نيتوتشكا نزفانوفا، إحدى روائع العملاق الروسي فيودور ميخائيلوفيتش ديستويفسكي، كتبت هذه الرواية بين 1847 و1849، من كتابته التي توقف عن إتمامها بسبب اعتقاله في سجون سيبيريا 1849، وظلت غير مكتملة، ثم استؤنفت كتابتها ونشرت في شكل جديد عام 1860 و1866، وتوقفت حتى أدركت الطفلة مرحلة من النضج والبلوغ.

كعادته في الدخول إلى براثن الشخصية، ليظهر الجانب الداخلي غير المرئي، ويكشف عن الصراع النفسي لدى الإنسان ومعاناته، حتى يجد القارئ نفسه مصادفة وقد تقمص الشخصية بحذافيرها، تلك الطريقة التي تميز ديستويفسكي عن باقي الكتاب الروس. في هذه الرواية التي تُحكى على لسان الطفلة الفقيرة البائسة، نيتوتشكا، بأسلوب استدعاء الذاكرة، في حياة تتخللها الآلام والاضطرابات، في ثلاث مراحل حياتية.

المرحلة الأولى: عندما مات والدها، ليس من السهل أن تتذكر ذاك، فتزوجت أمها من عازف سكير مُصاب بجنون العظمة، الأمر الذي يجعله يقول إنه أفضل عازفي العالم، ستنجذب الطفلة إليه وتقع في حبه، ليصور لنا الكاتب عقدة إليكترا المقابلة لعقدة أوديب، في صورة أدبية مُدهشة. الأمر الذي يجعل نيتوتشكا تعمل على إرضائه وإراحته أيًّا كانت العواقب، ما يجعلها في الجانب الآخر تبغض وتكره أمها.

(Electra Complex) تروي الأسطورة اليونانية أن إليكترا بنت أجاممنون ملك مسينا قد أغرت أخاها أوريستس على الانتقام من أمها وعشيق أمها؛ لأنهما قتلا أباها أجاممنون، وقد حزنت إليكترا على موت أبيها حزنًا شديدًا لازمها حتى الموت، وتستخدم «عقدة إليكترا» في التحليل النفسي لوصف حب البنت لأبيها وكرهها لأمها، فعقدة إليكترا إذن تطلق على عقدة أوديب عند البنات. حياة بائسة، عائلة فقيرة، مما يترتب على ذلك هروب ذلك العازف، وأيضًا وفاه والدتها، لتجد نفسها وحيدة، يتيمة، بلا أحد يحنو عليها، لتنتقل إلى مرحلة أخرى.

المرحلة الثانية: يتكفل بها أمير، ليأخذها تعيش في كنفه، هي التي تبحث عن الحنو والعطف، تستغيث طالبة الحنان، يقطع الألم قلبها المسكين، لذلك عند أي إشارة أو أي علامة، ستنطلق. فسوف تقع في غرام بنت الأمير، ليصف لنا الكاتب هذه الواقعة وصفًا أدبيًا لأحد أعراض المثلية الجنسية.

ستنهال نيتوتشكا على ابنة الأمير، بالقُبل في يديها ورقبتها وحتى قدميها، تتشمم رائحتها، تُقبل بشهوة منديلها، تخاف أن تغضبها، وتحزن إذا تضايقت منها، فهي تفعل كل ما في وسعها كي ترضى عنها، تفعل ذلك والخجل يعتريها من قمة رأسها إلى أخمص قدميها، تلك النيتوتشكا البريئة، هكذا وقعت في الحب المثلي.

عند البلوغ، في المرحلة الرابعة تحديدًا، وهي المرحلة التناسلية، تحدث عدة أمور:

1- تستبقي النفس كثيرًا من الشحنات النفسية اللبيدية.

2- تنضم بعض الشحنات النفسية اللبيدية الأخرى إلى الوظيفة الجنسية في صورة أعمال تمهيدية أو مساعدة، وتنشأ عن إشباعها حالة النشوة التي تسبق اللذة.

3- تطرد بعض النزعات الأخرى من المنظمة النفسية، إما بأن تقمع، وإما أن تكبت نهائيًّا، وإما بأن يستخدمها الأنا الأعلى على نحو ما؛ فتنشأ من ذلك سمات الفرد الخلقية، وإما بأن يعمل الفرد على إعلائها وتبديل أهدافها.

ولا تتم هذه العملية دائمًا على نحو كامل، فأنواع الكف التي تتعرض لها أثناء نموها تعلن عن نفسها في صورة الاضطرابات المختلفة الكثيرة التي تصيب الحياة الجنسية، ثم يحدث تثبيت اللبيدو عند بعض الحالات التي مرت في المراحل السابقة، وتتجه حالات التثبيت هذه اتجاهًا مستقلًا عن الاتجاه الجنسي العادي، وهذا هو ما يعرف بالانحراف الجنسي والجنسية المثلية، إذ كانت واضحة، مثالًا من أمثلة الكف الذي يعترض سبيل نمو هذا النوع من التنظيم.

ويبين التحليل أنه في كل حالة من حالات الجنسية المثلية كان يوجد تعلق بشخص من الجنس المماثل في وقت من الأوقات، ومما يعقد الأمور أن العمليات اللازمة لإتمام النمو الجنسي لا تكون موجودة كلها، كما أنها لا تكون غائبة.

وعلى ذلك فقد يبلغ الفرد مرحلة التنظيم التناسلي، ولكن هذا التنظيم يكون ضعيفًا بسبب تلك الأجزاء من اللبيدو التي لم تتقدم تقدمًا كبيرًا، وإنما ظلت ثابتة عند بعض الموضوعات والأهداف في المراحل السابقة للمرحلة التناسلية، ويظهر هذا الضعف فيما يبديه اللبيدو من ميل إلى العودة أي النكوص إلى شحناته النفسية السابقة للمرحلة التناسلية، إذا ما حرم من إشباع رغبته التناسلية، أو إذا صادف عقبات في العالم الواقعي الخارجي.

لذلك فإن الظواهر السوية والشاذة التي نلاحظها «أي ظواهر هذا الموضوع» تحتاج إلى بحث من الناحيتين الدينامية الاقتصادية «أي من ناحية التوزيع الكمي للبيدو»، وأسباب الاضطرابات التي ندرسها إنما يجب أن نبحث عنها في تاريخ نمو الفرد، أي في الفترة الأولى من الحياة.

المرحلة الثالثة من حياة نيتوتشكا، تأخذها ابنة الأمير الأخرى لتعيش معها في منزلها، فتعمل على الاهتمام بها ورعايتها والعناية بها، علمتها بما فيه الكفاية، حتى نضجت وبلغت مرحلة البلوغ. ذلك الحنان التي كانت تبحث عنه وجدته وعثرت عليه في حضن ألكسندرا. أثناء تلك الفترة نتفاجأ بولعها الموسيقي، وموهبتها في الغناء، تلك المكبوتة، لنلاحظ أن والدها العازف وشدة تعلقها به، ترك أثرًا فيها، وهي موهبتها في الغناء.

في أحد الأيام عثرت نيتوتشكا، بين صفحات أحد الكتب، على رسالة عاشق إلى معشوقته، فيكشفها زوج ألكسندرا وهي تتفحصها، ويتهمها بالفعل اللاأخلاقي، مسكين لم يعلم أن تلك الرسالة تخص زوجته، في حين أن ألكسندرا كانت تدافع عنها حتى سقطت مغشيًّا عليها، شرحت نيتوتشكا باستفاضة عن كل ما يتعلق بالرسالة إلى زوج الكسندرا، ودافعت عنها بالمثل، في مكتبه، وحين خرجت منه، استدعاها سكرتيره الخاص في القليل من الوقت، لم تكن على ما يرام، هكذا قالت له وانصرفت، لتنتهي الرواية عند تلك النقطة.

مما لا شك فيه أن ديستويفسكي برع في تصوير النفس البشرية، بما تحمله من اضطرابات وتقلبات، مما جعل رائد التحليل النفسي فرويد يقول عنه: «هو أول إنسان أعطانا فكرة عن الناس الذين هم نحن». وقال فرويد أيضًا إن حدوث تلك العُقد هو أمر طبيعي للغاية، يحدث في الانعكاسات الأولى من الطفولة، فقد مر هو بها في طفولته، وعندما قرأها، قرر أن يقوم بدراسة تلك الظواهر دراسة أكاديمية.

وقال عن ديستويفسكي أيضًا المفكر الأكثر جدلًا في التاريخ فريدريك نيتشه، إذ يقول إنه «ديستويفسكي»: «هو الوحيد الذي أفادني في علم النفس، كان اكتشافي له يفوق أهمية اكتشاف ستاندال».

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب معالم التحليل النفسي لسيجموند فرويد ترجمه محمد عثمان نجاتي
عرض التعليقات