لآل المقداد في حوران باع طويل في العِلم والقيادة، وقد أنجبت هذه العائلة العديد من الرجالات التي كان لها تأثير على مستوى بلاد الشام كاملة، ومن هذه الشخصيات التي قدمت الكثير في خدمة وطنها وإسلامها، العلامة الكبير شيخ الشافعية الشيخ أحمد، وأما عن نسبه فهو أحمد بن بدر بن منصور بن قاسم بن منصور المنصور علي الأشقر المقداد، والذي ينتهي بنسبه إلى الصحابي الجليل المقداد بن عمرو.

وقد أتت العديد من الكتب على ترجمة أعمال الشيخ وأفضاله، وذكر بعض مما جاءت به المصادر وما توصلنا إليه عبر التواصل مع أقاربه.

ولد الشيخ أحمد في مدينة بصرى الشام الأثرية التاريخية سنة 1904م، الموافق 1322هـ، وعاش فيها يتيم الأب فتولى رعايته جده من أبيه، وعند وفاة جده تولى رعايته عمه شقيق والده، الذي نقله إلى إحدى الكتاتيب في بصرى الشام. وعند بلوغه السادسة من عمره انتقل إلى المدرسة الابتدائية، وكان موضع محبة لمدرسيه ونبغ بين زملائه لذكائه وتفوقه وسعيه في طلب العلم.

تزوج من ابنة عمه في العشرين من عمره، وفي عام 1935 غادر بلدته متوجها إلى دمشق لطلب العلم الشرعي، وفور وصوله التحق بحلقة الشيخ العلامة علي الدقر الذي كان يقيمها في مسجد السادات قرب باب الجابية، فتفرغ لطلب العلم ودراسة العلوم الشرعية كالفقه، والحديث، والتفسير، والتوحيد، والنحو.

قال عن نفسه في حادثة مميزة عن حبه وسعيه منقطع النظير في حبه للعلوم الشرعية: «كنت أفضل المطالعة ليلًا، حين يحل الهدوء والجو الملائم، وقد صدف أن أوى زملائي للنوم في غرفهم المخصصة في جامع السادات، فرأيت ذلك فرصة لقراءة كتاب فقهي في العبادات والمعاملات، فوقفت تحت قنديل كهربائي على قدمي وأخذت أقرأ صفحاته صفحة صفحة، ولم ينبهني إلا صوت المؤذن يدعو لصلاة الفجر، ومن حسن حظي أنني كنت قد أنهيت قراءة الكتاب كاملًا».

وقد استطاع أن يلم بعدد من العلوم الشرعية، وأن يتفوق خاصة بالفقه الشافعي، فتنبه أستاذه الشيخ علي الدقر إلى تفوقه في الفقه الشافعي فطلب إليه تدريس هذه المادة في معهد العلوم الشرعية للجمعية الغراء، ثم انتقل إلى مدرسة تنكز في شارع النصر.

وأخذ الشيخ مقرًا له في مدرسة العداس في حي القنوات الذي كان بتولى فيه عقد الحلق العلمية ليلًا للراغبين في المزيد من العلوم الشرعية، وقد سره شيخه الجليل بما يبديه من سهر ونشاط، ومن استيعاب لمادة الفقه الشافعي.

وأما عن لقب الشافعي الصغير وشيخ الشافعية فقد نال هذا اللقب أول مرة من شيخه الدقر، لأنه كان الأفضل في تدريس الفقه الشافعي وقد قضى في دراسته ليالي، ولتبحره في هذا الفقه وغزارة علمه وكثرة اطلاعه واستحضاره للفقه، كأن كتب فقه الشافعي بين يديه لا تفارقه أية لحظة، فقد علم هذا الفقه خفيه وظاهره، وعامّه وخاصّه، فاستحق هذا اللقب.

عمل في تدريس الفقه الشافعي لمدة 35 سنة وعلم الكثير من أبناء دمشق وسوريا، وكان يتلقى الأسئلة الشرعية للإجابة عنها، وقد كان يقضي فترة الصيف في كل عام بين أهله وبلدته، وما أن يحل في بصرى وحوران حتى ينهال عليه الناس ليطرحوا عليه خلافاتهم وقضاياهم في الإرث والمعاملات فيتولى حلها، وقد كانت قضايا الناس تخف عندما يقبل الشيخ إلى بصرى وحوران، فقد كان مرجع من مراجع حوران وبلدته بصرى الشام والتي كانت تسمى بصرى اسكي شام.

قام في سنواته الأخيرة بتأليف كتاب «في فلسفة التشريع الأسلامي»، وللأسف لم يقم بطبعه فقد وافته المنية وانتقل إلى دار الحق، كما فقد الكتاب بعد وفاته في ظروف غامضة ومجهولة، فلم يوجد الكتاب بعد وفاته حتى مع البحث الطويل عنه، لذا لم يتسنّ توثيقه وإتمام ما بدأ به الشيخ رحمه الله.

تولى تدريس الإمامة والخطابة في عدة مساجد في دمشق، مثل مسجد سنان باشا، وكانت آخر خطبة له في عيد الفطر المبارك 1963م، الموافق  1383هـ،  وتوفي بعد صلاة العصر، فنقل أبناءه جثمانه إلى مسقط رأسه في بصرى الشام، حيث حضر جنازته علماء دمشق وطلابه، وألقيت كلمات في فضله وعلمه، وقال عنه العلامة الشيخ عبدالكريم الرفاعي حين علم بوفاته: «رحم الله الشيخ البصراوي فقد كان شيخ الشافعية».

أنجب الشيخ رحمه الله ثلاثة أبناء، وهم: محمد، وبدر، وفهد. هكذا انتهت سيرة شيخ وإمام من أئمة الشافعية في الشام رحمه الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد