كنت أظن ــ وكان الظن فى حالتي إثم ــ أن مخاوفي تنبع من كوني سوداوية المزاج، أجيد تضخيم الأمور. فبالتأكيد هناك عطب ما بي، والعالم ليس بهذا القبح، ولا تتحكم به شهوة ولا عنف ولا قسوة.

حاولت أن أتجاهل فكرة أن الناس أمرضهم سفك الدماء والخلاعة.  ثم حاولت أن أتغابى؛ فاعتقدت أن ما قاله (جورج أورويل) هو عين العقل: (إن كان هنالك من أمل، فالأمل يكمن في عامّة الشعب)!

لكن ماذا عن الأرقام التى وهبتها الحضارة الإلكترونية للبشر ليقيسوا بها مدى إنحرافتهم وهذيانهم؟! فلماذا لا تخرج المحتويات الرائجة على يوتيوب ــ ووسائل التواصل الأخرى ــ عن نطاق سفك الدماء والخلاعة؟! حتى توافه الأمور يتم ربطها بالجنس والعنف. فما أسهل التنظير الافتراضي، الذى يصاحبه العديد من الشتائم بالأعضاء التناسلية كنوع من الازدراء، كما يتمني كل مناظر أن يرى الآخر مشنوقًا أو محروقًا.

ومن عجائب هذه الحياة الدنيا ــ وفقًا لمبدأ اللذة والنفور ــ أن الاعضاء التناسلية هى بواعث للرغبة وأيضًا للازدراء، هى كذلك إلى الحد أنه فى الكثير من اللغات ــ إن لم يكن فى كل اللغات ــ تستخدم أسماؤها كمفردات إهانة!

والألعن من ذلك هو أن الأغلبية أصبحت تعتبر ــ بشكل مرضي ــ أن كل شيء من حولها ما هو إلا رمز وإيحاء جنسى. والسبب هو تطور معدلات النت، فقد تحولات الإباحية الافتراضية إلى حقيقة واقعية. فليس عجبًا إذًا من أن معظم كلامهم لا يخلو من البذاءات والشطحات، بل التفاخر بها كإحدى صيحات البورنوجرافية. وعلى ما يبدو أن ليس هناك حل لهؤلاء سوى وضع آلات في أحشائهم لكبح شهواتهم وشطحاتهم، حتى لا يهتاجوا 48 ساعة فى الـ 24!

حاولت أن أجد تفسيرًا أعمق لتلك الحالة المعربدة العامة التى تجتاحنا بين الحين والآخر كتسونامى، بما فيها من استجابات لا نهائية لنداء الغرائز البيهمية.

ولا أخفى عليك أيها القارئ، أنه لا الكتب ولا الأبحاث ولا الأفلام كانت بالسهولة الكافية التى تتيح تلخيص الأسباب والنتائج، لكني في النهاية وجدت ضالتي في نموذجين.

النموذج الأول: في كلام الكونت دى ساد مؤسس السادية، فهل يُفتى ودى ساد في المدينة؟! ويليق هذا النموذج بما يحدث عادةً بعد الحروب والثورات، فلطالما أعقبت الهزات العنيفة فى حياة البشر استغاثات جنسية تشارف حد الجنون. ويماثل هذا النموذج بنسبة كبيرة ما حدث بعد الثورة في بلادى الجميلة!

يقول دى ساد: المجتمع البشري يماثل تمامًا النمر والوعل البري، فيهما القادر وغير القادر. القادر لا يستعمل فقط قوته الأقدر والأقوى (أو ثروته) لإشباع رغباته، بل يستعمل أيضًا براعته وقدرته لإقناع غير القادر بأهمية القوانين الأخلاقية التى تمنع السرقة والقتل، وعاجلًا أو آجلًا، كما يذكر دى ساد، سيكتشف غير القادر أن القوانين والأخلاق من اختراع الأغنياء والقادرين؛ حتى يتمكنوا من أخذ ما يريدون أخذه، حينها سيرتفع معدل الجريمة بحدة.

وطبقًا لآراء دى ساد: يرغب البشر فى امتلاك قدرات لا نهائية، أن يكونوا آلهة، وإذا استطاع أي امرئ أن يكون إلهًا، فإنه سيمارس كل أنواع المتع والمسرات: سيأكل كل ما كان يشتهى أن يأكله، ويفعل كل ما كان يود فعله، سينتقم من أعدائه القدامى، ويعذب البشر الذين كان يكرههم، وفوق كل ذلك سيقوم بإشباع رغباته الجنسية مع كل من كن يثرن فيه تلك الرغبة، ومن المحتمل مائة مرة في اليوم الواحد!

أما النموذج الثاني: فهو النموذج الذي طُرح في فيلم أمريكان سيكو American psycho، وهذا النموذج مُكمل للنموذج السابق، ويليق أكثر بالعالم الرأسمالي، وما يعانيه إنسان القرن الواحد والعشرين. ويترجم أيضًا تلك المنطقة الخطيرة بين الواقع والخيال.

يقدم لنا الفيلم شخصية (باتريك باتمان) شخصية المجنون المُضطرب المهووس بالقتل، وأسباب قتله للناس لأنهم ببساطة يزعجونه، سواء كان هذا الإزعاج أنهم ارتدوا بذلةً بماركة أفضل من بذلته، أم عملوا بطاقة عمل أجمل من طاقته، أو استطاعوا إيجاد حجز بمطعم فاخر للغاية وهو لا يستطيع. أسباب استهلاكية تافهة، لكن في حالة باتريك باتمان: أمسك السلاح وقطّع هذا اللعين الذي استطاع الحصول على مراده!

فأول ضحية من ضحايا باتريك باتمان كان صديقه الذى استفزه؛ لأنه استطاع أن يحجز طاولة في مطعم فاخر في أوقات الذروة؛ فيدعوه إلى شقته المغطاة بالصحف والبلاستيك، كأنما يملك كلبًا يخلّف فضلاته في أنحائها، ثم يبدأ بطقوسه، حيث يختار أغنية، ويستهل الحديث عن الأحاسيس والشعور الذي يواتيه عند سماعها، يحللها كما لو أنه يتحدث إلى نفسه أو يكتب مذكراته، ثم يرتدي معطف المطر، ويمسك الفأس، ويقطع رأس صديقه، ويمزّقه إربًا إربًا، ويصرخ: ما رأيك بأن تحجز طاولة الآن أيها اللعين؟ ويخلع معطف المطر، ويجلس أمام الجثة، ويدخّن سيجارًا.

وبعد عدة مشاهد مليئة بسفك الدماء والعنف الجنسي، تأتي النهاية – وهى ما أقصده من عرضي لهذا النموذج – لتخبرنا بأن كل ما قام به باتريك باتمان لم يحدث إلا في مخيلته فقط.

ونموذج (الأمريكان سيكو)، يوجد بنسبة كبيرة افتراضيًا؛ لأن العالم الافتراضى أكثر جرأة، فما كان يدور في مخيلة باتريك باتمان، يعبر عنه الناس في صورة بوست على فيسبوك، أو فيديو على يوتيوب، أو تعليق ما يصاحبه عدد من الكلمات البذيئة.

والعقول التافهة التي تحب أن ترى تفاهتها بوضوح تدافع عن ذلك باسم الحرية أو الحياة أو لمجرد المرح!

وآراء هؤلاء تبعث على المزيد من الذعر؛ لأن مبرراتهم، هى نفس مبررات بعض مَن علقوا على فضائح وانتهاكات سجن (أبو غريب). وقامت بذكر تلك التعليقات الكاتبة الأمريكية (كيلي أوليفر) في كتاب (النساء أسلحة حربية).

فقالوا: إن هذا النوع من العنف الجنسي وما أسموه (سلوك المواخير) كان طبيعيًا عندما تضع شبابًا من الجنسين معًا، وقالوا عن الغرائز الجنسية الطبيعية لا يمكن التحكم فيها، وإن (أبو غريب) كان نتيجة ما تفعله الأجسام استجابة لطبيعاتها!

وبما أن فكرة تدمير الذات والآخر تلقى استحسانًا كبيرًا، وأصبحت شكلًا من أشكال الترفيه. فيبدو أن شمشون قد عاد، ولكن هذه المرة ليس كمجرد أسطورة. وإنما في حياة مرئية جدًا وحقيقية جدًا تبعث على الألم. فالخلل ــ الذي أنتظره كثيرًا ــ لم يحدث في بضعة أفراد فقدوا توازنهم وحسب، وإنما في ملايين كثيرة من الناس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الجنس
عرض التعليقات
تحميل المزيد