هل هناك أسس لظاهرة الشذوذ الجنسي التي تفشت في المجتمع الغربي وثقافته؟

سأكتب مجموعة من المقالات حول هذه المسألة – إن شاء الله- تناقشها من أكثر من زاوية. وهذا هو الأول فيها، والذي سيكون عن النظرة العلمية للشذوذ  الجنسي. والمقال الثاني سيكون عبارة عن رؤية مقارنة لهذا السلوك بين الشريعة الإسلامية والثقافة الغربية، أما الثالث فسيكون – بإذن الله- عن تاريخ انتشار هذه الظاهرة؛ لنعرف أسبابها جيدًا. وأخيرًا المقال الأخير سيكون عن مسألة فرعية عن هذه، لكنها المنتشرة حاليًا، وهي مسألة «الهوية الجنسية».

فتنقسم التصنيفات الجنسية إلى ثلاثة تصنيفات حسب ما هو موجود الآن: التصنيف البيولوجي، والميول الجنسية، والهوية الجنسية. وسيكون التصنيف الأول هو المرجع لنا في مناقشتنا لكل من التصنيف الثاني، والثالث. فهذه التصنيفات هي التي سيكون حولها النقاش في سلسلة المقالات هذه – بإذن الله-.

– التصنيف الأول: هو التقسيم الجنسي على الأساس «البيولوجي».

فهو تصنيف البشر حسب أعضائهم الفسيولوجية المختلفة، وفيها ينقسمون إلى جنسين (ذكر وأنثى).

ونوع خاص هو (خنثى)، وهو من يملك مثلًا كلا العضوين التناسليين، أو كون عنده اضطراب ناتج عن خلل هرموني معين. في النهاية هو تصنيف لسبب بيولوجي. وهناك إجراءات علاجية وجراحية مختلفة لهذا النوع، سواء في الحالات التي تعاني من خلل هرموني، أو حتى في حالة كون الشخص يملك كلًّا من العضوين التناسليين معًا. والخنثى يختلف في طبيعته ومن ناحية التعامل معه عن ما سنتكلم حوله في المقال الأخير، وهذا سيتضح في ذاك المقال – إن شاء الله-.

ويدخل في هذا التصنيف أيضًا تعريف «الجنس» بيولوجيًّا، فهو عملية «تكاثرية» تحدث بين الرجل والمرأة باستخدام الأعضاء التناسليه التي هذا هو غرضها. فهنا نقطة مهمة سنعود لها عند بدء الكلام في التصنيف القادم، وسنعود لها مجددًا في المقال القادم – بإذن الله-.

والتصنيف البيولوجي ليس هناك ثمة خلاف عليه. لا في المجتمعات الشرقية أو الغربية؛ لذا فأنا ذكرته في البداية لأني سأعود في التحاكم له عند الخلاف فيما سيأتي.

ولندخل الآن في مسألتنا الرئيسية، وهي  التصنيف الثاني من رؤية  علمية. وهذا التصنيف الثاني هو التصنيف بناءً على «الميل الجنسي sexual orientation»: والذي يعني التصنيف حسب انجذاب الشخص لجنس معين. وهذا يقسمونه إلى أربعة أقسام:

1- مغاير (ينجذب لغير جنسه).

2- مثلي (ينجذب لجنسه).

3- ثنائي (ينجذب للجنسين).

4- ومن لا ينجذب لشيء.

ويمكنك أن ترى أن هذا التصنيف ليس شرطًا أن يكون له أساس بيولوجي. فهو مجرد تصنيف للميل أو التفضيل الشخصي، سواء كان له أصل بيولوجي، أو لا. وقد يكون لأحد هذه الأقسام أساس والآخر لا. وهذا هو ما سنناقشه في هذه المقالة، وهي هذا التصنيف من ناحية الرؤية العلمية، وعلى أي أساس يقوم كل قسم منه.

وهنا يجب أن أذكر بما أشرت له بالأعلى من ماهية «الجنس» أصلًا من النظره البيولوجية، لأنه حسب هذه النظرة فإن الجنس غرضه الأساسي التكاثر، والأعضاء التناسلية غرضها التناسل، إذن يصبح الانجذاب «المغاير» هو الانجذاب الطبيعي بيولوجيًّا، والمستقيم مع الرؤية العلمية البيولوجية.

أما عن الباقي، فلا يوجد أي سند بيولوجي لها، بالعكس فهي ضد هذا الغرض الذي أشرنا له من قبل. ورغم وجود الكثير من الأبحاث في هذا الشأن، لكن كلها لم تجد أدنى دليل بيولوجي على المسألة حتى الآن، وهنا بحث مراجعه أغلب هذه الأبحاث المختلفة المعروفة (200 بحث تقريبًا) فخرج بهذه النتيجة (1).

ولاحظ مسألة مهمة في هذه النقطة، أنه عند دراسة خاصية بيولوجية في نوع معين من الكائنات الحية، فإنها تدرس في نفس هذا النوع، ولا تذهب لدراستها في نوع آخر؛ لتقول هل هي موجودة عند هذا النوع أم لا، فهذا لا يستقيم علميًّا، ولا منطقيًّا حتى، فلا يمكن أن يقول أحد أنا اكتشفت أن خاصية الطيران خاصية بيولوجية في الإنسان، ودليلي على هذا أن الطيور تطير. هذا لا يقول به عاقل ولا عالم، وأذكر في هذه المسألة أن حصان البحر من يحمل فيه ويلد هو الذكر ليس الأنثى، مخالفًا بذلك كل الكائنات الأخرى التي تحمل وتلد (2)، وذكر هذا هنا إنما هو من باب ضرب المثال لتقريب الفكرة وإلا فالقاعدة معروفة، وهي أن خواص الكائن البيولوجية تعرف من الكائن نفسه.

ومن هنا يتبين لنا الخطأ العلمي لمن يقول إن للأمر سندًا بيولوجيًّا «في الإنسان» لأنه «موجود» في بعض الحيوانات، فليس لمجرد كونه موجودًا في بعض الحيوانات يعني هذا أن له سند بيولوجي فيهم فهذا مبحث آخر بذاته، وبناءً على القاعدة العلمية السابقة، لتعرف هل هناك خاصية بيولوجية في نوع معين عليك أن تدرسها في هذا النوع لا أن تذهب وتدرس غيره ثم تأتي وتقول انظر لقد أثبت الخاصية هناك؛ إذن فهي ثابتة هنا، هذا من التعميم غير المقبول علميًّا.

وعند النظر لدراسة هذه الخاصية لمحاولة معرفة هل لها أصل بيولوجي في البشر أم لا في دراسات التوائم المتماثلة. والتي من المفترض طبعًا لو كان هناك أي سند بيولوجي (جيني كان أو غيره) لهذه الأقسام الأخرى أن يكون موجودًا عند كلا التوأمين، ووجود توأم واحد حتى يختلف في هذا يخلق مشكلة كبيرة في هذا الأمر، كمشكلة مثلًا لو وجدنا توأمين متماثلين أحدهما ذكر والآخر أنثى. ولاحظ أن الكلام على التوائم «المتماثلة» الذين يكونون في الأصل عند وجودهم في الرحم من نفس الحيوان المنوي ونفس البويضة، لكن حدث انفصال بعد التلقيح والانقسام، وانقسم نفس الأصل ليصبح فرعين، هذا غير التوائم الناتجين عن تلقيح حيوانين منويين لبويضتين في نفس الوقت، فهنا التوأم اسمه توأم غير متماثل.

وتتم الدراسة على التوائم المتماثلة لأن أصلها واحد بيولوجيًّا، فلو في المسألة أي سند بيولوجي فسيظهر عندهم كلهم، ومنه يحاولون المقارنة ليعرفوا ما هو بالضبط. ولكن كان هناك نسب كبيرة في الاختلاف حسب كل دراسة في هذا الأمر (3)، وهذا الاختلاف إنما يفيد أن ليس للأمر أصل بيولوجي، فلو كان له لكان موجودًا في الجميع، وعندها يبدؤون بالدراسة التفصيلية والمقارنة لتحديد هذا الأصل بالضبط، لكن كونه يوجد الكثير من التوائم المتماثلة المختلفين في هذه النقطة إنما يدل على أن الأمر ليس له أصل بيولوجي، لنبدأ بمحاولة معرفته أصلًا. إذن من هنا نستنتج أنه  لا أحد يولد هكذا. هذا فضلًا عن أن هذا التوجه غير ثابت ومتغير بدون تدخل جراحي حتى بل هو نفسي فقط (4)، وهذا ما يؤكد أن هذا التصنيف ليس قائمًا على أساس بيولوجي، وليس له أصل بيولوجي علميًّا.

إذن على أي أساس يقوم هذا التصنيف؟

التفسير الأكثر منطقية وعلمية هو أنه تصنيف سلوكي، والعامل المؤثر فيه هو عامل نفسي يختص به علم النفس (كما رأينا في آخر مصدر في هذا الشأن، من تمكن علم النفس من التأثير في هذا السلوك وتغييره)؛ لذا فهذه الميول الأخرى المختلفة عن الميل المغاير – الذي قدمت في بداية الحديث السبب الذي بناءً عليه فإنه يدخل تحت الإطار البيولوجي– هي ميول سلوكية لأسباب نفسية وبعكس الميل المغاير فليس لها أصل بيولوجي، إذن فالعامل النفسي مؤثر أساسي فيها. وقد كانت تصنف أصلًا هذه السلوكيات ضمن الانحرافات السلوكية من جملة الانحرافات السلوكية المتعلقة بالجنس في علم النفس قديمًا، لكنه خرج من هذا التصنيف بقصة طريفة سنتعرض لها – إن شاء الله – في المقال الثالث من هذه السلسلة – إن شاء الله-.

وكون أن الامر سلوكي من الدرجة الأولى، فهذا يعني أن مثله مثل غيره من السلوكيات منها الصحيح ومنها الخاطئ. وفي هذا الأمر نقطتين مهمتين يجب الانتباه لهما قبل الختام.

الأولى

أننا لو قارنّاه بالتدخين مثلًا (باعتبار التدخين سلوكًا مخالفًا للغرض البيولوجي للعضو المستخدم، مثله مثل هذا السلوك)، فالتدخين من هذه الرؤية يعتبر سلوكًا خاطئًا. ولكن هذا يرجع في الأساس إلى الرؤية الاجتماعية للثقافة أو الأيديولوجية التي تحكم على هذا السلوك، فقد تجد البعض يقولون إن التدخين ليس سلوكًا خاطئًا مثلًا. وعندها يكون الحاكم في المسألة، هو ما يتفق عليه الطرفان. ولذا كان هذا هو المقال البداية لتأصيل الرؤية من ناحية علمية، لأنه في المقال التالي – بإذن الله – سأرد الأمر في التحاكم إلى العلم، لأنه القاعدة المشتركة التي يتفق عليها الطرفان.

والثانية

 هي أنه لا يمكن اعتبار هذه المسألة داخلة في إطار العنصرية، فالعنصرية هي ضد شيء ولد الإنسان به، أو هو اختيار شخصي له (كالعرق أو اللون أو الجنسية والديانة أو الاعتقاد… إلخ).

لكن السلوكيات لا تدخل ضمن إطار العنصرية، فلا يمكن أن يقال لأحد إنه عنصري لأنه يرى القتل سلوكًا خاطئًا، والقاتل مجرمًا، كذا السرقة، كذا الاغتصاب، كذا التدخين… إلخ. كما أن القوانين أساسًا وضعت لتنظم السلوكيات، وفرز صحيحها من خطئها، مع وجود عقوبات للسلوك الخاطئ، وحسب كل قانون وثقافة فالرؤية تختلف من تجريم لعدم تجريم، أي نوع كان من السلوكيات. فكون المسألة سلوكية يعني أنها لا تدخل في إطار العنصرية أصلًا.

وملاحظة مهمة هنا هي أن السلوكيات الخاطئة ليس شرطًا أن يكون مرتكبها من الصورة النمطية للمجرم. وإنما السلوكيات هي محض سلوك منحرف عند أحد البشر قد توجد عند أي أحد منهم، فقد تجد عالمًا كبيرًا ويمارس أحد السلوكيات الخاطئة، فيكون ساديًّا مثلًا، يتلذذ بتعذيب غيره. أو قد يكون الشخص رجل أعمال شهيرًا مثلًا، ومع ذلك فهو عنده خلل سلوكي، فيحب تقضية وقت فراغه في القتل أو الاغتصاب.

وحاليًا تجد عند الغرب من هم ناجحون في مجالاتهم، لكن يعلنون أنهم «مثليون»، فكان يجب الإشارة؛ لأنه لا علاقة بين الأمرين، وليس لكون شخص ما ناجحًا يعني هذا أن نقبل منه سلوكًا معينًا لو ظهر خطأه. فعند النظر لأي سلوك من السلوكيات الخاطئة لا يغفرها للفاعل كونه ناجحًا في المجتمع، أو متميزًا في محور معين من محاور الحياة.

وهاتان النقطتان نقطتان مهمتان كان يجب أن أشير إليهما قبل مقالي القادم، وما سأناقشه فيه – بإذن الله – وهو هذا الخلل السلوكي برؤية مقارنة بين الشريعة الإسلامية، وبين الثقافة الغربية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد