تذكير

رأينا في الجزء السابق، المقاربة النفسية لظاهرة التحرش الجنسي، التي سُقنا جُل أفكارها من مدرسة التحليل النفسي. طارحة علاجا للظاهرة، يقوم على أساس فتح مجالات للإبداع حتى يستطيع الفرد تحويل طاقته التدميرية إلى طاقة إبداعية.

أما في هذا الجزء فإننا سنناقش مقاربة أخرى شبه نفسية لا عقلانية، تأخذ طابعها من الأساس الفلسفي الذي طرحه هيغل في كتابه فينومينولوجيا الروح، في الفصل الذي يتحدث عن العلاقة الجدلية بين العبد والسيد.

الدافع الثيموسي

ليس الإنسان مجرد كائن يتميز بالعقل فقط، إنما له جانب آخر سماه أفلاطون بالثيموس، وهو الجزء الإنفعالي في نفسيته الذي يقوده إلى أن يضمن كرامته كإنسان.

فالعقل عادة يساعد الإنسان ليحافظ على حياته الشخصية داخل مجموعة من العوائق التي تعترضه، وإن أحس بأنه مهدد بالخطر فإنه يتراجع هاربا للنجاة من موت محدق، ولكن هناك جانب داخل النفس البشرية لاتدع الفرد يتخذ دائما القرارات التي يُمليها العقل عليه للنجاة، وهذا الجانب هو الذي يأمره بأن يتشجع في مواجهة الأخطار، حتى يضمن قيمته كشخص شجاع وسط محيطه الذي يعيش فيه. ولهذا اعتبر أفلاطون أن هذا الجزء من النفس هو المسؤول عن الشجاعة، وأكد على أنه يجب أن يكون قويا في نفس حماة المدينة الفاضلة التي بناها في جمهوريته.

إن الثيموس، إذن، يتحكم في جزء كبير من السلوك البشري، ويُحرضه في أن يُحافظ على ذاته وسط المجموع، ليس كبقاء على قيد الحياة وإنما كذات أفضل لها قيمة.

نعم، إنه الجانب الذي يحث أي شخص في أن يكون أفضل من الآخر، إنها النار الملتهبة التي تشتعل في صدر الإنسان حين يتعرض للإهانة، بسبب شعوره بأن الذي أهانه قد استنقص من أفضليته، ولهذا قال نيتشه عن الأفراد المتواجدين داخل المجتمع الذي ستقوده البرجوازية –بنوع من التصرف- “سيكونون وحوشا بلا صدور”، لأنهم لن يأبهوا بالإهانة إن كان ما سيأتي بعدها هو الإستمرار في جني المال.

إنها الجرثومة التي تصعق صدور الأفراد ليحافظوا على قيمتهم، وينالوا الإعتراف من الآخرين على أنهم ذوات لهم كرامتهم الخاصة.

يبحث الإنسان دائما عن قيمته وسط المجتمع، لينال إعترافهم به، لهذا يفعل بعض الأمور التي قد تكون لا عقلانية حتى يُلفت إنتباههم له كفاعل يستطيع أن يفعل. بل هناك من يحاول أن يُظهر أنه الشخص الذي سيفعل ما لم يستطع الآخرون فعله. بالطبع إنه الجانب الذي خلق الفرسان في العصور الوسطى والمغامرين في العصر الحديث.

الثيموس والأساس التبريري للفعل

من هنا سنلاحظ بأن المتحرش مجرد شخص يحاول أن يُلفت الإنتباه ويحاول أن ينال إعتراف الطرف الآخر، وهذا الطرف ليس فردا وإنما عالما. إنه عالم الإناث.

إن الدافع الثيموسي عند المتحرش، هو دافع بدائي لا يتجاوز ما هو مطروح إلى ماهو ممكن، فالنظر التي يتصف بها هذا الفاعل هي نظرة ضيقة تعتمد على اللحظة الآنية دون التفكير في النتيجة التي تليها، فكأنه يعيش عبثية مثيرة، فرغم أن الدافع هو الحصول على إعتراف العالم الأنثوي إلا أن الهدف لا يتحقق ولا يُهمه ذلك، فما يُهمه هو أن يفعل الفعل الآن، وحين ينتهي لا يُهمه ما الذي سيحدث.

لا يجب أن نهمل أمرا مهما وهو أن الوسط هو الذي يُعطي الأساس التبريري للفعل، والذي يُوهم الفرد -بطريقة لاعقلانية ولاشعورية- بأنَّ نيل الإعتراف من العالم الأنثوي يحدث بهاته الطريقة البدائية.

فالفرد لا يمكنه أن يبحث عن نيل الإعتراف في مكان ما، إن لم يكن المجتمع يعتمد عليه كأساس تبريري، فالمغامر مثلا الذي يتسلق الجبال يجد الأساس التبريري في المجتمع الذي يعيش فيه، فالعالم الغربي يعتبر أن هذا الفعل هو فعل بطولي بينما تتعتبره مجتمعاتنا فعلا عبثيا، ونتيجة لهذا نجد أن المغامرين في الغرب أكثر عددا من المغامرين لدينا.

ما أريد قوله، هو أن المجتمع هو مصدر الكهرباء التي تُفعل الدافع إلى نيل الإعتراف في مكان ما، فالمتحرش ينظر إلى التحرش الجنسي كمكان لنيل الإعتراف من العالم الأنثوي، لأنه متشبع -بطريقة لا شعورية- من الوسط بأن هذا الفعل هي الوسيلة التي ينال بها الفرد الأفضلية لدى الإناث بإعتباره الرجل الشهم الشجاع الذي يتجرأ على عالم الأنثى دون خوف.

العلاج الذي تطرحه هذه المقاربة

تقودنا هذه المقاربة إلى وضع ذهنية المجتمع في قفص الإتهام، وليس الفاعل، فهذا الأخير هنا، مجرد ضحية لفكرة بدائية أفرزها المجتمع في الشوارع (و ليس في المنازل).

إذاً سيكون العلاج إنطلاقا من هذه المقاربة، منصبا على المجتمع وليس المُتحرش، وذلك بتوجيه الإهتمام إلى الأساس التبريري الذي يعتمد عليه هذا الوسط، في توجه الفرد للبحث عن الإعتراف في مكان ما:

1-إضعاف الأساس التبريري

وإنطلاقا من ذلك، تحث هذه المقاربة على أنه، يجب على المجتمع أن يُغيِّر نظرته إلى التحرش الجنسي، على أنه ظاهرة تقض مضجع تماسكه السيكولوجي-الجنسي، وليس كمكان للبحث عن نيل الإعتراف من العالم الأنثوي. فتصحيح هذه الفكرة بشأن الظاهرة سيُضعف الأساس التبريري الذي يعتمد عليه المتحرش، وسيكون فعله حينها في حصار العبثية الأكيدة، وبهذا لن يتجرأ على فعله.

2-السخرية منه

ليس هذا فقط، بل يجب أن يتعرض هذا الأساس التبريري إلى الهدم وليس الإضعاف فقط. وذلك عن طريق السخرية منه، واعتباره أساسا همجيا لا يُعبر عن الحضارة بشيء، فإن قام المتحرش بفعل ما، فلا يجب أن يتم سجن الفاعل ومعاقبته، لأن هذا لن يقضي على الظاهرة، وإنما يجب  السخرية من الفاعل ونعته بالهمجي، وعدم التسامح معه نفسيا، وملاحقته بأوصاف تُنقص من قيمته الإنسانية، وبهذا سيجد أن ما فعله لينال الإعتراف قد انقلب عليه وتعرض للإهانة، وبهذا لن يدعه الثيموس مرة أخرى إلى أن يرتكب نفس الفعل.

3-إهمال الإنتباه إليه

هناك إجراء آخر أكثر إعتدالا من الإجراء السابق، وهو تجاهل الفعل وعدم إعتباره كفعل بطولي أو فعل يستحق الإعتراف حقا، وهذا سيُشعر الفاعل على أنه لم يُثر الإنتباه الذي سعى إليه، وسيعتبر بأن فعله لا قيمة له في مجتمعه، وهنا سيبحث عن مكان آخر لينال الإعتراف فيه.

4-إفراز ميادين بديلة ليبحث الفاعل فيها عن الإعتراف

ولينجح أمر الإجراء الثاني، لابد من القيام بإعادة التوجيه إلى ميادين أخرى على أنها الميادين التي تستحق أن يبحث فيها الفرد عن الإعتراف، فبمجرد توجيه إنتباه الأفراد إلى أماكن يمكن أن ينال فيها الفرد الإعتراف الذي يستحق الثناء ولا لائمة تلاحقه، فإنه سيدع الفعل البدائي الذي يقوم به والذي أصبح مشينا من طرف المجتمع، ويتجه صوب البديل الذي خلقه المجتمع، ويكون المتحرش بذلك قد اقتنع بأن التحرش ليس مناسبا لنيل الإعتراف.

تقييم للمقاربة وعلاجها

إن هاته المقاربة تطرح حلولا ممكنة، ولكنها لا تخبرنا عن الكيفيات التي يمكن بها أن تمارس. فمثلا هناك سؤالين مهمين، وهما؛  كيف يمكن للمجتمع أن يسخر من الفعل وأن يشن عليه هجوما نفسيا؟ وكيف يمكنه أن يعيد توجيه الإنتباه إلى ميادين أخرى؟

بالإضافة إلى هذا، هناك صعوبة أخرى تعترض هذه المقاربة، وهي تعميمها للجانب الثيموسي على السلوك ككل، فلا يمكننا أن نؤكد بأن التحرش الجنسي يأتي بأساسه من الدافع الثيموسي فقط. أضف إلى هذا أننا لا نعلم هل الفعل يسعى به الفاعل لينال الإعتراف من العالم الأنثوي أو من الذكور مثله؟ فما نلاحظه هو أن ممارسة التحرش تكون دائما جماعية وليست فردية. لهذا يمكن أن نقول بأن الفاعل يقوم بهذا الفعل لينال الإعتراف من أصدقائه الذين يحيطون به وليس من العالم الأنثوي كما تؤكد المقاربة، ومن هنا يمكننا أن نجيب عن السؤال الذي طرحناه بشأن الكيفية التي يمكن أن يسخر بها المجتمع من الفعل، وهي أن يقوم أصدقاء المتحرش بالسخرية منه حين قيامها بتلك الممارسة. ولكن مع ذلك لن يحدث هذا إلا إذا كان لدى أصدقائه اقتناع بأن الفعل همجي أصلا، ومن هنا نعود لأطروحة سقراط البيداغوجية التي تربط بين المعرفة والفضيلة، وقد  تحدثنا عنه في الجزء الثالث من هذا المقال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد