ينزعج الكثير من موقف الشعوب العربية حيال الاحداث التي تجري في وطنها ولا يدري هؤلاء أن المجتمعات العربية قد كبلت وأحكمت عليها السيطرة فأصبحت كل شرائحها خاضعة خنوعة وحتى النخب التي كانت إشعاع أمل ينير طيفه الطريق إلى الحرية والانعتاق قد استقالت هي أيضًا بسبب ما وقع عليها من الضغط والظلم والقهر.

الشعوب العربية كانت في وقت مضى تصارع الاستعمار لتخرجه من أرضها ظنًا منها أنه بمجرد خروج جيشه سيعيش المواطن العربي سيدًا حرًا يعيش في كنف وطنه ووطنيته وثوابته، لكن سرعان ما توالت الضربات على الشعب المسكين من خائن وعميل ومتآمر، هنا وجد الشعب نفسه قد استنفزت كل قواه لإخراج المستعمر، ولم تبق له جهود لصراعات أخرى فعمر الخونة طويلًا ونخروا في  البلاد والعباد فساد الظلم والمحسوبية والفقر والتخلف حينها تجلت مظاهر حقبة استعمار جديد للشعوب فجيش الشعب نفسه مرة أخرى، لكن ليس للحرب، بل انتفض ليغير حاله ويستبدل قيادته، لكن واجهه من باعوا وطنه بسلاح الحرب في مشهد لم يفعله حتى المستعمر القديم.

 قرر الشعب شحن نفسه من جديد ليقلب الطاولة على الخونة ليحكمه الأصلاء وأصحاب الوطنية الصادقة والثوابت الراسخة صمد في ساحات وحارب بالكلمة والصوت وبصدر عار، فكان له ما أراد، لكن لفترة وجيزة فقط، اصطف الخونة والعملاء مجددًا ومن خلفهم المستعمر القديم في خندق واحد وجمعوا قواهم فنفخوا في تلك الشعوب بعبع الخوف والخنوع من جديد وطوقو الخناق، فاستسلم الشعب واستبسل الخونة فكان لهم ما طمحوا إليه فعلًا.

أبعد هذا كله تسألني لماذا استقال الشعب؟

بقي الشعب يتفرج على المشهد المروع الذي آلت إليه الأوضاع فقد ازدادت سوءًا وقسوة أكثر من السابق جعلته يندم أحيانًا على إخراجه لمستعمره القديم ويندم حتى على انتفضاته في وجه المستعمر الجديد فلعل كلمة الاستعمار تبرر أحواله ونمط عيشه، لكن أن يعيش في وطنه وأعلامه مرفوعة وخطاباته معربة، لكن لا تزال مظاهر الاستعباد كما تركها أجداده لم تتغير فسجونه مملوءة وسلاح جيشه موجه اليه وقيمه منحطة ودينه محارب وحريته مسلوبة وليته مستعمر باسم جديد وعلم جديد ولغة جديدة.

استعمر الشعب بعلمه ولغته ودينه وحضارته فمكوناته الأساسية هي من استعمرته مجددًا بعدما خلقوا دينًا جديدًا لا يغير من شأن العامة حنطوه في دور العبادة وفقط وبحضارة تستعمل في المناسابات والأعياد، وليس سلوكًا يوميًا، الذين حكموه أرادوا له دينًا كما يحلو لهم هم، وترك الاسم نفسه رفرف العلم في مقراتهم هم وصبغوا أنفسهم بالوطنية، وليس ممسوحًا لك أن تستعمل الوطن فهو حكر لهم، جددوا الحضارة كما ادعوا هم بما يلائم هواهم ويرضي غيرهم ويبقي حكمهم.

فلا اقتصاد بنوه، ولا سياسة حكموها، ولا أمنًا وفروه فما جنى الشعب منهم إلا التعاسة والفقر والذل والانتكاسة.

خفض الشعب العربي في مطالبه وأراد واحدة فقط مما يتمتع به غيره من الشعوب، فلم يكن له حتى نصفها. أراد معيشة فاخرة تقابلها تبعية للغير وبيع للقيم والثوابت والمواقف فلم تكن له حضارة عربية قوية وعلوم مزدهرة يقابلها فقر وحكم دكتاتوري، فلم يكن ذلك حكم راشد وديمقراطي يقابله اقتصاد ضعيف وعلاقات هشة وموقع دولي ليس بمؤثر.

حريات مطلقة واحترام لدين الشعب وأعرافه وتطبيق لحضارته يقابله كل ما هو سيئ، فلم تعط له، فقال الشعب أعطوني واحدة فقط، ولكم ما تبقى ولو نصفها لم يعطوه شيئًا وأخذوا منه كل شيء.

فهل سيشحن الشعب طاقته من جديد؟ أم ينتظر جيلًا جديدًا قد يفهم ما طمح إليه أجداده، فيقلب الطاولة مرة أخرى؟

وهل ستبقى الطاولة تقلب وتقلب حتى تنكسر وينكسر معها وطن، وتحطم أمة، وتهجر نخب، وتموت ضمائر، هي الآن في الإنعاش تعيش أو لا تعيش، مصيرها معلق بجيل جديد وشعب جديد.

مات الشعب وياليته بقي مستقيلًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد