الشهوة الجنسية، أو ما يصطلح عليها بـ«Sexual desire» تعتبر من بين أخطر الأسلحة دمارًا في العالم، لا يخلو قلب امرئ منها؛ حيث صار الإنسان مربوطًا بشهوته، هي التي تتحكم فيه، فالله لما ذكر شهوات الدنيا بدأ بها، قال الله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ}؛ بدأ بالنساء لأن الفتنة بهن أشد كما ثبت في الصحيح أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء»، لكن إذا كان القصد بهن العفاف، وكثرة الأولاد فهذا مطلوب، مرغوب فيه، مندوب إليه، كما الحديث «الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ».

ما هي الشهوة؟
تُطلَق الشهوة على المصدر أي الفعل، كما تُطلَق على الأمر المشتهى وهو المفعول؛ قال ابن تيمية: «الشهوات جمع شهوة، والشهوة هي في الأصل مصدر، ويُسمَّى المشتهى شهوة تسمية للمفعول باسم المصدر قال تعالى: {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا}».

ما أصناف الخلق بالنسبة للشهوة؟
من عجيب خلق الله تعالى، أنه خلق الخلق من حيث وجود الشهوة، على ثلاثة أصناف؛ قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- : «قال قتادة: خلق الله سبحانه الملائكة عقولًا بلا شهوات، وخلق البهائم شهوات بلا عقول، وخلق الإنسان وجعل له عقلًا وشهوة، فمن غلب عقله شهوته فهو مع الملائكة، ومن غلبت شهوته عقله فهو كالبهائم». فهل سنغلب عقولنا على شهواتنا، كي نكون مع الملائكة؟ أم سنفعل عكس ذلك؟!

كيف تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحاب الشبق؟

مثلًا لنأخذ نموذج ذاك الشاب الذي أتى إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يطلب منه أن يأذن له في الزنا، فعن أبي أمامة –رضي الله عنه– قال: «إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ، فَزَجَرُوهُ، قَالُوا: مَهْ مَهْ، فَقَالَ: «ادْنُهْ»، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا، قَالَ: فَجَلَسَ، قَالَ: «أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ»؟، قَالَ: لَا وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ»، قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ»؟، قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ»، قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ»؟، قَالَ: لَا وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ»، قَال: «أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ»؟، قَالَ: لَا وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ، قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ»؟، قَالَ: لَا وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ»، قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ»، فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ» (رواه أحمد).

وفي رواية أخرى، وقال: «اللهُمّ طَهِّرْ قَلْبه، واغْفِرْ ذَنْبَه، وحَصِّنْ فَرْجَه، فلم يَكُنْ شيء أبغض منه إليه –الزنا-». فنرى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- تعامل معه بحكمة بالغة، حيث بدأ يهدم أمامه جدار الشهوة تدريجيًّا، نحن نعلم أن شرف الإنسان من بين مقدساته، خصوصًا إذا كان الأمر يتعلق بالأم، فبدأ معه من أعلى قمة ذاك الهرم؛ ألا وهي الأم، ثم دعا معه، يعني أن الدعاء له أثره كذلك، تخيل معي بينما أنت في ثلث الليل الأخير-حيث ينزل ربنا إلى السماء الدنيا فيقول هل من داعٍ فأستجيب له- ساجدًا بين يديه تدعوه قائلًا: «اللهم ارزقني العفاف، اللهم ارزقني زوجة صالحة»، أكيد سيهيئ الله لك في بقعة أخرى، من هذا الكون الشاسع من تقول: «اللهم ارزقني العفاف، اللهم ارزقني زوجًا صالحًا»، لكن يجب أن نصلح أنفسنا، كي نرزق الصالحات، وكذلك النساء يجب أن يصلحوا أنفسهن كي يرزقن الصالحين؛ لأن الله تعالى يقول: {وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ}. لا يعقل أن تطلب شيئًا صالحًا، وأنت لست صالحًا، فذاك الصالح الآخر سيرزق بالطالح ألا هو أنت، فيكون ذلك ليس عدلًا.

قصة خوات بن جبير الصحابي الجليل، الذي كان معروفًا بشبقه قبل الإسلام، لكن كيف تعامل معه النبي -صلى الله عليه وسلم- حين أسلم، لقد روى الطبراني عن خوَّات بن جبير قال: نزلنا مع رسول الله مَرَّ الظهران –اسمه اليوم وادي فاطمة شمال مكة– قال: فخرجت من خبائي فإذا أنا بنسوة يتحدثن فأعجبنني، فرجعت فاستخرجت عَيْبتي -حقيبتي– فاستخرجت منها حُلَّة –بدلة– فلبستها وجئت فجلست معهنَّ، وخرج رسول الله من قبته فقال: أبا عبد الله ما يجلسك معهن؟ فلما رأيت رسول الله هبتُه واختلطتُ –أي ارتبكت وخلطت الصواب بالخطأ-، قلت: يا رسول الله جمل لي شرد فأنا أبتغي له قيدًا –أي: ضاع جملي فأنا أبحث عنه– فمضى واتبعته، فألقى إليَّ رداءه ودخل الأراك كأني أنظر إلى بياض متنه –ظهره– في خضرة الأراك، فقضى حاجته وتوضأ، فأقبل والماء يسيل من لحيته على صدره –أو قال: يقطر من لحيته على صدره– فقال: أبا عبد الله ما فعل شِرَاد جملك؟ ثم ارتحلنا فجعل لا يلحقني في المسير إلا قال: السلام عليك أبا عبد الله، ما فعل شراد ذلك الجمل؟ فلمَّا رأيت ذلك تعجَّلتُ إلى المدينة واجتنبتُ المسجد والمجالسة إلى النبي، فلمَّا طال ذلك تحيَّنت ساعة خلوة المسجد، فأتيت المسجد فقمت أصلي –لعله وقت الضحى– وخرج رسول الله من بعض حُجَره فجأة فصلى ركعتين خفيفتين وطوَّلت؛ رجاء أن يذهب ويدعني فقال: طول أبا عبد الله ما شئت أن تطول فلستُ قائمًا حتى تنصرف. فقلت في نفسي: والله لأعتذرنَّ إلى رسول الله ولأبرئن صدره، فلما قال: السلام عليك أبا عبد الله ما فعل شراد ذلك الجمل؟ فقلت: والذي بعثك بالحق ما شرد ذلك الجمل منذ أسلم –يعني نفسه أنه لم يرتكب معصية منذ أسلم– فقال: رحمك الله ثلاثًا، ثم لم يعد لشيء مما كان، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- عالج شبقه بكثرة الإلحاح عليه.

لماذا جعل الله فينا الشهوة؟
جعل الله فينا الشهوة؛ ليبتلينا لكن إذا كانت خلقت فينا فأين سنصرفها؟
يقول الله تعالى: {وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجهمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانهمْ فَإِنَّهُمْ غَيْر مَلُومِينَ فَمَنْ اِبْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ}. أي: أن الله جعل لنا خطوطًا حمراء، لا يجب علينا أن نتعداها، يجب علينا أن نحفظ فروجنا من الزنا، واللواط، والسحاق، بل يجب أن نصرف شهوتنا فيما أحل الله لنا من الأزواج، حينها لن نلام، لكن من صرفها فيما حرم الله عليه حينها سيكون من المعتدين.

لكن إذا لم نستطع الزواج ماذا نفعل؟
عن ابن مسعود قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- شَبَابًا لَا نَجِدُ شَيْئًا فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ منكُم الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». فالنبي -صلى الله عليه وسلم- يرغّب في الزواج للمستطيعين، ويظهر فوائده، وأما أولئك الذين ليست لهم استطاعة فكشف لهم الدواء حيث أمرهم بالصوم، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».

ما معنى الوجاء؟
الوِجاء في الأصل: رضّ الخصيتين للفحل من الأنعام ونحوها، وبه تبطل الشهوة الحيوانية عنده، والمراد بالوجاء: في الحديث التشبيه به، أي: أن الصوم يكون لصاحبه كالوجاء الذي يضعف شهوته، أو يبطلها يوم صومه، فهل سنجعل من رمضان وجاءً لنا؟ نحن على أبواب رمضان فهل سنستغله في إبطال شهواتنا، ونصلح أنفسنا؟ أم سنستغل شهواتنا فيما لا يرضي ربنا؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد