يُقال إن النسيان نعمة كبيرة؛ لِما تخفف علينا من الآلام والأوجاع التي نتعرّض لها في حياتنا، لكن الأمر يبدو عكس ذلك في غزة، فحتى هذه النعمة حُرِم منها أهل غزة، كما حرموا من الحياة بشكل طبيعي وآمن؛ فصاروا ينامون ويستيقظون على صوت الرصاص والقذائف التي تنهالُ على الناس دون أن تُميّز بين صغير أو كبير، رجل أو امرأة، شجر أو حجر، عمار أم خراب، كل هذا وأكثر عرضة للقصف والموت والدمار في غزة.

كان هذا ما جرى منذ أربعة أعوام – أي في عام 2014– في مجزرة الشجاعية، التي راح ضحيتها عشرات الأشخاص الذين لا ذنب لهم سوى أنهم أبناء هذا الحي الذي كان عرضة لسقوط القذائف في أي لحظة، انهالت القذائف على رؤوسهم كوابل المطر، فتركت خلفها ضررًا ما بعده ضرر، وأحالت الليل نهارًا، ورسّخت في الذاكرة أبشع الصور التي تأبى أن تغادر ولو للحظة، فتستدعيها الذاكرة مرة أخرى بعد القصف العنيف الذي جرى اليوم.

ذكريات الموت والدم لا تغادر الذاكرة، البيوت التي هُدِّمت فوق رؤوس أصحابها دون أن يحصلوا على فرصة للنجاة من هذا الموت المُحتّم، الأشلاء التي تناثرت بين رُكام المنازل دون أن يستطيع أحد انتشالها، الشهداء الذي ما يزال ذكرهم حيًّا بين أهلهم وذويهم، رغم تتالي السنين، والجرحى الذين نجت أرواحهم من هذا الموت، لكنهم خرجوا بعاهاتٍ أو إعاقة مُستديمة، كل هذا وأكثر كان شاهدًا على فظاعة المجزرة، وما زال يذكر الناس بها رغم مرور السنين.

الجرح يُفتح مرة أخرى، هذا اليوم في ذكرى مجزرة الشجاعية تتعرض غزة للقصف مُستهدفين بذلك البيوت وأهلها؛ ليتهاوى عشرات الجرحى ويدبّ الرعب والخوف في قلوب الناس، ويسترجعوا تلك الذكريات التي ما غابت عن الذاكرة يومًا.

السؤال الذي يطرح نفسه في هذه اللحظات الحرجة: تُرى هل سيتكرر السيناريو نفسه مرة أخرى؟! فتتكرر المجزرة ويخطف الموت مزيدًا من الأرواح؟! إلى متى سيبقى الموت سيد الموقف، فيخطف الأرواح دون إذنٍ من أهلها؟! هل ما يحصل اليوم مُجرّد تذكير بما جرى قبل أربعة أعوام؟ أم أنّه إنذار صغير بأنّ الحرب ستطرقُ الأبواب في أي لحظة؟!

عشرات الصواريخ تتساقط سقوطًا عشوائيًّا على مختلف المناطق في غزة، أودت حتى الآن بأربعة شهداءٍ وأكثر من 100 جريح، وفي الأمس شهيدٌ آخر، وقبل هذا بيومين، وتحديدًا في لحظة قصف مبنى الكتيبة استشهد طفلان لا ذنب لهما سوى أنهما أرادا أن يُمارسا حقهما الطبيعيّ في الحياة، وقبله بأربعة أيام شهيدان آخران، سلسة من الفقد لا تنتهي وتصعيدٌ لا يتوقف ينشر الرعب في قلوب الصغار والكبار، حتى باتوا لا يعرفون طعم النوم، ولا معنى الأمان!

فروقات قليلة بين ما حدث في الشجاعية قبل أربعة أعوام، وما يحصل اليوم، فقصف الشجاعية في ذلك الوقت جاء بعد 14 يومًا من الحرب؛ بهدف الضغط على المقاومة وكسر شوكتها، أما اليوم فالاحتلال يقصف مراصد للمقاومة ومنازل المدنيين على حد سواء؛ ليستهدف المزيد من القسامين والناس العُزّل بعد مقتل أحد جنوده، الأمر الذي يزيد من الوضع سوءًا بطريقة قد تَزِجّ غزة في حرب جديدة.

أصوات القذائف والرصاص، رائحة القنابل، والدم المهدور على الأرض، كلها أمور تطرق الذاكرة لتُعيد مشاهد الشجاعية في المخيلة من جديد!

أسماء الشهداء، أشلاؤهم، أجسادهم دمهم الممزوج بالتراب، ركام المنازل، ومشاهد كثيرة غير هذه تعود للذاكرة في كل قصف تتعرض له غزة، ومع كل شهيد تودعه، فيأبى النسيان أن يُسعف الذاكرة أو يطرد هذه الصور منها فيزيد الحزن حزنًا، والخوف هلعًا، ويُسيطر هاجس الفقد على الجميع، ففرصة الموت أكبر من فرصة الحياة في بلد تتعرض للقصف بعشوائية ودون مقدمات، فإلى متى سيبقى هذا الهاجس يرعب الناس ويحرمهم من الأمن والحياة والأحباب؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد