فيما سبق تكلمنا عن كلام المهندس محمد شحرور حول علم الله – تعالى – حيث زعم أن الله لا يعلم بالتحديد ما يختاره العبد في المستقبل، وهنا نريد على عجالة من أمرنا أن نذكر بعض أوجه الفرق بين علم الله – تعالى – وعلم الإنسان في النقاط الآتية:

أولًا: علم الله –تعالى- غير مسبوقٍ بجهل، وعلم الإنسان مسبوق بجهل، قال – تعالى – (وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) سورة النحل:78.

ثانيًا: علم الله – تعالى – لا يلحقه جهل، أما علم الإنسان فيلحقه جهلٌ، قال – تعالى – (وَاللّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) سورة النحل:70.

ثالثًا: علم الله – تعالى – لا يعتريه نسيانٌ – قال تعالى – (لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى) سورة طه:52، ( وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا)سورة مريم:64، أما علم الإنسان فيعتريه النسيان.

رابعًا: علم الله – تعالى – كامل، وعلم الإنسان ناقصٌ غير كامل.

خامسًا: علم الله –تعالى- واسعٌ غيرُ مُتَنَاهٍ، قال – تعالى – (وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا)سورة الأنعام:80، (وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا)سورة الأعراف:89، (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا)سورة غافر:7، (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا)سورة الطلاق:12.

سادسًا: علم الله – تعالى – ذاتي غير مكتسب، وعلم الإنسان مكتسب اكتشافي، فمثلًا كان قانون الجاذبية موجودًا في الكون، وكنا جاهلين به إلى أنْ اكتشفه إسحاق نيوتن، وقانون أرخميدس كان موجودًا قبل أرشميدس، وكنا جاهلين به حتى جاء أرشميدس واكتشفه.

سابعًا: علم الله – تعالى – يتعلق بالموجودات والمعدومات، أما علم الإنسان فلا يتعلق إلا بقليل من الجزئيات.

ثامنًا: علم الله – تعالى – فوق كل العلوم وليس فوقه علمٌ، أما علم الإنسان فهو تحت علم الله، ثم إنه لا يوجد إنسان يكون علمُه فوقَ علم الآخرين في كل شيء، بل قد يفوق الآخرين في شيء، ويفوقه الآخرون في مليارات الأشياء.

تاسعًا: علم الله – تعالى – لا يتغير ولا يخطئ، أما علم الإنسان فيتغير ويخطئ.

عاشرًا: علم الله – تعالى – لا يتفاوت ولا يتأثر بالبعد والقرب المكانيين والزمانيين، وعلمه بكل شيء سواءٌ، صَغُرَ ذلك الشيءُ أو كَبُرَ، بَعُدَ أو قَرُبَ.

أما علمنا فيتفاوت ويختلف زمانيًا ومكانيًا، فعلمي بوجودي ليس كعلمي بوجود من سبقني، ولا كعلمي بوجود من يأتي من بعدي، وعلمي بالكبير ليس كعلمي بالصغير، وعلمي بالقريب ليس كعلمي بالبعيد، والقريب مني جدًا أو البعيد عني لا أراه.

ثم إن جهلنا يزداد وعلمنا ينقص باستمرار، ومع كل اكتشاف يزداد جهلنا.

حادي عشر: علم الله تعالى لا يقسم إلى غيب وشهادة، فكل شيء عنده شهادة، فهو يعلم ما كان وما لم يكن، يكون بعد ذلك أو لا يكون،أما الآيات التي فيها عالم الغيب والشهادة فهي بالنسبة لنا، أي ما يكون لنا غيبًا فهو عند الله شهادة.

ثاني عشر: إن مصدر علم الكل هو الله – تعالى – فكل ما علمناه ونعلمه هو من الله عزَّ وجلّ.

ثالث عشر: الله – تعالى – عالمٌ بالجزئيات عِلْمَهُ بالكليات، فهو يعلم كلَّ شيءٍ عن كل شيء، ونحن لا نعلم كلَّ شيء عن شيء، ولا شيئا عن كل شيء، قال تعالى (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء).

ولبيان ذلك أقول: بأنه لو اجتمع الإنس والجن على أن يحيطوا بشعرة واحدة من رأس أحدنا معرفةً وعلمًا، لما استطاعوا؛ لأن الشعرة الواحدة قد خلقت من مواد متنوعة من الجسد، ولو أخذنا مادة واحدة منها كالحليب مثلًا، لسألنا: أين كان الحليب؟ فتقول: خرج الحليب مِن ضِرع بقرةٍ ما، فنسأل من أي شيء خُلِقَ الحليبُ؟ فتقول: من مواد مختلفة، منها العشب، فنسأل: مم خلق العشب؟ فتقول: من التراب وما فيه من مواد، فنسأل: تلكم المواد مم تكونت؟ فتقول: من بقية أجساد الموتى من الإنسان والحيوان مع مواد أخرى، ثم كانت تلك الأجساد والمواد مخلوقة من مواد أخرى وهكذا تستمر الأسئلة من غير حصول على تحديد جواب شافٍ كاف، لأن في شعرة رأس أحدنا بقايا أجساد موتى من الطالحين والصالحين والحيوانات والطيور والنباتات والمواد الأخرى.

ولله درُّ سيدنا علي – رضي الله عنه – وقد نظر إلى قدح ماءٍ وقال: كمْ فيكِ مِنْ خَدٍّ أسيلٍ وَطَرفٍ كحيلٍ.

ومنه استفاد المعري والخيام فلسفتهما:

قال المعري: خفِّف الوَطءَ ما أظنُّ أديم الأرض إلا من هذه الأجسادِ

وقال عمر الخيام:

رأيت خزّافًا رَحاهُ تَدور … يَجِدُّ في صَوغِ دِنَانِ الخُمور

كأنهُ يَخلِطُ في طينها … جمجمةَ الشاهِ بساق الفقير

وقال في موطن آخر:

مررتُ بالخزّاف في ضحوةٍ … يصوغُ كوبَ الخمَر مِن طينةٍ

أوسعَها دعًّا فقاَلت لهُ … هل أقفرَتْ نَفسُكَ مِن رحمةٍ

وقال:

رَأَيْتُ فِي السُّوْقِ خَزَّافًا غَدَا دَئِبًا … يَدُوْسُ فِي الطِّيْنِ رَكْلًا غَيْرَ ذِي حَذَرِ

وَالطِّيْنُ يَدْعُوْ لِسَانُ الْحَالِ مِنْهُ أَلاَ … قَدْ كُنْتُ مِثْلَكَ فَارْفِقْ بِي وَلاَ تَجُرِ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد