أحيانًا لا يكون التعامل مع فكرة ما باستخدامها والاستفادة من نتائجها دون التنبه لأساسها النظري ناتجًا عن كونها فكرة منبوذة، ولكن يكون ناتجًا عن كونها فكرة منسية، وربما هذا ينطبق بصورة كبيرة على الفكرة التي كان قد طرحها محمد أحمد خلف الله عن إمكان التعامل مع القصص القرآني باعتباره قصصًا يتعلق بحياة النبي محمد، وليس بوقائع تاريخية وقعت لأنبياء سابقين، فهذه الفكرة تفتح أمامنا مصدرًا شديد الغنى لتأريخ سيرة النبي محمد وحركة الدعوة الإسلامية وتفاعلها مع الواقع الاجتماعي والعقدي، وتخرجنا من الخلافات الشهيرة حول موثوقية السيرة النبوية في التأريخ للنبي محمد أو لدعوته، وهي الخلافات التي تتحرك من القبول الكامل تقريبًا لما ورد من أحاديث صحيحة حول سيرته إلى الرفض الكامل لكل ما ورد، وإعلان استحالة كتابة بيلوغرافيا نبوية كما تقول جاكلين الشابي، وبينهما الحذر تجاه معظم الروايات والتأريخ للنبي عبر القرآن.

 

غنى هذا المصدر وموثوقيته – أي قصص الأنبياء مقروءة كقصة محمدية- التي تفتح الباب له فكرة خلف الله هو الذي يدفع ببعض الباحثين لاستخدام القصص القرآني في سبيل سد ثغرات أطروحاتهم، ورغم عدم إشارتهم إلى الفكرة المنسية التي تؤسس نظريًّا لهذا الاستخدام منهم للقصص، إلا أن النتائج التي يتوصل لها هؤلاء جراء استخدامها على استحياء يدل على مدى نجاعة هذه الفكرة وجدارتها بالتأمل وتحريرها من النسيان.

كي يعالج الباحث محمد الحاج سالم قلة المصادر التي يستطيع من خلالها اختبار أطروحته حول الميسر الجاهلي وما يرتبط بها من أطروحات حول طبيعة الدين الجاهلي وطبيعة التقويم وطبيعة المجتمع، فإنه يتجه صوب الخطابين الشعري والأسطوري، والذي يرى فيهما “لا فقط السبيل الوحيد المتوفر حاليًا لرسم صورة أقرب ما تكون من تصورات الجاهليين حول اجتماعهم ودينهم وسلكوها الاقتصادي والسياسي، بل لكونهما خطابًا لغويًّا رمزيًّا غير مباشر ذا صلة بالمقدس، فهما الخطابان الصالحان للتعبير عن الوحدة بين الإنسان والطبيعة والكون”، وعبر اللجوء لهذين الخطابين إلى جانب التحليل الفيلولوجي الدقيق للغة العربية التي يعتبرها مصدرًا هامًا لتصورات العربي الجاهلي عن الإسلام، يتوصل الحاج سالم لتدليل معقول إلى حد كبير لأطروحته المركزية وما تقوم عليه من أطروحات جزئية، وهو يلجأ للنص القرآني لتتبع مراحل تعامل القرآن مع الميسر وإحلاله التدريجي لمنظومة الزكاة محلها، لكن خلال هذا التتبع ينكشف للحاج سالم كون قصة النبي صالح قد تكون مفتاحًا جيدًا جدًّا لربط بعض تفاصيل تعامل الإسلام مع الميسر الواردة مشذرة في مصدريه الرئيسين، فوقائع مثل كون الأسطورة الجاهلية المؤسسة للميسر تقوم على عهد بين عمالقة ثمود والنبي لقمان، وارتباط تحريم القرآن للميسر بتحريم النوق السوائب، فضلاً عن بعض تفاصيل قصة غزوة تبوك المضمنة البحث عن ناقة النبي التائهة والمتضمنة أيضًا رفض الاستمطار، تدفعه للتساؤل ألا تشكل هذه الوقائع المتناثرة كلها نفس وقائع قصة صالح المذكورة في القرآن؟!

 

لا ينفي الحاج سالم هذا التشابه، بل إنه يستغله لربط هذه الوقائع التي استقاها من الخطابين الشعري والأسطوري والدفع بها لتأكيد أطروحته، بالطبع هو لا يعتبر قصة صالح مجازًا أو رمزًا لقصة يعيشها النبي محمد نفسه في مواجهة الميسر وطقوس القمر، بل يعتبر أن هناك تشابهًا بين حياة النبيين صالح ومحمد لوجودهما في نفس الموضع في مواجهة الميسر وعبادة القمر، وبالتالي يستفيد من ذكر تآمر التسع الرهط على صالح كون قريش تحكمها مثل ثمود تسع رهط، وهو ما يؤكد فرضيته حول تحديد عدد اللاعبين في طقس الميسر، لكن هذه النتيجة التي يتوصل لها الحاج سالم لا تفعل سوى تأكيد أن النبي صالح لم يكن سوى النبي محمد، ولم يكن التسع الرهط سوى متآمرين عليه هو، ولم تكن سقيا الناقة ونحرها سوى مواجهته هو للميسر الجاهلي، وبهذا فالحاج سالم لم يقتصر لتأكيد أطروحته على مصدريه اللذين تحدث عنهما، بل استخدم قصة النبي صالح أيضًا كمصدر لكن باعتبارها تحمل تشابهًا، لا تشبيهًا أو ترميزًا.

فرضية الحاج سالم تنتظم مع فرضيات أخرى مثل فرضية الصديق حول كون الدين الإسلامي دين انتقال من القبلية واللقاحية إلى الدولة عند الأول، وانتقال من البدو إلى المدينة عن الثاني، وهذه الفرضية عن لا بدوية الإسلام تواجه فرضية شلحت الشهيرة حول بقاء الجانب البدوي بقوة داخل الإسلام، لا في قضية التشريع الاجتماعي فحسب، بل أيضًا في “بنى المقدس” كما هو عنوان أحد كتبه.

 

لكي يثبت أيضًا التونسي يوسف الصديق فرضيته حول الانتقال من البدوية للمدنية فإنه لا يلجأ للأحاديث الواردة حول كراهية البدو والتي أثار كثيرون الشك حولها، بل يلجأ كذلك لقصة قرآنية، فهو يلجأ لقصة النبي يوسف، ويلتقط هذا الربط القرآني بين البدو والسجن “وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْو”.

 

ليلفت النظر لكون البدوية مرفوضة من الإسلام الناشئ، والغريب أن هناك بابًا كبيرًا ينفتح بمجرد الانتباه لفرضية الحاج سالم أثناء قراءة سورة يوسف من منطلق نظرة المفكر التونسي، حيث ربط الحاج سالم بين القبلية واللقاحية وطقوس عبادة القمر والنجوم، وهي ما تفسر لنا لماذا كانت الصورة المتحدثة عن الإخراج من البدو/ السجن تبدأ برؤيا سجود القمر والشمس، ألا تشبه رؤيا يوسف هذه رؤى النبي محمد نفسه التي كانت أول ما بدء به من الوحي، رؤى انشقاق الشمس وسقوط النجم المثبتة في سور التكوير والنجم والانشقاق؟!

في كتابه “الإسلام والتحليل النفسي” يشير فتحي بن سلامة وهو الأكثر تأهيلاً لمتابعة أطروحة خلف الله من الصديق أو الحاج سالم بحكم منهجه بالذات، إلى ضرورة التنبه للتشابه بين شخصية النبي محمد وشخصية العذراء مريم في وضعية كل منهما كمتلقي للكلمة، “المسيح مع مريم والقرآن مع محمد”، لكن الغريب أن فتحي لا يمضي أبعد من هذه الإشارة شديدة البراعة والتي قد تعطينا الكثير من الفهم لما شعر به النبي في مواجهته الأولى للوحي، فمريم يصنفها كريكجارد مع فرسان الإيمان كإبراهيم، وهي مرتبة تعلو في مأساويتها على مرتبة بطل المآسي الإغريقية، حيث يتفرد فارس الإيمان بحتمية الصمت وعدم القدرة على الشرح، فإذا كان المجتمع اليوناني قادرًا على فهم مهمة أجامنون قتل ابنته أفيجينا فهذا راجع لمشاركة المجتمع أجامنون نفس القيم الكلية الحاكمة، لكن كيف يفهم الناس امرأة تقول أن لها ولدًا بلا أب؟

هذه المأساة التي تحياها مريم في إفهام الناس منطق الله فوق الأخلاقي، قد تكون هي مبرر – من بين مبررات أخرى- لتكرار قصتها التي تشبه كثيرًا قصة النبي محمد في القرآن، فبين قوم قرروا نفي أي اتصال فردي بآلهتهم من أجل تفريغ الزعامات من أي سلطة تنهي لقاحية المجتمع نحو سلطة كاريزمية كما يقول الحاج سالم في دراسته السالفة الذكر، كيف يمكن لرجل أن يخبرهم أن الله اصطفاه هو بالذات ليخبره بحقيقة العالم والمصير ويملأ بالوحي فراغ الزعامة؟

 

على الطريقة الكانطية، كان السؤال الذي يواجه محمدًا هو كيف يكون الوحي ممكنًا “في مجتمع بلا وحي أو ما يؤسسه”؟!

 

أليس ما يرصده الجابري من انتقال القرآن من مرحلة يصف نفسه فيها بالذكر والحديث إلى مرحلة يتحول فيها لكتاب مثل التوراة والإنجيل – والذي يرجعه البعض بضحالة لمواءمات سياسية هدفها كسب ود يهود المدينة- ممكن إرجاعه لمحاولة جعل الوحي ممكنًا عن طريق الانتظام في إطار الدين التوحيدي ونظم العرب جميعهم في سلسلة أبناء إسماعيل؟ أليس في هذا ما يحل إشكال الصمت المريمي الذي يواجه مصير النبي محمد؟!
ليست هذه سوى إطلالة سريعة على ما تعد به هذه النظرة من إمكانات لتكوين وعي بالسياق الاجتماعي والديني لتطور الإسلام “الحاج سالم ويوسف الصديق” وبأدق مراحل معاينة النبي للنبوة “فتحي بن سلامة” وتطور البعد العقدي للدين الناشئ، وهي نظرة تعد بأكثر من هذا في سبيل تحرير كثير من منسيات السيرة النبوية، وربما استخدامها من قبل من ذكرنا على استحياء ودون إشارة لأصل الفكرة النظري المرتبط بأنها لم تأخذ بعد ما يكفيها من تأسيس نظري واضح المعالم، وهو ما نرجو القيام حتى بأول لبناته في مقال قادم يخرج هذه الفكرة من حيز النسيان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد