تلك المتاهة التي علقنا بها جميعًا، حين لمسنا سقف السماء، ثم هوينا تحت الأرض. ما هي المسافة بين أعمق نقطة بداخلنا، وبين أكبر هزيمة خارجنا؟ ما هو الحد الفاصل بين ما هو عام جدًا، وما هو شخصي جدًا؟

في سبع سنين، فيلم وثائقي من إنتاج شبكة الجزيرة، يرصد التحولات الفكرية، الدينية بالأخص، وتحول الشباب من الإيمان للإلحاد أو الشك، أو الانتقال من السلمية للعنف، بعد سبع سنين من الثورة، ذروة منحنى الأمل، وبداية الانفتاح على السياسة والأفكار المختلفة لكل من سكن بوطقة دون إرادة منه، البداية التي أخرجت فيها السلحفاة، ولأول مرة، رأسها من كهفها المظلم وأطلت على العالم.

من كتم داءه مات به

على مواقع التواصل الاجتماعي أثار الفيلم سجالًا بين متفهم – ولا أقول مؤيد – ومعارض. المعارضون أغلبهم من كبار السن والسياسيين المنتمين للتيار الإسلامي. يقولون إن هؤلاء الشباب قلة قليلة إيمانهم ضعيفًا من الأساس، والدليل على ذلك أن الكثير من الشباب ممن هم في خضم المعمعة. ولكن من قال إن من صمت نجا؟

العرب قالوا قديمًا: من كتم داءه مات به. وهؤلاء يكتمون الداء هربا من ضمائرهم ومسؤوليتهم. أليس هؤلاء من وقفوا على منصة رابعة وقالوا: اللهم انصر أحب الفئتين إليك؟ ماذا عساه شاب لم يُنصر وقتل أحد أصدقائه أو أقاربه؟ لماذا لم ينصره الله؟ أليس هؤلاء من قالوا للشباب أنهم مؤيدون من الله؟ وأن النصر صبر ساعة؟ ماذا إذن عن سنوات من الصبر! أليس الداعية صاحب الابتسامة الدائمة والنداء الثابت للشباب أن يكون فاعلًا في المجتمع وأن المسلم ليس درويشًا، أليس هو من خذلهم حين قتلوا في الشوارع وزج بهم في السجون! أليس هو من أقحمهم في الحياة السياسية وتركهم في منتصف الطريق؟

هؤلاء الذين أغفلوا أسئلة الشباب، وحرموهم أبسط حقوقهم، وهو التساؤل والشك والاعتراض!

لا سلمية بعد اليوم

أغفل المنتقدون الشباب الذي اتجهوا للعنف، ربما لأن الأمر يعجبهم! ربما إذا سُئلوا عن الأمر أنكروه عليهم. لكن أليسوا هؤلاء لسنوات من نادوا بالجهاد ورفعوا شعار: وأعدوا؟ ومن ربوا الشباب ألا يكونوا عاديون، وأن كل فرد منهم صلاح الدين وخالد بن الوليد ومحمد الفاتح ونور الدين محمود! وطالما طالبوا بفتح الباب للجهاد حتى نحرر الأقصى ونقتل الباغيين ونصب اللعنات على الطواغيت!

لا أحملهم المسؤليه وحدهم بالطبع، أحد الشباب الذين قابلهم صناع الفيلم قال إنه تعرض للتعذيب رغم طلبه من المحقق أن يعترف حتى بجرائم لم يرتكبها، لكن النظام السادي عذبه حتى كفر بسلميته، وذهب لينتحر بطريقة مشروعة ربما، أوذهب لينتقم، ولكن ممن؟ وكيف؟

كيف سنحرر الأقصى كصلاح الدين، وما هي خطة فتح القسطنطينية؟ ما هو المشروع الإسلامي؟ وما هو منهج التغيير والإطاحة بالقوانين؟ وكيف سنحقق أستاذية العالم الإجابة هي لا شيء، لا يملك أي فصيل من تلك الفصائل فكرة واضحة نحو ما يروجون إليه ويدفعون الشباب إليه دفعًا. ليس تبريرًا، ولكن ماذا كان الخيار الآخر للشباب! أوهل كان هناك خيارًا آخر أصلًا؟

والشاب الآخر الذي سار في مظاهرة بعض فض رابعة ليعترض على المذابح وجرف الجثث بالجرافات، ووسط ضرب الرصاص وجد الناس، الشعب العادي يلقون عليهم الماء المتسخ والقاذورات، بينما يسقط الآخرون قتلى. هذا الشاب لم يهرب إلى سوريا من النظام، وإنما هرب من المجتمع المتدين بطبعه.

هذه النظرة الفوقية إلى متى؟

بدلًا عن حمد الله على السلامة والثباب، لا يزال المعرضون للفيلم وللشباب الذين ظهروا فيه ينظرون إليهم بفوقية واستعلاء، لكن هؤلاء الشباب كانوا أشجع ممن يظنون أنفسهم النخبة المصطفون من الله الآخذين منه العهد، إحدى الفتيات قالت لا أحد يعلم ما أمر به، وصراعاتي مع نفسي حول وجود إله من عدمه، ليس بالأمر الهين أن يشعر الإنسان أنه وحيد، ليس هناك من يسمع أنينه ودعاءه وبكاءه، ليس سهلًا على الإنسان أن يعيش منبوذًا من أسرته ومستهجنًا من مجتمعه ومرفوضًا من وطنه، ليس سهلًا أن يعيش حياته وهو غير مستقر نفسيًا أو ماديًا، وحيدًا بالكلية.

هذا المجتمع الذي يرد حجة الملحدين بعدم رحمة الله بالبشر في الحروب والكوارث الطبيعية، لم يكونوا رحيمين أبدًا بشخص يتساءل، هذا المجتمع الذي يحتفي بشخصية كالدكتور مصطفى محمود الذي ألحد ثم رجع للإسلام، ويتغنون بتجربته الفكرية، هم أنفسهم من يحرمون على الناس التفكير، يحرمون على الشباب أن يتساءلوا لماذا لم ينصرنا الله، بينما النبي إبراهيم سأل الله أن يريه كيف يحيي الموتى ليطمئن قلبه، وموسى الكليم قال لله أرني أنظر إليك. لماذا يظنون أننا أكرم من الأنبياء!

أما من يردون بالحجة، أو بحجة باهتة، على الإلحاد، من قال إن هذه هي المشكلة؟ الأزمة في كيف تحول هؤلاء الشباب! الأسباب السياسية والمجتمعية والنفسية التي جعلت من شاب إخواني اعتصم في رابعة وهو مرتدي قميصًا مكتوب عليه: وأعدوا، يجلس أمام المحاور في الفيلم ويقول له أنا لا أرفض وجود إله، أنت من تفترض وجود إله، هو غير موجود أصلًا! المجتمع الذي نزع عن فتاة حجابها ومزق جلبابها لظنها أنها من الإخوان حتى ألحدت، ما الفرق بينه وبين العسكر الذي نزع عن ست البنات زيها في ميدان التحرير وأجرى على الفتيات كشوف العذرية؟

وأنا أشاهد الفيلم لم يرد في ذهني ردًا على شبهات الإلحاد، وأنا المسلمة التي أدرس في الأزهر، ولم أكن ناقمة عليهم أو أحمل أي مشاعر بغض لهم أو استعلاء، بل كل ما أردته وقتها، أن يخرس جميع المنظرون، والمحللون لفنية الفيلم، والخائفون من أن يطالهم ما طال هؤلاء، نخرس جميعًا ونربت على أكتافهم، ونعتذر عن خذلانهم، ونشد على أيديهم في رحلتهم للتفكير لإيجاد ذاتهم، وإيجاد الله داخلهم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد