يتعامل مع الحالات تحت إشراف أساتذة القسم هناك، أكاد أقسم لك سيدي المتحكم في العملية التعليمية الطبية أن ذلك سيغير مستوى الطلبة 180 درجة مئوية؛ فليس مَن شاهد ومارس كمَن سمع أو قرأ.

لن أضيع وقتي في المحاضرة إلا إن كنت سأندم على ما لم أسمعه فيها من خبرات عملية وتجارب واقعية وطريقة سهلة تبسط المعلومات المعقدة.

السبب الرابع:

الاختبارات والتي أصبحت سبَقًا للكتابة وماراثونًا لا يحتازه إلا أصحاب الأنفاس الطويلة. اكتب نبذة قصيرة مما تعرفه عن تلك النقاط الثلاثين الآتية خلال الساعات الثلاث القادمة، وبتلك الصورة تصبح الامتحانات التحريرية مجرد مكان لاستفراغ الجهد في أن تنجز أكبر عدد من النقاط في وقت الاختبار قبل أن يسحب المراقب ورقتك.

الاختبارات تختار في الأساس النقاط المشهورة – أينعم – وهذا مما يحسب لواضعيها، إلا أن تلك القاعدة تختل في عدة أسئلة خلال كل اختبار أو حتى في كل الأسئلة في أقسام معينة حيث أن الاختبار يوضع طبقاً لرؤية واضعه وفقط! ليست هناك قاعدة معينة إلا أن تنهك الطالب في الكتابة وتتأكد أنه يحفظ المنهج بأكمله بالإضافة إلى المزيد من التعقيد والتعقيد حتى يتذكر الطلبة اسمك خلال حياتهم بعد أن يرسبوا في مادتك، ومن ثم نخرج من اللجنة لا نذكر شيئًا (إلا ما فهمناه).

أما عن اختبار الاختيار من متعدد Multiple choice question أو ما يعرف اختصارًا بـ MCQs فهو اختبار عالمي جميل جدًا يختبر (في الغالب) قدرات الطالب على استخدام المعطيات في الوصول إلى الحل، بحيث تكون صورة السؤال كالتالي (بعض الأعراض، بعض الفحوصات، بعض التاريخ المرضي الهام بالإضافة إلى علامة مميزة لحالة من الحالات) ويطلب منك اختيار أفضل (علاج، وسيلة تشخيصية، سبب) من خلال سؤال اختيار من متعدد، ولكن – عزيزي القارئ – إن هذا ما لا يحدث في مصر.

في مصر اختبار الـ MCQs هو (في الغالب أيضًا) وسيلة لتسميع النقاط الصغيرة التي يصعب التركيز عليها في اختبارات النظري كأسماء تفريعات تفريعات الشرايين والأوردة وأحجام الأجسام وما إلى ذلك من الأشياء التي لا يحتاج الطالب إلى حفظها في العادة.

وأما عن الاختبارات الشفوية فتتحول إلى ساحة حرب أحيانًا بين عملاق من عمالقة الطب (شخص حاصل على عدد من شهادات الماجيستير والدكتوراة) في مواجهة طالب بسيط لم يجتز مرحلة البكالوريوس، والأسئلة الطبيعية في اختبارات الشفوي العالمية تختبر قدرة الطالب على التعامل في المواقف المختلفة وليس مدى معلوماته وحفظه للكتب، لكن هنا في مصر يحولها بعض الأساتذة إلى لجنة اختبار تحريرية لكن من خلال التسميع وليس الكتابة!

وقمة ذلك الأمر المحزن هي الاختبار العملي والذي يعد مسرحية قصيرة يؤديها الطالب مع المريض لكتابة تقرير (يحفظه المريض المزمن العامي باللغة الإنجليزية) ويمليه للطالب في مقابل مادي. ثم يأتي الأستاذ الدكتور يختبر الطالب في تلك الأمور التي قد أملاها له المريض وحيث أن الاستاذ يعلم علم اليقين أن الحالة مزمنة وأن المريض قد أملى التقرير للطالب فإنه لا يتردد في تحويل تلك اللجنة إلى لجنة تحريرية شفوية يجول فيها ويصول مع الطالب في فصول الكتاب النظري. فهل هذا هو الاختبار العملي؟!

وقد أضاف قسم الباطنة العامة (في جامعتنا الموقرة) إضافة جميلة في السنوات الأخيرة حيث حدد من خلال طريقة معينة عشر نقاط – تقريبًا – للطالب في كل حالة تتم محاسبته على أساسها، لكل نقطة درجة (كتحيته للمريض وكشفه للجزء المصاب بصورة صحيحة وإجراء الفحص الأول ثم الثاني وهكذا وقد كان ذلك إنجازًا كبيرًا) نقدره لمن اقترحه من الأساتذة.

ورغم ذلك تمت مواجهة ذلك التحديد للمطلوب (وهو أبسط حقوقي كطالب أن أعرف ما هو المطلوب مني على وجه التحديد) تمت مواجهته بالانتقام من الطلبة – أحيانًا – نكاية في ذلك الأستاذ المجتهد الذي يسَّر عليهم ولا حول ولا قوة الا بالله. ولقد قالها لي ذلك الأستاذ (أنتم متحفظين تعملوا إيه أصلاً). وهل من الطبيعي ألا أعرف ما الذي يتوجب عليّ فعله وأقف حائرًا أنسى خطوة وأتذكر خطوة!

السبب الخامس:

تعليم ما بعد البكالريوس هو الكابوس الأسوأ لأغلب طلبة الطب حيث أنهم بعد أن أمضوا من حياتهم سبع سنين خاضوا خلالها عددًا لا بأس به من المواد وثلاثة أضعافه (وربما أكثر) من الاختبارات، يتوجب عليهم أن يختاروا تخصصهم الذي سيكملون فيه حياتهم المهنية، لكن ليست هذه هي الأزمة بقدر ما هي كيفية الحصول على درجة متخصص من خلال التسجيل في برنامج الماجيستير الذي تعتمده الجامعات، حيث تشترط العديد من الجامعات تقديرات خيالية لقبول المتقدمين لتسجيل الماجيستير، ثم ترغمهم على العمل في وزارة الصحة (حتى لا تحدث الفجوة) والحضور في الجامعة (لإتقان المهارات اللازمة تحت إشراف القسم) في آن واحد وهو ما لا يحدث، وذلك قبل إتمام مرحلة الماجيستير بسلسلة شديدة الغرابة من الاختبارات التي لا يجتازها أغلب المتقدمين.

وبالتالي تصبح النتيجة في كثيرٍ من الأحيان (لم ينجح أحد أو نجاح أحد المتقدمين بمفرده) وتتكرر هذه المأساة كل ستة أشهر لتخرج الجامعة في كل مرة متخصصًا أو اثنين. رغم أنهم من أصحاب التقديرات العالية وربما أجابوا على الاختبارات (غير المحددة الملامح) ولكنهم لم يجتازوا القبول في نظر الأستاذ الممتحن، وبذلك ندرك أنه ليس هناك من ضابط غير ما يراه ذلك الأستاذ، وربما تتدخل الرشوة في ذلك الأمر حتى لا يتأخر المتقدم كثيرًا في الحصول على الدرجة العلمية التي تؤهله لممارسة المهنة.
نعم، هناك العديد من الطرق الأخرى كبرامج الزمالات والمعادلات الأجنبية، إلا أن ذلك أكبر من أن يتحمل نفقته ذلك المتخرج حديث السن والثروة.

السبب السادس:

عدم مناسبة التعليم لسوق العمل، فمن المعلوم أنه لابد للطالب الذي تخرج في كلية الطب أن يكون على دراية بعددٍ لا بأس به من الأدوية، ولكننا ندرسها بالصيغة العلمية ولم ندرس أسماءها التجارية (حيث أن دراسة الأسماء التجارية مع الأسماء العلمية يعتبر من باب الدعاية لاسم تجاري قد يتغير أو ينقرض في يومٍ من الأيام).

ولكن تبقى الأزمة كيف سأكتب للمرضى (اسمًا علميًا) في حين أن الصيدليات تعج بغير المتخرجين في كلية الصيدلة؟! هذا إن غضضنا النظر عن كون كتابة الروشتة بالاسم العلمي سيكون وسيلة جديدة للصيدلاني (التاجر) لاستغلال المريض حيث أنه لن يُخرج دواءً رخيصًا حتى لا تخسر تجارته.

بعد تلك الأزمة التي لا أعرف لها حلاً منطقيًا مناسبًا، ستجد أزمة الممارسة العملية للفحوصات التي يجريها الطبيب بيده (كالمناظير وسحب العينات والأشعة والقسطرة ونحو ذلك) والتى لا يتدرب عليها طالب البكالريوس ولو بمجرد النظر (إلا نادرًا) فهل يتخرج طالب الطب دون أن يرى على الأقل كل اختبارٍ من تلك الاختبارات ولو مرة واحدة؟!
أنا لا أدعو إلى إخراج متخصصين من مرحلة البكالريوس، ولكن أدعو إلى إخراج ممارس عام موافقٍ للمواصفات العالمية يستطيع أن يميز بين الحالات التي تحتاج إلى تدخل جراحي والأخرى التي لا تحتاج إلا إلى المسكنات، بدلاً من حفظ الكتب واستفراغها في ورقة الإجابة. أيها السادة إن حياتكم بين يدي هؤلاء المتخرجين والتفريط في إعدادهم يعد انتحارًا مجتمعيًا وجريمة كاملة الأركان.

السبب السابع:

التعليم الطبي المستمر، هو الوسيلة الأهم للحفاظ على المتخرج (سواء بدرجة بكالريوس أو متخصص أو حتى استشاري) حيث أن علم الطب علم متطور بصورة يومية ولابد من مواكبة ذلك التطور. لا تكفي المؤتمرات ولا تكفي الندوات بل لابد من استحداث نظام يضمن تلك الميزة للمجتمع والتي هي من أبسط حقوقه الآدمية؛ أن يكون طبيبه الذي يستشيره على دراية بما أُحدث في مجاله.

أحيانًا أقول في نفسى إن تلك المهمة هي مهمة شخصية واجبة على كل طبيب، ولكن يفاجئني الواقع الكسول الذي يلقي معه المتخرج الكتب والمراجع على أعتاب البكالريوس مطلّقًا إياها طلقة بائنة لا رجعة فيها.

وختامًا،

ليس الغرض مما كتب في تلك المقالة التعرض بالإهانة إلى أي من السادة أعضاء هيئة التدريس، فلهم فضل علينا شئنا أم أبينا، ولكن الغرض منها هو محاولة إعادة فتح الملفات المؤجلة والتي تؤثر بشكل كبير في واقع الطب في مصر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد