تذكير

نستنتج انطلاقًا من الأدلة التي أوردناها في الجزء الأول أن الذكر أكثر حيوية ونشاطًا من حيث الدافع لممارسة الجنس أكثر من الأنثى. وهذا لا يعني أن الأنثى أقل إحساسًا من الذكر، وإنما الأمر يتعلق بالدافع للممارسة العملية، والذي تأكد لنا من خلال الأدلة الثلاثة المختلفة التي أوردناها على أن الذكر له دافع أقوى من دافع الأنثى لممارسة الجنس. وهذا الأمر هو الذي جعل المجتمعات القديمة يعتقدون بأن المرأة لا تُحس بأية لذة أثناء ممارسة الجنس، وذلك بربطهم الدافع باللذة، وهي مغالطة فكرية ناتجة عن جهل بحقيقة النفسية الأنثوية، وإسقاط النفسية الذكورية على نفسيتها.

لنعد إلى موضوعنا، ولكي لا نقفز على التسلسل المنطقي، لابد لطرح سؤال هنا: وهو أين يتجلى التحرش الجنسي في كل هذا؟

في الحقيقة لا يمكن أن ننزع هذه الظاهرة كجزء من كلية الحياة الجنسية عند الفرد، وقد تحدثنا في الجزء الأول من مقالنا، عن الحالة الطبيعية الجنسية للذكر والأنثى، ولاحظنا بأن الذكر له دافع جنسي طبيعي أقوى من الأنثى يدفعه لإشباع رغبته الجنسية. لهذا فإن التحرش الجنسي يقع كجزء من هذه الكلية.

ولكن السؤال هنا هو: هل التحرش الجنسي يدخل في إطار الإشباع الجنسي؟

التحرش الجنسي وسيلة تعبيرية

لا أعتقد ذلك، فالتحرش الجنسي حسب ما نلاحظه هو أنه ليس إشباعًا لرغبة جنسية؛ لأن الإشباع كعملية يعني تخفيف حدة الدافع، أي أن الإشباع ستواكبه تلقائيًا حالة من الهدوء النفسي عند الفاعل، فمثلًا الرغبة في الأكل سيجعل المرء يتحرك من أجل الحصول على ما يأكل، وبعد إشباعه لهاته الرغبة ستنخفض حدة الدافع للأكل، وسيهدأ الفاعل عن طلب الحصول على الأكل، لكن هذا لا يحدث أثناء التحرش الجنسي، حيث إن الممارسة تستمر رغم ممارستها لعدة مرات، فحتى ولو تحرش الشخص بألف شخص، فإن دافعه للتحرش لن يهدأ.

لهذا لابد لنا من إعادة تعريف التحرش الجنسي في علاقته بالحياة الجنسية، وذلك بتجاوز التعريف العام الذي طرحناه في الجزء الأول، ونقول إن التحرش الجنسي هي ممارسة تعبيرية (شفوية أو فعلية) هدفها التنفيس عن رغبة جنسية دون إشباعها. يعني أن التحرش الجنسي ليس ممارسة لإشباع الرغبة الجنسية، بل هي ممارسة للتعبير عن حالة نفسية داخلية تشكلت كنتيجة لطبيعة الذكر وعلاقته بمحيطه خاصة بالأنثى.

إذًا التحرش الجنسي ليس هدفه الإشباع، بل هدفه التعبير، وتأكيد الوجود الذاتي لمُمارسه ككائن موجود لديه كينونة خاصة. وهكذا نفهم أن التحرش الجنسي هي وسيلة للتعبير وليس وسيلة للإشباع.

لكن هل هذه الوسيلة التعبيرية هي وسيلة مشروعة أم هي وسيلة غير مشروعة؟

وسيلة غير مشروعة

بالطبع هذه الوسيلة غير مشروعة؛ لأن التحرش الجنسي وسيلة مركبة، وليس وسيلة بسيطة، فهو وسيلة مركبة تتكون من وسيلتين اثنتين، وسيلة ذاتية ووسيلة موضوعية، والهدف يبقى هو التعبير:
فالوسيلة الذاتية هي الحركة التي يقوم بها الفاعل بلسانه أو بيده أو بهما معًا. أما الوسيلة الموضوعية فهي الشخص الذي تُمارس عليه تلك الحركة، فهو هدف للوسيلة الذاتية ووسيلة للهدف الذي من أجله مورس التحرش منذ البداية، وهو التعبير . وهنا الإشكال؛ فالشخص الذي تُمارس عليه تلك الحركة، هو إنسان له قراراته الخاصة، فإن حوله أحد ما إلى وسيلة دون إذنه، فإنه بذلك يُفقده كرامته بالتتابع؛ لأن عدم اعتبار أهمية قرار الآخر يعني استنقاص من قيمته الذاتية، وهذا يعني اعتباره دون كرامة. ولهذا يجب اعتبار التحرش الجنسي استنقاصًا من كرامة الإنسان الذي تُمارس عليه هاته الممارسة.

لكن هنا إشكال عميق يتحدد في داخل هذه الظاهرة، وهي مادام الشخص الذي مارس السلوك لا يعطي قيمة لردة فعل الشخص الذي مورس عليه السلوك، فهل عدم إهتمامه برد فعل الطرف الآخر ناتج عن فكرة مسبقة للفاعل تعتبر بأن الأنثى تستمتع بالأمر رغم ردة فعلها الشرسة؟ أم أن الفاعل ينظر للأمر ببساطة على أنه مجرد لعب أطفال؟

السؤال الأول يجعلنا نطرح إشكالًا آخر وهو: هل التحرش الجنسي ظاهرة إجتماعية تأخذ طابعها بسبب رد فعل الطرف الذي مورست عليه الممارسة؟أم يأخذ طابعه بالممارسة ذاتها؟

ولتقريب الأمر للقارئ، فإن ظاهرة التحرش الجنسي تأخذ مراحل: فالبداية تكون بالفعل الذي يمارسه الفاعل والنهاية تكون برد فعل الطرف الذي مورست عليه الممارسة. لهذا هل التحرش الجنسي يأخذ طابعها منذ البداية أم منذ النهاية؛ لأنه لو تحرش أحد بفتاة، وقبلت الأمر فهل يمكن أن يسمى هذا تحرشًا؟ لأن هذا الأمر سيقودنا إلى السبب الذي يجعل التحرش الجنسي يظهر كسمة ملاصقة للفقراء أكثر من الأغنياء، وهذا سيكون موضوع مقال قادم إن شاء الله بعنوان: (الإرهاب والتحرش الجنسي تهمتان بدون دليل).

ومع ذلك، لابد أن نستكمل موضوعنا هذا ونطرح سؤالًا مهما: إذا كان التحرش الجنسي وسيلة تعبيرية غير مشروعة، فما هي الحلول الممكنة للقضاء على هاته الظاهرة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد