“التلفاز هو ما نَقل بشاعة الحَرب وويلاتها إلى راحة غُرف المعيشة واستجمامها؛ (حَرب) فيتنام خُسرت في غُرف المعيشة الأمريكية، وليس في ساحات الحَرب بفيتنام”.

-الفيلسوف الكندي مارشال ماكلوهان
(1)

لم يَعرف ضابط الشرطة “ديفيد إريك كيسبولت” بضاحية ماكيني بولاية تكساس الأمريكية صَدى ما فعله بحَق الفتاة سوداء البشرة ذات الأصول الإفريقية “داجيريا بكتون”، إلا عندما انقلب الرأي العام الأمريكي، بل والعالمي أيضًا، ردًّا على جريمته العنصرية وأسلوبه “الهمجي” العدواني!

بدأ الأمر كله بلقطات فيديو حيّة ترصد ردّ فعل ضابط شرطة أبيض البشرة خلال حفل بمجمّع سباحة بضاحية “ماكيني” الأمريكية، ضدّ بعض المراهقين الأمريكيين من أصول إفريقية بسبب شكوى من الجيران المنزعجين من سلوك هؤلاء المراهقين الذين لم يكونوا حتى من سكان الحي.

انفجرت الأزمة مع صراخ ضابط الشرطة “كيسبولت” بعبارات بذيئة في وجه شباب من أصول إفريقية ويصوّب فوّهة مسدسه تجاههم، قبل أن يَطرح إحدى المراهقات سوداء البشرة ذات الخامسة عشر ربيعًا أرضًا، في حين لم يَقل الضابط نفسه أي شيء لشاب قوقازي أبيض البشرة صوّر الأحداث كلها بكاميرا هاتفه المحمول!

انتقدت العديد من وسائل الإعلام الأمريكية سلوك الضابط “الهمجي”، ما أسفر عن احتجاج المئات ضدّ ما سمّوه بوحشية الشرطة ضد الأمريكيين من أصول إفريقية في ولاية تكساس، فضلًا عن إعطاء الضابط “كيسبولت” إجازة إجبارية لحين الانتهاء من التحقيق معه، ثم في النهاية استقالته “طوعًا”، على حد قول رئيس شرطة ماكيني الذي وَصَف فعلة “كيسبولت” على أنها “خروج عن الطور” أثناء تدخّله للردّ على إزعاج بعض المراهقين أسودي البشرة!

عَزيزي القارئ، أي تشابه بين أحداث الفقرة السابقة والواقع المصري هو مجرد خيال مريض وبذاءات معشّشة في نفوخك!

(2)

لم يَعرف الضابط المصري “ياسين محمد حامد”، وفقًا لبعض المصادر الصحفية منها بوابة الأهرام وموقع روسيا اليوم، أو “ياسين صلاح” وفقًا لموقع الـ BBC، أن ضَربه للناشطة اليسارية شيماء الصباغ بالخرطوش (رصاص مطّاطي) أثناء إحدى التظاهرات في شهر يناير الماضي احتفالًا بذكرى ثورة يناير المجيدة، لن يَمر مرور الكرام!

انقلبت الدنيا ولم تَقعد على الداخلية وقتذاك بسبب مقتل “الصباغ”؛ حيث ألمحت العديد من وسائل الإعلام بأن المسؤول المباشر عن مقتل أمينة العمل الجماهيري لحزب “التحالف الشعبي” بالإسكندرية هو عناصر الأمن التي كانت تحاول فضّ التظاهرة.

ورغم محاولات وزارة الداخلية العديدة للتنصّل من الأمر، ملقية اللوم على “عناصر تابعة لتنظيم الإخوان الإرهابي كمخطّط لتشويه الداخلية وإثارة غضب المواطنين”، ناهيك عن تأكيد وزير الداخلية السابق اللواء محمد إبراهيم في مؤتمر صحفي بأن التحقيقات الأولية تنفي مقتل “الصباغ” على يد الشرطة،
إلا أن التغطية الإعلامية المصرية والعربية بل والعالمية أعطت زخمًا كبيرًا للموضوع، لا سيما مع تحذير الرئيس عبد الفتاح السيسي بأن المخطئ سينال عقابه مهما كان!

وفي خطوة جريئة غير معهودة، أحال النائب العام أحد ضباط الأمن المركزي إلى الجنايات، بعدما أكّدت تحريات النيابة أن مقتل الناشطة اليسارية جاء إثر خرطوش أطلقه هذا الضابط. وبعد مرور ثلاثة أشهر تقريبًا، قَضت محكمة جنايات القاهرة بسجن ضابط الشرطة هذا 15 عامًا بتهمة ضرب “الصباغ” بطريقة “أفضت إلى وفاتها”!

كلاكيت تاني مرة: أي تشابه بين أحداث الفقرة السابقة والواقع الأمريكي هو مجرد صدفة بحتة، قد يُعاقب عليها أصحاب الخيال الواسع!

(3)

تَخرج المذيعة الحسناء “ميجان كيلي” على شاشة “فوكس نيوز” الأمريكية وعلى وجهها إمارات الجَدّ والرصينة، بقولها: “والآن، حوّل الجميع هذا الأمر إلى شيء عنصري؛ فهل وَصلنا إلى هذا الأمر بعد؟”، موجّهة حديثها إلى ضيوفها في طريقة تنمّ عن الثقة بالنفس والمعرفة ببواطن الأمور.

ثم لم تَلبث أن قالت: “إن هذه الفتاة ليست قديسة، أيضًا؛ هو (الضابط) قال لها أن تَرحل، ولكنها تلكأت واستمرت في امتناعها. وعندما يأمرك الضابط بالانصراف، عليك بالرحيل. وأنا لا أدافع عن تصرّفاته، حتى أجعل هذا الأمر واضحًا للجميع”.

ويمكن القول إن تأكيد “كيلي” على أن الفتاة سمراء البشرة “ليست قديسة”، يُعيد إلى الأذهان ما فعلته جريدة “نيويورك تايمز” أثناء اندلاع أزمة مقتل الشاب الأمريكي ذي الأصول الإفريقية “مايكل براون” على يد ضابط شرطة أبيض البشرة العام الماضي بولاية ميزوري الأمريكية؛ حيث وَصفت الصحيفة واسعة الانتشار “براون” بأنه “ليس ملاكًا” بدوره!

الدَرس المستفاد: فوكس نيوز لا تَختلف عن “عكاشة نيوز”، فاجتنبوها!

(4)

بذكائه المعهود ومهنيّته المميّزة، يعلّق الإعلامي المصري “أحمد موسى” على مقتل شيماء الصباغ في برنامجه “على مسؤوليتي” بقناة “صدى البلد” بقوله: “خطّة حمادة بدأت”!

واعتدل “موسى” في جلسته وكله تَحدٍ وإصرار وأيضًا مع حماس بالغ يعزّزه ثقته بمعرفة ما لا يعرفه أحد، قبل أن يؤكّد على أن “شيماء” قُتلت بالطريقة نفسها التي قُتل بها الشيخ “عماد عفت” أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية الذي استشهد في 16 ديسمبر 2011 فيما يُعرف باسم “أحداث مجلس الوزراء”، محذّرًا المصريين من اندساس عناصر من الجماعات الإرهابية بين المتظاهرين لقتلهم وإلصاق التهمة بالشرطة!

وتابع “موسى” على طريقة “اعمل الصَح يا حذلقوم” للفنان “غسان مطر” في فيلم “لا تراجع ولا استسلام”: “سيناريو 28 يناير 2011 لن يتكرر مرة أخرى”!

العَجيب أن دفاع المتهم ضابط الشرطة في قضية مقتل شيماء الصباغ، استعان بمقطع فيديو ذاعه الإعلامي “أحمد موسى” في برنامجه “على مسؤوليتي”، مؤكّدًا لهيئة المحكمة أن هذا المقطع دليل على براءة المتهم من كافة الجرائم المنسوبة إليه!

يبدو أن “خطّة حمادة” لها علاقة بـ”خطّة برادلي” التي أسفرت عن فضيحة المنتخب المصري وإذلاله على يد غانا في تصفيات كأس العالم الأخيرة!

(5)

ليس الغرض من هذا المقال عَقد مقارنة بين الشرطة المصرية والشرطة الأمريكية أو حتى بين وسائل الإعلام المصرية وتلك الأمريكية بغرض الوصول إلى نتيجة أن “زيد مثل عبيد”، أو “لا تعايرني ولا أعايرك فالهم طايلني وطايلك”، ولكن الهَدف أبعد من ذلك وأعمق؛ فما كانت الدنيا ستَنقلب رأسًا على عقب لو لم يبادر أحدهم بتصوير طَرح الضابط الأمريكي للفتاة سمراء البشرة أرضًا ثم اهتمام الإعلام الأمريكي بها، سواء كان المرئي أو المكتوب أو حتى المسموع!

وبالمثل، كانت حادثة مقتل شيماء الصباغ ستمرّ مرور الكرام، مثلها مثل الكثير من الحوادث المصرية الأخرى التي يَقع فيها ضحايا مدنيين على يد الشرطة المصرية، لولا معرفة وسائل الإعلام المصرية والعالمية بسجل الشرطة المصرية الحافل بانتهاكات حقوق الإنسان، لا سيما مع دفاع الشرطة المستميت عن ضبّاطها المخطئين دومًا عَقب كل حادث، ولولا اهتمام الرئيس عبد الفتاح السيسي للأمر بنفسه، ما ساهم بعد ذلك في إقالة وزير الداخلية السابق “محمد إبراهيم”، جنبًا إلى جنب مع إخفاق الأخير في واقعة مذبحة “ستاد الدفاع الجوي” التي ارتكبها الأمن بحقّ مشجّعين مدنيين، مثلما أشار العديد من المحلّلين والخبراء!

خلاصة القول، الاهتمام الإعلامي بشتّى صوره بمثل تلك الانتهاكات، حتى على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي وحتى مع وجود بعض الانحيازات وعدم الحيادية في التغطية الإعلامية مثلما أشرت سابقًا إلى “فوكس نيوز” و”أحمد موسى”، يُعد أمرًا محبّبًا ويساهم في فَضح القمع والعنصرية والهمجية والعنف، ومن ثم معاقبة المسؤولين عنه، مدفوعًا برأي عام غاضب على ما يَحدث من انتهاكات، ويبقى الجمهور المحّك الرئيسي في معرفة الفرق بين الغثّ والسمين!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد