ربما تأخرت كثيرًا في الكتابة عن بورخيس، قاص وشاعر وناقد من أهم الذين حملوا الحركة الأدبية اللاتينية في عصره، والذي يتردد ذكر أنه لم يحب رواية طوال حياته سوى رواية جابريل جارثيا ماركيز «100 عام من العزلة»، هذا الديوان هو ديوان مُجمع بعض القصائد فيه، والقصائد الأخرى كُتبت أثناء إعداده، ولم يذكر ماهية تلك أو الأخرى، ولكن يُمكن معرفتها بالتدقيق في اختلاف النظم واحترافية تكوين الصور، أصدره بورخيس بعد أن أعلن في احتفاله بمروره عامه السبعين، وفقًا لمُقدمة المترجم -عن نسخة المركز القومي للترجمة- يضم كتاب «في مديح الظل» نثر بورخيس وشعره بين عامي 1967 و1969.

في المقدمة يشرح المترجم أن لبورخيس نظرته حول ما قدمه طوال سنواته السبعين من أثر أدبي، ويتحدث أيضًا عن تجربة العمى، وما يراه من درجات الألوان، إذ يقول: «ما زلت قادرًا على تبين بعض الألوان، وهناك لون لم يخني هو اللون الأصفر»، موضحًا أن اللون الأسود هو لون صعب الرؤية، ولصعوبة رؤية اللون الأسود بالتحديد صرح بورخيس: «لفقد البصر مزاياه؛ فأنا أدين له بأشياء كثيرة، وبكتابة مجلد آخر عنونته بنحو من الزيف ونحو من الزهو: «مديح الظل».

يُقدم بورخيس الديوان بوصف حياته التي أنفقها في سبيل الأدب، ويستعين بعبارة ويتمان «الآن، في السبعين من عمري» – ويكملها– «أدفع إلى المطبعة بهذا الديوان الخامس»، ويبدأ بورخيس سرد تفاصيل نشر هذا الديوان، إذ بدأ باقتراح الناشر – كارلوس فريياس– بأن يصنع مقدمة الديوان بيانًا بأسلوب شعري، ولكن بورخيس يوضح سبب رفضه هذه الفكرة، ويعود لسرد مسيرته الأدبية، فيقول:

«ليس لي أسلوب شعري، لكن الزمن علمني بعض الحيل منها: تجنب المترادفات، التي يعيبها الإيحاء باختلافات متخيلة؛ وتفادي التعابير الإسبانية والأرجنتينية والقديم والغريب منها؛ وتفضيل الألفاظ المألوفة المثيرة للدهشة؛ وتضمين ملامح عارضة راح القارئ يطلبها الآن في قصصي؛ والتظاهر بشكوك صغيرة؛ لأن الواقع إذا كان محددًا فإن الذاكرة ليست كذلك؛ وسرد الأحداث كأنني لا أفهمها تمام الفهم (هذا تعلمته من كيبلينغ ومن أساطير أيسلندا)؛ وتذكر أن القواعد السابقة ليست ملزمة، وأن الزمن كفيل بإلغائها. هذه الحيل أو العادات في الواقع لا تقيم أسلوبًا، فضلًا عن أني لا أعتقد في وجود أساليب، فهي في الأعم لا تعدو كونها تجريدًا بلا نفع، إذ تختلف من كاتب إلى آخر، بل من نص إلى آخر، وليس في وسعها أن تكون إلا محفزات أو أدوات عارضة».

من بعد تلك التوضيحات بما يخص المقدمة واقتراح الناشر، يشرع بورخيس في شرح تفاصيل متعلقة بسائر الديوان، الذي أعتقد أنه يجب منذ هذه اللحظة التدقيق في ثناياه وعرضه في تسلسل.

بدأ النص بقصيدة «يوحنا 1-14»، وينتهي بقصيدة «الحدود»، ومقال بعنوان «عود على بدء»، للعلم النص الذي وضعه بورخيس بنفسه ينتهي بنص «الحدود»، أما المقال لا أعلم صراحةً هل كتبه المترجم أم كتبه الناشر الأصلي للنسخة الإسبانية، لكن أُرجح أن من كتب هذه الخاتمة هو المترجم محمد أبو العطا، ولكي يتأكد القارئ من هذه المسألة يمكنه قراءة نسخة ترجمة المركز القومي للترجمة، من ثم يقارنها بأي ترجمة أخرى.

يتكون الكتاب من 40 نصًّا، سبعة مقالات، و32 قصيدة، ونص مكون من مقال وأبيات شعرية، مع الأخذ في الاعتبار أن أحد المقالات السبعة الأولى نص مرتب ومُرقم كأحد الاقتباسات من سفر مزيف، ومن هنا يُمكن تقسيم الكتاب إلى أن أعمال بورخيس كانت في سياق بعض المسائل، وهي ما سأناقشه في الفقرات التالية.

أول المسائل هي الدين، لكون بورخيس إنسانًا محافظًا كاثوليكيًّا، نجد أن أسلوبه يميل في كثير من الأحيان إلى الاستعانة بالإنجيل؛ لكي يصنع صوره الخيالية القائمة في النصوص، بل ورد في الكتاب ثلاث قصائد بالعناوين الآتية «إلى إسرائيل، إسرائيل، إسرائيل 1969»، وفي تلك النصوص سيلاحظ القارئ أن بورخيس يدعم قيام دولة إسرائيل، ويراه حقًّا لهم من منظور ديني بحت.

ثاني المسائل، هي أن بورخيس تأثر بالأسطورة في مسيرته الأدبية، ونجده في أحد النصوص الذي أسماه «هيراكليتوس» يستعين في وصفه بالإشارة إلى الإغريقي هيراكليتوس الذي استخدمه أفلاطون في نظريته «النسبية»، دون التدخل في تفاصيل كثيرة فيما يخص قضايا أفلاطون –إذ إنها لا تهمني الآن في المقال لسنا في معرك من يعلم أكثر ها هنا– ولكن يبدو أن بورخيس يستخدم الأسطورة لكي يسقط بها الصور التي يأملها من قصائده، وستتجدد في أوصاف كثيرة تجددًا لحظيًّا في النصوص، بينما في هذه القصيدة تتجلى هذه المسألة.

ثالث المسائل هي مناقشة بورخيس الآخرين في النصوص التي يكتبها، هناك نصوص يخاطب فيها كُتاب كثيرين، جيمس جويس مثال لديه في تلك العادة لدى بورخيس في هذا النص مرتين، وفي سائر ما قرأته لبورخيس ورد اسم جيمس جويس أكثر من خمس مرات، في المقدمة يذكر بورخيس مقارنة بين المجتمعات الكاثوليكية التي منها بورخيس، والمجتمعات البروتستانتية التي منها روبرت لويس ستيفنسون عبر عرض رأي ستيفنسون في مسألة الأخلاق، مما يوضح مدى اتصال بورخيس بالآخرين في الحياة والكتابات.

رابع المسائل أن أدب بورخيس يناقش المدن، ويرى أن لكل مدينة نمطًا أدبيًّا ما، وفي بعض الأحيان تظهر تلك المسألة في المقارنة بين النصوص التالية «كمبريدج، نيو إنجلاند 1967، إلى إسرائيل، إسرائيل، إسرائيل 1969، بوينس أيرس»، لكل مدينة طريقة للسرد، ولإرسال ما يوده بورخيس من خلال الصور، والمسألة المقصودة أن بورخيس يحاول رصد المدن بشيء من ثقافته الخاصة، وثقافة تلك المدن تتجلى في الصورة التي يكونها في شعره.

خامس المسائل التي نرصدها في هذا المقال عبر هذا النص، أن بورخيس قريب بطريقة ما لمنهجية إرنست همنجواي المُعتمد على الاقتصاد في التعبير، والاعتماد على تقديم الأفكار في أقل عدد ممكن من الكلمات، حذف ما هو إضافي والاكتفاء بما هو ضروري لتوضيح الأفكار، يصبح النص عند كليهما محكمًا بعدد معقول ومضبوط من الكلمات، وهذه المسألة يوضحها العمل كله مجموعًا، حينما يسقط نص يسقط في الأساس من الفكرة وليس الصياغة.

ومن خلال المسائل الخمس، وعرض النص، أود أن أوضح بعض النقاط للقارئ العربي:

أول ما أود توضيحه أنني حينما قلتُ سأقدم نص «في مديح الظل» نصحني الكثير بألا أفعل هذا؛ نظرًا لمسألة تأييد إسرائيل، أقول صراحةً إن حرية فلسطين لا علاقة لها بالرأي، وأن فلسطين لا تنتظر رأيي الشخصي أو رأي القارئ أو رأي بورخيس، بل تنتظر العمل السياسي الحقيقي الذي يسعى إلى حق المواطن في جميع الأراضي كاملة، وليس القدس فقط كما يفعل القوميون والإسلاميون حين عرض القضية.

ثاني ما أود توضيحه أن علينا أن نعترف أن كل قضية نؤيدها لديها معارض ما، وعلينا أن ندرس هذا المعارض، أن نعلم كل ما يعرفه علمًا حقيقيًّا وعمليًّا، بالقراءة ودراسة ما يعتمد عليه في معارضة أفكارنا وقضايانا التي نقف في صفها ونعمل عليها، لا يمكننا أن نقاتل عدوًّا لا نراه، عدوًّا لا نعرف اسمه، عدوًّا لا نعلم عن تاريخه شيئًا، يجب أن نقرأ ما نحب وما نكره، حتى نعلم علمًا فعليًّا وحقيقيًّا وعقلانيًّا ما نحب وما نكره!

ثالث ما أود توضيحه، لا أحد من أي صف في جميع القضايا يستطيع صراحةً أن يثبت أن صفه لديه الحق المطلق في أن يقر كيف تدور الحياة، لا أحد يملك المعرفة الحقيقية ليقول ما الصواب الذي لا خدش فيه، الشيء الوحيد الذي يملك إجابة مطلقة –في حدود نظرنا– هي التجربة العملية، تُعد القراءة تجربة عملية فيما يخص الأفكار.

من الثلاث نقاط، من الخمس مسائل، وظروف هذا النص، أقول للقارئ العربي عليك أن تقرأ جيدًا هذا النص.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد