عبارة كُتبت قبل مئات السنين لا تزال صالحة المفعول وقابلة للاستعمال الآدمي، فالخوف الذي يجعلنا ننسى كم كان شاقًا على ما تبقى لنا من إيمان أن نمسح الدماء من وجه الحبيب، وأن نضمه للمرة الأخيرة ومن ثم نقذفه في أرض وطئتها حوافر الجند، لا يستحق أن يتنفس من هواء نلوث به أدمغتنا، لم يكن للخوف لون ولا رائحة، سوى ما شممناه في عيون الرجل يبكي كالمرأة يستجير من رصاصة! رصاصة لم تكلف صانعها 5 جنيهات مصرية! لكنها قادرة على إزاحة كبرياء المرء في مواجهة غير شريفة، فتنزلق كما ينزلق ماء المطر في بالوعات الأرصفة القديمة، في صمتٍ، في ذلٍ، في لا مبالاة! اشنقوا الخائفين، فصوت نحيبهم يُرعبنا، يجعل من أطرافنا مرتعًا للرعدات والرجفات، فيتجمد في عروقنا الشرف، والكلمات، وعبارات التربيت، وتنحسر على شواطئ بلاد الجبناء أمواجنا، باتجاه عكسي. بل، اشنقوا الخوف نَفسه، لعله إذ شُنق، استرددنا الحياة، أو لنَمت في راحة!

 

كم نازلة مرت بديار قلبي .. وديار قلبي لم تُعمر نائحة!

كلّما مررنا على صورة مأساوية، نغوص في الهم بسببها فجأة وكأننا كنا نعيش لثوانٍ بعيدين عن ذواتِنا، فتشغلنا الحياة بعدها في ثوان بأمر آخر، ربما أكثر حزنًا أو ربما محاولة لممارسة الحياة، كآخر علامات ماهيتنا الإنسانية، فنتيه في الحلقة التي باتت بلا انكسار، ننشر صور الموتى، نسمع أغاني وأهازيج الحب، نُمني أنفسنا بالحياة مع قلبٍ دافئ، نعود لنقرأ في كتب الثورة، نحزن لأخبار المساء، نلعن السلطة أول الفجر وتالي الصبح، نعود لنضحك في الضحى ونحمد الله على بقاء الأحبة، وندفن من مات منهم في صمت، نعيش، ننشر، ندفن، نضحك، وننتحب، ونُحب، وكلها درجات لم نتقنها، لقد حولونا للمسخ الذي قرأنا عنه في قصص الرعب بالطفولة، يدفن ضحاياه حيث يأكل وينام حيثُ يذبح، ويُغني حيث تَأِنُ عِظامه.

 

عندما نحزن تكون كلماتنا المبتورة كحزِ كوب مُهشم، لن ينالنا من محاولة جمع بعثرتها إلا الجروح، التي ربما لن نشعر بها وقتئذ، لا جدوى من التبّرير لنفسكَ بمقصد حديثك في الحزن أو الغضب، لا جدوى البته، فكلّ رقبةٍ حزت بكلماتك هي شهادة لكَ بالظُلم، فنم قريح العين، أو قريرها، المُحصلة صفر. على الأقل بالنسبة لكَ.

 

لم يكن في مقدوري أن أحزن حينما طُلب مني ذلك، فالأمر أصبح اعتياديًّا ومتكررًا لدرجة يحسبنا من يرانا قومٌ مجانين! نموت ألف مرة ثم نرجع لحياتنا الاعتيادية ولم ننتبه قط لما خلفته المآسي من جروح متقرحات أفسدت علينا عقولنا وأكلت قلوبنا ولم تسلم منها عقائدنا! والخوف من المواجهة يجعلنا دائما مستعذبين لألم الخطوب المتتاليات على أن نخوض التجربة نحو التصحي. فما عساها أن تكون النتيجة كائنة؟! موت وحياة أم موت في حياة أو تراها حياة وحياة؟ ونجلس والتاريخ يومًا، نحصد ما سقته من طهرها دماء زكية.

ولمّا كانت كلّ مواقفنا تنّم عن سطحية بالغة، لذا اخترنا العُمق كخط دفاعي لآخر حماقتنا في التحوير! فأفكارنا كلها تفسيرية لآخرين، فالكاتب يكتب عن كتابة آخر، والشاعر يشعر بشعر غيره، والفيلسوف لحسَ مما تبقى على موائد السابقين! لمّ ينبت شجرنا بفكرة طازجة واحدة منذ أن تقهقرنا نحن وشجرنا إلى باحة الحماقة الخلفية! لذا فإن رأيتنا نتعمّق فاعلم أنّنا جدُ سطحيون وأنّ أعمق قيعاننا لا يكفي أن تخوض فيه ساق نملة وليدة! وإنّ كان ساقها أعمق تكوينًا من قاعِنا الراكد!

وما لنا من حلٍ …إلا بهجرةٍ إلى سبيل، كالحب أو الحرب! والأخيرة تجمعهما سويًّا، فَحُبّ مخفق قد يجفف القاع “السطحيّ” بالكلية!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, خوف, مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد