اعلم أن رحيل محمد شحرور إلى دار البقاء لم يكن رحيلًا عاديًّا؛ ذلك أن حياته وما تبناه خلالها من أفكار لم تكن عادية، بل ادعى من الأفكار ما يصادم الوجدان قدر مصادمتها للعقل، لكن هذا لن يجرنا إلى محاكمته أو الانسياق مع الموجة التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي، إذ إن الرجل ذهب إلى أعدل محكمة على الإطلاق، إضافة إلى أن مفاتيح الجنة والنار ليست في حوزتنا، ولم يكن يومًا من اختصاص أحد الجزم في مصير أي كان، إلا ما جاءنا عن طريق الوحي وعلى لسان قدوتنا محمد، صلى الله عليه وسلم. لكن، بما أن الرجل عُرف في حياته بالدعوة إلى تقديم تفسير جديد للنصوص الدينية مخالفًا بذلك ما عليه غالبية أئمة وعلماء الشريعة، فإنه كان سببًا لخلق جدال قبل موته وبعدها، وليس الشخص الأول من يخلق هذا النوع من الجدل، بل سبقه كثير على رأسهم د. محمد عابد الجابري، ومحمد أركون.

شخصيًا، تعرفت إلى بعض أفكاره عندما كنت تلميذًا في السنة الأولى بكالوريا سنة 2002، وأنا أعد بحثًا حول «خلق الإنسان»، وبالمناسبة فهو من مناصري نظرية التطور وقد حاول جاهدًا تفسير آيات الخلق بما يناسب نظرية التطور كما أخذ بها داروين.

تفاعلًا مع ما سال من المداد بعد إعلان خبر وفاة هذا الباحث المثير للجدل، أحببت المساهمة بدوري في هذا النقاش بعيدًا عن أي محاكمة للرجل أو لمناصريه أو مخالفيه، محاولًا قدر الإمكان مناقشة الأفكار ومنهج الدفاع عنها للمساهمة في خلق حوار سليم يستطيع إيصالنا إلى الحقيقة، أو على الأقل الاقتراب منها، حتى إن انتهينا من بناء الحوار على أفضل الأسس استطعنا تقليص فجوة الخلاف، بل القضاء على كل الأساليب التي تنمي فينا قيم اللاتعاون واللاتعارف.

لقد استقر الأمر عند غالبية الحداثيين في أمتنا، أن الاجتهاد والحداثة تعني بالأساس الخروج عن كل ما تلقيناه من تراثنا الإسلامي، بل، القول إن ما ورثته الأمة من أفكار ومعتقدات ما هو إلا تخلف، واصفين إياه بأقبح النعوت، دون الإحساس بالذنب أو الحرج. وهذا ما يجعل أغلبهم يناصرون أي فرد انتقد أو قدم تصورًا مخالفًا لما عليه الأمة، دون تقديم أي مبرر سوى ادعاء إدراجه ضمن ما هو حداثي، الشيء الذي يوجب إعادة النظر في المنهج المتخذ في إصدار الآراء ومخالفة ما استقرت عليه الأمة؟ بل يجعلنا نتساءل عن سبب رفض القديم واحتضان الجديد؟ أو بصيغة أخرى، كيف يسمح المرء لنفسه بإهمال تراثه، واستقدام تراث غيره، علمًا بأنه ينتمي لأمة ذات «الدين الخاتم»؟ وأخيرًا، ما المرجعية التي يجب الاحتكام إليها في حالة الاختلاف، وهل يكفي ادعاء العقلانية والواقعية لتبرير كل الاجتهادات؟

إن النظر في منهج الحداثيين وكيفية صناعة الأفكار لا يخرج عن وصفهم بالتقليد، ونقل أفكار غيرهم من الأمم، بل الغريب في الأمر هو إسقاط ظروف شعوب أخرى على شعبهم، بحيث تراهم يتحدثون عن ظواهر لم يعرفها تاريخ شعبهم يومًا، كما تجدهم يصفون دينهم بأوصاف غريبة مشبهين حاله بحال الديانات المحرفة، حتى ظهر منهم من يقول إن القرآن نص من النصوص نازعًا عنه أي قداسة، حتى وصل الأمر بهم تأويل أحكامه وأخباره بدعوى مواكبة العصر والتوافق مع العقلانية المعاصرة؛ لأن ظاهرها مخالف ومناقض للعقل. لهذا، لا بد من التأكيد أن الإسلام ليس ضد العقلانية، ولا حتى الاجتهاد، ما يعني التساؤل عن مفهوم العقلانية المقصودة وحدودها، وأيضًا تحديد شروط الاجتهاد.

أما بخصوص الاجتهاد، فلا بد من تسجيل ملاحظة مهمة هي أن أغلب رواد الفكر الحداثي والمنتقدين للفكر الإسلامي لم يدركوا معنى القاعدة الفقهية «لا اجتهاد مع النص»، إذ لو سألوا أي طالب علم أو طالعوا أي كتيب في أصول الفقه لفهموا المقصود بالاجتهاد والنص، لكن جهلهم، أو قل عدم تواضعهم وعنادهم، كان وراء كل الزلات والمصائب والقول بما لا يفقهون؛ حتى رأينا من يتحدث عن تناقض القرآن الكريم والسنة النبوية، بل من يتحدث عن وجوب الاجتهاد بعيدًا عن فهم الفقهاء؛ لأنهم يحتكرون الاجتهاد ويمنعونه عن باقي المسلمين بحجج واهية، لكن شدة التعصب والوهم الذي بلغوه منعهم من الإنصات لكل عالم أو فقيه، أو قل حتى السماح لأنفسهم باستعمال العقل الذي يتباهون به أمام الجميع.

وأما بخصوص العقلانية التي ملؤوا بها الدنيا صخبًا، ففيها كلام ومقال، حسبنا في هذه الكلمة الإشارة إلى أن العقل مراتب، ويكفي التمثيل بقضية حتى يدرك من يتعصب للعقلانية وهم جل ادعاءاته بخصوص القضايا الدينية؛ لقد علمتني الحياة التريث في الحكم على الأشياء حتى القيام بالتحقيق والتعلم، ذلك لأني عندما كنت طفلًا صغيرًا علموني أن طرح عدد ثلاثة من خمسة يستحيل (5-3= غير ممكن)، بيد أن أستاذ الرياضيات في المرحلة الإعدادية جعل من المستحيل ممكنًا، وأخبرنا عن نتيجة عملية الطرح السالفة، والتي تكون سلبية (2-)، بينما أخبرنا أن النتيجة لعدد مضروب في نفسه يستحيل أن تكون سلبية كيفما كانت إشارة العدد، لكن في المرحلة الثانوية قلبت كل المفاهيم ليصبح كل شيء ممكنًا حتى أصبح عندنا من المسلمات أن عدد ما مضروب في نفسه يساوي (1-) ، لأكتشف في المرحلة الجامعية أن هذا النمط من الأعداد هو المعول عليه في الحسابات، ونحن ندرس الهندسة الكهربائية، لأدرك أخيرًا أن الأمور حتى إن استعصى فهمها لا يمكن إنكارها بحجة أن العقل لم يدركها، بل صار اتخاذ التواصل والتعارف والحوار وسيلة بحث عن الحقيقة؛ لأنه لا يكتمل فهم جميع الأشياء بل الشيء الوحيد إلا إن تعددت وجهات النظر. لذا، فإن العقلانية التي باسمها ترفض بعض القضايا، لو أعطيت الفرصة تفسيرها لمن أدرى بها لزال الخلاف، كما أن بالشعار نفسه تُرفض كثير من القضايا التي أتت بها الحداثة، حتى أمسى المتابع تائهًا بين أي عقلانية يختار!

ويبقى الآن التعريج على مسألة المرجعية، والتي تُغيّب قصدًا في غالب الأحيان، ويُستبدل بها ادعاء الاحتكام للعقلانية؛ لأنها القاسم المشترك بين الإنسانية، بيد أن الأمور التي تناقش حسمت فيها نصوص دينية قطعية الدلالة والثبوت، ما يطرح التساؤل من فائدة الحديث عن تفكير إسلامي ووصف المتهرب من هذه النصوص بالباحث في الشؤون الإسلامية! وفي المقابل لا يجد هذا الباحث أي إشكال في قبول كل النظريات الآتية من الغرب، والتي بنيت أغلبها على أساطير في غاية التفاهة والخرافة؟ بل يعود أصل بعض الأفكار التي تروج على أساس أنها مُؤسِسة للحداثة إلى ما قبل الميلاد، ورغم ذلك لا تجد أي منتقد كما يحدث مع ما جاء به الإسلام في القرن السابع ميلادي بداعي الرجعية أو الأصولية.

في الختام، إن الاجتهاد مطلوب والاستفادة من الحضارات الأخرى أمر محمود، بيد أن من يود إنكار شيء من تراثه عليه عدم التسرع، ودراسته دراسة عميقة حتى يحيط بكل جوانبه، مع عدم الاستهانة بمن سبق من علمائنا؛ فهم أقدر على صناعة الأفكار من المفكرين المعاصرين، ولنا في علم أصول الفقه وعلم الحديث وغيرها من العلوم مثال، ولن أكون مبالغًا إن قلت بعجز غالبية منتقدي التراث على استيعاب أغلب العلوم لدقة وقوة بنائها، ما يعني أن منافستهم في الإنتاج والإبداع شبه مستحيلة في حقهم. وهكذا يكون انتقادهم ومعاداتهم لشيء يجهلونه أمرًا منطقيًّا، بل إنهم يخافون من كل شخص تلمسوا منه تمكنه من العلوم، وعملوا على استبدال وسيلة القذف والتحقير والتشويه والتنقيص بوسيلة الحوار. أما ردة فعل بعض الدعاة والمتحمسين التي تكون في غالب الأحيان شبيهة بأسلوب منتقدي التراث، لا يمكن تبنيها رغم كل المبررات المقدمة، ذلك أن المسلم لا يخاف من الأفكار مهما كانت، بل يسعى بكل ما أوتي من قوة للحوار بالتي هي أحسن.

اللهم ارزقنا المنطق والعمل به.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد