أعادت الواقعة الهمجية التي كانت حافلة للنقل العمومي «الحضري» بالدار البيضاء مسرحًا لها طرح إشكالية تفاعل المجتمع بمختلف أطيافه مع حوادث شاذة دخيلة مع المفارقات الأخلاقية والقيمية التي تتقاطع بينهما. إلا أن السؤال الجديد الذي يطرح نفسه بقوة هو فيما إذا كانت الصورة ومعها مواقع التواصل الاجتماعي تجعل رد فعل الفرد في مجتمعاتنا أقوى وعن جدوى التفاعل في العالم الافتراضي ومقياس إعماله في الحياة العامة؟

رغم أن تحقيقات الشرطة اهتدت إلى الجناة القاصرين وبالرغم من أن حادث محاولة الاغتصاب مرت عليه أشهر حسب الشرطة، على عكس تاريخ بثه على فيسبوك، فإن ذلك لم يمنع مئات الآلاف من مستخدمي الفضاء الأزرق في المغرب من التنديد القوي بالحادث والمضي في إدانته بشتى الوسائل الممكنة، لتتناسل بعد ذلك المقترحات بتعديل القوانين لتكون أكثر حزمًا تجاه المتحرشين والمعتدين جنسيًا وبالصرامة في تطبيق الأحكام القضائية في قضايا الاغتصاب والاعتداء على النساء وحماية المعاقين وبتفعيل الأمن على مستوى وسائل النقل العمومية، وانخراط الإعلام في التوعية عوض إشادته بفحولة الرجل وشدة طباعه من خلال ما يعرض من دراما وبرامج والتأكيد على التربية الأسرية جوهرًا لجيل سليم.

بيد أن من يطالع أخبار الحوادث اليومية يدرك أن لواقعة حافلة الدار البيضاء خصوصية وتفردًا، حيث إن المواقع الإخبارية تعج يوميًا بجرائم ووقائع شاذة فتقرأ عن إمام مسجد في قرية عاشر نساء متزوجات وعن اغتصاب قاصر من الأصول، وبائعة رغائف بسيطة اغتصبت ثم رميت جثة في إحدى الغابات، وشاب ذبح آخر بسبب دراهم معدودة وآخر قتل أمه أو أباه وهو تحت تأثير المخدرات. لكن القارئ يكتفي بتفحص الخبر بقراءة سريعة ثم ما يلبث أن يتصفح خبرًا آخر دون أي تفاعل على المدى المتوسط على الأقل.

خصوصية واقعة التحرش الجنسي بالحافلة التي تطورت إلى محاولة اغتصاب تحيط بها عوامل متعددة، فالحادث وثق صوتًا وصورة مع ما يحمله ذلك المعطى من صدمة لدى المتلقي، خصوصًا من لا يألف مشاهد العنف الجنسي، وتزداد الصدمة حدة وهي توثق ﻷفراد يشكلون جزءًا من المجتمع المغربي وبخاصة الجيل الصاعد وبالتالي تقع إسقاطات تلقائية على جملة من التمثلات الاجتماعية من قبيل الظلم وتحقير الضعيف واستغلاله وتكريس صورة المرأة كجسد وتشييئها وتغييب ذاتيتها وكينونتها واستباحة عرضها.

 كما أن المعتدى عليها في الواقعة فتاة تعاني من إعاقة ذهنية والمعتدون قاصرون  مما أسبغ على الحادث رمزية جمعت بين الوازع الأخلاقي والإنساني والرفض المجتمعي الحازم وهو ما يفسر انتشار الخبر على كبريات القنوات والصحف والمواقع الإخبارية الدولية. يضاف إلى ما سبق أن محاولة الاغتصاب وقعت في وضح النهار على متن وسيلة نقل عمومي وعلى مرأى ومسمع من سائق الحافلة وركابها وهو ما صب الزيت على نار التفاعلات حيث رأى الملاحظون أن في ذلك تساهلًا مع الجناة ومع ظاهرة شاذة لها تأثيراتها العميقة وتبعاتها المهلكة. وذلك دليل على أن الحادثة لم تكن لتلقى كل هذا التضامن والتفاعل لو كانت مجرد خبر مكتوب.

المحمود في الأمر أن التفاعل مع واقعة الحافلة في العالم الافتراضي ترجم إلى تفاعل حكومي واقعي وإشادة من رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، بما أبان عنه المغاربة من وعي وحزم ورفض لكل أنواع الانتهاكات ووحدة صف رواد مواقع التواصل الاجتماعي، كما دفعت الإدانة والشجب الكبيران الأمن الوطني المغربي للتدخل بحزم والخروج ببلاغ توضيحي حول الحادث، مثلما خرج وزير العدل عن صمته داعيًا الوكلاء العوام للملك لدى محاكم الاستئناف ووكلاء الملك لدى المحاكم الابتدائية إلى السهر على فتح الأبحاث القضائية في مواجهة حالات عدم التبليغ المجرمة قانونًا وترتيب الجزاءات القانونية المناسبة عليها، بما يضمن حماية الأمن العام وسلامة الأشخاص والممتلكات وسيادة القانون والحد من الإفلات من العقاب. فهل كانت الحكومة ستتفاعل وتخرج بقرارات وتصريحات لولا قوة الصورة ومخلفاتها النفسية وما حصدته من تعاطف شعبي؟

صدمة الصورة لعبت إذن دورًا كبيرًا في تهييء الأرضية المناسبة لحراك أخلاقي وقيمي مجتمعي في المغرب على خلفية الحادث، وشكلت بالتالي وقودًا غذى محرك الاحتجاجات الافتراضية التي ترجمت إلى بعض الوقفات في الشارع العام والمبادرات الجمعوية تنديدًا بواقعة الحافلة.

ورغم أن التفاعل مع هذه الحادثة ظاهرة صحية إلا أن ذلك مؤشر سلبي على درجة التجاوب التلقائي للمجتمع مع ظواهر تمس بسلمه الاجتماعي وبمنظومة قيمه، وهو ما يفسر غياب قواعد جامعة لدى أغلب مكونات المجتمع تؤمن من خلالها بحرمة الفرد وسلامته وحرية تصرفه بما يضمن إجماعًا مجتمعيًا على قدسية الحياة الشخصية والخصوصية الفردية.

هل مجتمعنا في حاجة مستمرة لهزات ورجات صادمة تجبره على التفاعل وإبداء آراء الشجب وإظهار الغضب في غياب وعي جماعي؟ ثم متى يشكل كل فرد من تلقاء نفسه درعًا واقيًا للقيم والأخلاق مع استحضار ما له وما عليه من حقوق وواجبات؟ أسئلة تستحق الوقوف والتأمل لرصد مكامن الخلل والخروج بحلول مجتمعية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد