إن غريزة الجنس محور الحياة ومحرك التاريخ، والدافع الغريزي الأقوى من بين الغرائز الأخرى، يحوي أهم لحظة يلهث وراءها الجميع، لحظة تحيي وتميت، تعلي وتدني، تقيم وتسقط، والغرائز لا تنظم بالزجر، وإنما عن طريق توفير ترسانة قانونية وشرعية، وفي واقع ظروف اجتماعية مساعدة، فالمريدون من الإسلاميين يعتبرون أن الجنس خارج مؤسسة الزواج محرم شرعا، ويجب الإبقاء على تجريمه في طيات التشريع الجنائي، الذي يعتبر تشريعا دينيا بالأساس بالنسبة لهم، نظرا لتجريمه الزنا، وإن كان التشريع الجنائي قانونًا وضعيًا، يستلهم مبادئه من السياسية الجنائية الفرنسية، وأيضا القانون الدنماركي والألماني، محافظ على المبادئ المنصوص عليها في الشريعة الإسلامية، هذه الأخيرة التي حثت على الزواج، والسماح بالتعدد عند تحقق مبرراته، وأمرت كلا من الرجل والمرأة بغض البصر والابتعاد عن الاحتكاك والتطلع إلى الجنس الآخر أثناء علاقات الحياة اليومية، ونصت على عقاب جذري في حالة الوقوع في علاقة جنسية «الزنا»، كوسيلة للحد من العلاقات الجنسية غير الشرعية، وتجنب الفحشاء والرذيلة بين مشارب المجتمع.

وأمام ما شهده المغرب من انفتاح غير مسبوق في عهد الملك محمد السادس، طفا على السطح، عراك حاد، بين من يعدون أنفسهم علمانيين أو أنصار الحداثة، يدعون إلى التحرر الكامل من سلطة الدين والممارسات الرجعية، ودعوتهم إلى المساواة بين الرجل والمرأة، وبين تيار، يعتبر نفسه إسلاميا، جعل الدفاع عن حمى القيم التي بني عليها المجتمع المغربي مهمته الأساسية وفرض نوع من الوصاية الأخلاقية على الأفراد، خصوصا عند تحريك المياه الراكدة وخلق نقاش مجتمعي أدى إلى حصول توافقات تمخضت عنها في النهاية قرارات حسنت وضع المرأة في المجتمع المغربي، قانونيّا على الأقل، بفضل مدونة الأسرة التي أخذت سنوات لتتبلور. النقاش الذي دار حول حقوق المرأة، عاد يدور الآن حول الحريات الفردية أو الثورة الجنسية، الذي أخرج من فج عميق هيئات حقوقية َمن ججَورجها ودعوتها إلى ممارسة الحب كحركة خارجون على القانون ” وعدم تجريم الممارسات الجنسية خارج إطار الزواج، ودعوتهم إلى إلغاء الفصل 490 من القانون الجنائي المغربي الذي «يجرم الحب» في نظرهم بتجريمه للعلاقات الجنسية خارج إطار الزواج.

وهذا النقاش ليس جديدا ولا يعكس تطورا مدهشا لأن مطلب الحرية الجنسية ظهر كمطلب للحركات اليسارية الراديكالية في أواخر الستينيات والسبعينيات حيث عاش الشبان والشابات المغاربة الثورة الجنسية التي عاشتها البلدان الغربية في تلك المرحلة بعد وقبل أحداث مايو 1968 بفرنسا وخروج 40.000 من الهبيين الأمريكيين إلى Golden Gate Park, San Francisco منادين بـ«السلام والحب». الشباب المغاربة في ذلك الوقت عاشوا هذه الثورة بطريقتهم الخاصة باعتبارها ركنًا أساسيًا للتمرد السياسي والاجتماعي الذي كانوا يتوقون إليه. الذي فككت فيه فكرة الحشمة وعلاقات السلطة والتحكم بحسد المرأة.

ولمقاربة الموضوع بدقة، ومن جميع الجوانب، سنبتدئ بالتطور التاريخي للعلاقات الجنسية خارج إطار مؤسسة الزواج، فمنذ ظهور نظام الزواج، ظلت العلاقة الجنسية الممارسة خارج إطاره إلى يومنا هذا تتعرض لمواقف متغيرة من طرف المجتمعات من حيث القبول والرفض، كما اتخدت أشكالا متعددة من طقوس دينية وعادات اجتماعية ومهن احترافية، فقبل شيوع نظام الزواج في المجتمعات البشرية، كانت الغريزة الجنسية تلبى بين الرجل والمرأة بطريقة حرة لا تخضع لأي تنظيم، وبالتالي تعتبر مشروعة ما دام المجتمع يقبلها، وما أسبغ عليها صفة المشروعية وبقي ما دونها يوصف بعدم المشروعية، هو بروز مؤسسة الزواج وتفضيل ممارسة الحاجة الجنسية في إطاره بين الزوج وزوجته، وحتى من توصف بعدم المشروعية لم تكن محل رفض وعقاب من قبل المجتمعات وفي مختلف العصور، بل عرفت معاملاتها من طرف القوانين والحكام تحولات كبيرة من حيث قبولها إلى درجة تقديسها، أو رفضها إلى درجة تحقيرها وإنزال أشد العقاب بمرتكبيها، ومن حيث إباحتها للرجل دون المرأة أو اقتصار العقاب فقط على من مس بإتيانها الحقوق الزوجية للغير واعتبارها إخلالا بنظام الأسرة أو ما مورس منها دون رضا أحد أطرافها، ولم يكن هذا التحول على درجة من الأهمية بالنسبة لمعاملة الاتصالات الجنسية التي تمارس دون رضا أحد أطرافها وخصوصا المرأة، فقد عاقبت أغلب التشريعات عبر التطور التاريخي على المضاجعة كرها، كما عاقبت على الخيانة الزوجية مع نوع من التمييز بين الرجل والمرأة في بعض القوانين أو المراحل التاريخية.

فالبرجوع إلى بعض الشرائع القديمة، نلاحظ أن العلاقة الجنسية الخارجة عن إطار الزواج التي كانت تسودها العاطفة والإرادة الحرة المتبادلة لم يكن ينظر إليها كمشكلة اجتماعية وبالتالي لا عقاب عليها، إلا إذا تعلق الأمر بالخيانة الزوجية وهنا غالبا ما تعاقب المرأة دون الرجل، فشريعة «اورنمو» 2111 _2003 ق . م لم تتضمن في هذا المجال سوى ثلاثة مواد متعلقة بمعاقبة الزوجة التي أغرت بمفاتنها رجلا آخر فضاجعها أو الرجل الذي أزال بكارة أمة رجل آخر، أو الرجل الذي اتهم زوجة رجل آخر بالزنا، وهذا ما يعني أن ما دون ذلك من الممارسات الجنسية لم يكن محرما.

كما أن ما يستفاد من شريعة «لبث عشتار» يدل على أن الزنا كان مباحا، وأنه كان ينظر إلى الزانية غير المتزوجة نظرة خاصة لأنها أقل من مستوى المرأة العفيفة، ومع ذلك كان هذا القانون يحمي حقوق المرأة الزانية ويصون كيانها، كما كان في نفس الوقت يحافظ على كيان الأسرة وينهى الأزواج عن معاشرة غير زوجاتهم، بالإضافة إلى أن هذا القانون كان يعاقب الرجل الذي ادعى بأن بنت رجل آخر غير متزوجة قد مارست العملية الجنسية (مع رجل ما) وثبت أنها لم تقم بذلك، وهذا لا يعني حسب اتجاه الشريعة أن ممارسة العملية الجنسية من طرف بنت رجل غير متزوجة كان معاقبًا عليه، وإنما يعاقب المدعي بذلك على أساس أن في ادعائه مسا بكرامة بنت الرجل الآخر، مما يجعلها تنضم إلى صنف الزانيات اللواتي ينظر لهن المجتمع نظرة خاصة، وعرفت شريعة «حمورابي» ما كان يعرف آنذاك بالبغاء المقدس، حيث كان الأب ينذر ابنته للإله كعاهر مقدسة تقربا لهذا الإله، كما كانت تعتبر مضاجعة فتيات المعابد نوعا من العبادة أو جزءا منها، ولهذا يرى البعض أن الأصل التاريخي لظاهرة البغاء يرجع لهذه المرحلة، إذا كان رواد المعبد يختمون عباداتهم بمضاجعة إحدى فتيات المعبد مقدمين قطعا نقدية كانت تخصص لخدمة المعبد، ثم أخذ الفتيات يحتفظن بها لجمع مهورهن، ومن هنا بدأ جنس المرأة يقدم للرجل نظير مقابل مادي يدفع لها، تحول على إثره مفهوم الهدف من العلاقة الجنسية، وصار ينحصر فقط في تلبية الرغبة الجنسية كما انحطت معه قيمة البغي بعد أن كانت مقدسة.

ولم تخرج الشرائع الوضعية التي تلت شريعة حمورابي قبل الميلاد عن الخطوط العريضة التي وضعتها هذه الأخيرة في هذا المجال، بل جاءت تعبر عن حرية الممارسات الجنسية بالنسبة للرجل، سواء كان متزوجًا أم لا، على أساس ألا يستعمل إكراها في ذلك أو يضاجع زوجة غيره، في حين حرمت على المرأة المتزوجة إتيان العلاقة الجنسية مع غير زوجها كما قرر لها العقاب بمفردها دون شريكها إذا دعت أو أغرت رجلا على مضاجعتها.

وعلى العموم فإن العلاقة الجنسية الخارجة عن إطار الزواج لم يكن معاقبًا عليها إلا إذا اكتسبت صبغة خاصة، بل كانت بعض المجتمعات تعترف بالمرأة، وتصون حقوقها وتمنع الاعتداء عليها. إلا أنها تميزها عن المرأة الشريفة وتفرض عليها الظهور بصفتها مومس (للعموم) حتى يتم التعرف عليها بسهولة وهذا ما يعتبره البعض تحقيرا لكرامة المرأة.

أما الشريعة الإسلامية فقد اعتبرت حفظ النسل من الضرورات التي لا يقوم أي مجتمع بدونها، واعتبرت الزواج هو الطريق الوحيد لشرعية العلاقة الجنسية، فحثث عليه ومنعت كل اتصال جنسي خارج حدوده حتى لا تستخدم الغرائز الجنسية في غير ما خلقت له، وهو تخليد النسل وصيانة الأنساب، فحرمت الزنا وحددت له عقوبته، كما حرمت الأفعال الماسة بالعرض والأخلاق وتركت تحديد عقوبتها للحكام عن طريق التعزير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد