بالمقالة السابقة تحدثت بشكل عام عن مسلسل سابع جار، وأفردت الحديث عن شخصية المتدين كما تم عرضها بالمسلسل، إضافة لذكر بعض نماذج من أعمال سينمائية ومسرحية قدمت تلك الشخصية في نفس القالب.

لقد سارعت بالكتابة عن المسلسل، بالرغم من كونه لا يزال في طور العرض، وذلك لانتهاء المسلسل من عرض وتقديم فصول الشخصية المتدينة، والمتمثلة في شخصية (إسماعيل) وشخصية (دعاء).

اليوم وبعد أن قرر فريق عمل المسلسل التوقف المفاجئ عن تصوير تقديم حلقات جديدة بالمسلسل، بالرغم من إعلانهم موافقة الرقابة على العمل، أواصل الحديث عن المسلسل، وعن بقية الأفكار التي حواها، والتي تعد امتدادا لأعمال أخرى تخدم نفس الهدف وهو حرب القيم.

وقبل أن أعرض الأفكار التي غذاها المسلسل، يجب أن أؤكد على عدة أمور

إن ما نراه من أعمال تقدم تحت شعار الحفاظ على صناعة الدراما من خلال أعمال تجارية محضة تعتمد على تقديم الإثارة الجسدية، إضافة لأعمال تحمل خلفيات فكرية وقيمية تخاطب العقل بما يشكل خطرا يزيد عن مشاهد الإغواء الجسدي والإثار الجنسية، كل هذا ليس مكانه الدراما التي تدخل كل منزل تحت غطاء وهمي هو شعار (+12)، وإنما يمكن عرضها بدور السينما.

-إن الحفاظ على قيم المجتمع أمر يجب أن يتبارى له الكتاب والمخرجون أصحاب الضمير، بدلا عن تصدر أشخاص يقومون بعرض حياتهم ومشكلاتهم هم وأصحابهم، أو قيم غربية دخيلة على مجتمعنا يسعون لترويجها من أجل النجومية والفوز بالجوائز والحفلات والتصفيق.

إن النظام السياسي الحالي روج من خلال الإعلام ومن يتصدرونه من خبراء أمنيين أن بلادنا تتعرض لحروب الجيل الرابع، والتي تقوم الدول المعادية بالعمل على تدمير بلادنا ذاتيا، دون أن تحتاج لتدخل عسكري مباشر، ألا يجدر بهم أن يعلموا أن ما يقدم من قيم غربية قادرة على تدمير مجتمعنا أيضا؟

إن مسلسل سابع جار لن يكون الأخير في هذا السياق، ولربما أجدني مضطرا لأن أضع كلماتي هذه مرة أخرى مع عرض لمسلسل آخر يحمل نفس الأفكار، هذا لا يعنيني، ما أنشده هو توعية المشاهد بخلفية ما يراه وما يسمعه، وإلى أفكار المسلسل.

المسلسل وفكرة الزواج

الزواج كوسيلة لتكوين الأسرة باعتبارها نواة المجتمع وركيزته الأولى تواجه مواجهة حادة للقضاء عليها بداية من تنفير الشباب وبخاصة الشباب المتعلم والقارئ من فكرة الزواج بتصدير مشكلات الزواج وتقديم بدائل بشكل مبسط لفكرة الزواج.. هذا ما قدمه مسلسل سابع جار.

إن مشكلات ما بعد الانفتاح عقب حرب أكتوبر وعقد اتفاقية السلام كامب ديفيد مع الكيان الصهيوني، رسخت أن الغلاء وضيق ذات اليد هي العقبات أمام الزواج ووجدنا مكتبة ضخمة من الأعمال السينمائية الرائعة التي تجسد تلك الأزمة، ما نتج عن تلك الأعمال هو رسوخ قاعدة أن الزواج حلم الشباب، ولكن الغلاء يقف عقبة أمامه، فأصبح من الطبيعي والمنطقي أن كل من يجد نفسه قادر على الزواج يتقدم فور للارتباط بشريكة لحياته وتأسيس أسرة، ولكن مع مرور الزمن وجدنا الأعمال الفنية تحمل فكرة رفض الزواج، ووصف الزواج باعتباره مشروعا اجتماعيا فاشلا، سمعناها في أكثر من عمل.

ففي أكثر من عمل درامي سابق للمسلسل قدم نموذج الفتاة الناجحة، والتي وجدت بديلا عن الزواج بفكرة اقتناء (كلب) أعزكم الله، وجدناها في مسلسل هبة رجل الغرب وفي مسلسل يوميات زوجة مفروسة، ومفاد تلك الرسالة هي أن المرأة يمكن أن تجد ونيسا وصاحبا لها من خلال اقتناء كلب، بدلا عن الارتباط بزوج بعين زايغة وبصباص، وبدلا من أن تفني حياتها في مشكلات الحياة الزوجية، وهي رسالة تم تكرارها بنفس النص وبنفس الكلمات في أكثر من عمل، إلا أنها رسالة مقتصرة على شريحة قليلة تنتمي طبقة المرفهين.

ولكن في مسلسل سابع جار، ومن قبله في مسلسل (هذا المساء)، وجدنا العمل يخاطب شريحة هي الأكبر في مجتمعنا (الشباب الجامعي صاحب العقل)، والمنوط به إنجاب جيل لديه الوعي والعلم، فنجد بدائل أخرى للزواج أكثر فجاجة، فما يبحث عنه الناس في الزواج من إشباع رغبات إنسانية وإنجاب أطفال، نجد أن المسلسل يخاطب المشاهد لٌإقناعه بأنك تستطيع إشباع تلك الرغبات دون الحاجة للزواج، كما هو في حالة مي وأحمد نموذجا، أو إنجاب أطفال عبر زواج صوري مشروط بالانفصال عقب الإنجاب كما هو في حالة هالة وعلي، كنموذج آخر.

كما ركز المسلسل على إظهار نماذج المتزوجين وإظهارهم على أنهم فاشلون في حياتهم، منعزلون عن أقرانهم بسبب المسؤولية والأولاد والتربية التي أظهرها العمل أنها درب من المستحيل، كما في نموذج طارق ونهى.

عادات غربية

لم يقف المسلسل عند خطأ تقديم الزواج في صورته القبيحة وتقديم البدائل له، وجدنا العمل قد قدم الشخصيات المظهرة للالتزام في قالب سيئ حتى تشعر المشاهد بأن المتدين شخص مخالف لما عليه غالبية المجتمع في سلوكه ومظهره وحياته، وهو ما أفردته في المقالة الأولى.

كما قدم العمل مجموعة من العادات الاجتماعية الداخلة على مجتمعنا المصري كالألفاظ البذيئة وصدروها على لسان فتيات، والتي كان يعد ترديدها في بيوتنا من الذكور – عيبا – ككلمة: (فشخ) وغيرها وقام المسلسل بتقديمها على لسان شباب المسلسل أمام أسرهم دون تعقيب من كبار الأسرة، سيقول أحدهم إنها تقال ليل نهار، نعم نسمعها بالشارع ولربما عرفنا معناها ولكن هل نرددها؟ كل قبح يمكن أن تراه، ولكن هل من الواجب أن نمارسه؟ نعم يمكن أن نرد بكلمة قبيحة في بعض المواقف مضطرين، ولكن هل سنعيش في الوحل؟ وهل من الطبيعي أن تلك الكلمات تقال بالمنزل دون تعقيب من أهل البيت، أم أنك ستجد الأب أو الام تنهر من يقولها لخروجها عن النسق الاجتماعي والقيم.

المسلسل قدم أيضا بعض المشاهد التي أثارت استياء رواد مواقع التواصل الاجتماعي وكتبوا عنها، وهي مشاهد الخيانة الزوجية التي قام بها طارق تم عرضها بشكل فج كأننا أعمال عرض سينمائي، وليس أمام عمل درامي يراه الصغير والكبير، كما أن المسلسل قدم تلك المشاهد على أنها الحل للمشكلات الزوجية بدلا عن هدم الأسرة.

كما قدم شخصية مي الفتاة الحرة التي تعيش بمفردها وتفعل ما يحلو لها بداية من حرية الملبس والتدخين إلى إقامة علاقة حميمية مع شاب من سكان العمارة وتقديم المسلسل لتلك العلاقة بشكل مشابه لحياة الأزواج بكافة تفاصيلها، لهدف أراه لإغراق المشاهد في تفاصيل ونسيان أو تغافل صدمة حقيقة العلاقة من الأساس حال رؤيتها بالواقع.

إن التوقف عن عرض حلقات المسلسل بشكل مفاجيء أعتقد أنها محاولة من فريق العمل لإعادة تصوير الحلقات المتبقية بعد تغيير نهايات لقصص من المسلسل بعد الهجوم على قيمة العمل المقدم، إضافة لكون الأمر (وسع منهم شوية) في إفراد تفاصيل لا يستطيعون إغلاقها بشكل قوي كما بدأ المسلسل.

أكرر فأقول إن مسلسل سابع جار لن يكون الأخير في هذا السياق، ولربما أجدني مضطرا لأن أضع كلماتي هذه مرة أخرى مع عرض لمسلسل آخر يحمل نفس الأفكار، هذا لا يعنيني، ما أقصده أن العلاقة بين بناة القيم، ومن يهدمها، يجب أن تكون علاقة طردية كلما زاد الهدم زادت محاولات البناء حتى تستقيم الحياة بسنة التدافع الخالدة.

وأكرر فأختم برسالة للمؤسسات التربوية العربية أن تبصر بالمواجهة الجديدة بين القيم، وأنها انتقلت منذ عقود من المنافسة بين الخطب والمقالات والمناظرات إلى مواجهة ناعمة عبر الدراما، وهو ما سأحاول إفراده في رؤية كاملة عما قريب إن كان في العمر بقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سابع جار
عرض التعليقات
تحميل المزيد