شهد العقد الأول من القرن الحالي ارتفاع أسعار الغاز التقليدي جرّاء انخفاض الإنتاج العالمي، إضافة إلى تزايد الطلب على الغاز الطبيعي في العديد من القطاعات، ولهذا اتخذت الحكومة الأمريكية إجراءات مكثفة خاصة بالبحث والتطوير في المصادر المتاحة للغاز غير التقليدي (الغاز الصخري). وبفضل الابتكارات التكنولوجية والسياسات المواتية والسوق الحرة والبنية التحتية المتقدمة، وكذلك مزايا الظروف الجيولوجية، حدثت طفرة في مجال إنتاج الغاز الصخري، وبعد نجاح التجربة حاولت الكثير من الدول السير على خطا الأمريكيين في التنقيب على هذا النوع من الغاز والعمل على إنتاجه.

الحقيقة أن إنتاج هذا النوع من الغاز لم يكن وليد الألفية الجديدة، وإنما تم استخراجه لأول مرة في فريدونيا بنيويورك عام 1821، وذلك في كسور صخرية ضحلة منخفضة الضغط، كما استخدمت تقنية الحفر الأفقي في الثلاثينيات.

استمرت بعدها المحاولات لتطوير وتحسين تقنيات استخراج الغاز الصخري لمواجهة انخفاض إنتاج الغاز الطبيعي، فاستثمرت الحكومة الفيدرالية الأمريكية أموالًا طائلة في مشروع الغاز الصخري الشرقي، الذي استمر من سنة 1976 إلى غاية 1992، كما حفّزت الحكومة عمليات التنقيب ليبدأ الإنتاج الفعلي المساهم في توليد الطاقة سنة 2000؛ مما أدى إلى ارتفاع احتياطيات الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة بشكل ملحوظ، إذ إن استخراج الغاز الصخري لم يعوض فقط انخفاض إنتاج الغاز التقليدي، بل ساهم أيضًا في تزايد إجمالي إنتاج الغاز الطبيعي منذ العام 2005، ثُم تعزز إنتاج الغاز الصخري أكثر لتساهم هذه الزيادة في وضع الولايات المتحدة على رأس الدول المنتجة للغاز منذ سنة 2009، متفوقة على بلدان رائدة في هذا المجال، مثل روسيا.

ونظرًا للعديد من الفوائد الاقتصادية التي جنتها الولايات المتحدة جرّاء استغلال هذا المورد الطاقوي، قررت الكثير من الحكومات تقييما لمواردها الباطنية من هذا الغاز خاصة بعد تضاؤل احتياطي الغاز التقليدي عالميًا، فاتجهت كل من الصين وكندا والأرجنتين لعمليات التنقيب والإنتاج، ثم انضمت لها دول أخرى مثل الجزائر والمكسيك منذ سنة 2012.

وبالحديث عن الجزائر في هذا المجال، فقد طرقت الأخيرة أبواب موارد الغاز الصخري اعتبارًا من سنة 2012، بما أنها تحوز نحو 20 تريليون متر مكعب (706 تريليون قدم مكعب) من الاحتياطي حسب «إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA)»، وهذا ما يجعل منها ثالث احتياطي في العالم بعد الصين والأرجنتين، ولكن قبل التعمق أكثر في الحديث عن هذا المورد في الجزائر، دعنا نتعرف أولًا على ماهية الغاز الصخري، وكيف يتم استخراجه؟

ما هو الغاز الصخري؟

الغاز الصخري والذي يُعرف بعدة مصطلحات أخرى، مثل غاز الأردواز أو غاز الشيست (بالإنجليزية: Shale gas)، هو غاز طبيعي محصور داخل تجويفات صخور الإردواز المتواجدة على عمق عدة كيمترات داخل طبقات الأرض، وتستخدم لاستخراجه تقنيات معقّدة ومكلفة جدًا مقارنة بالتقنيات التقليدية المستعملة في استخراج الغاز الطبيعي.

تعتبر تقنية التكسير الهيدروليكي (Hydraulic fracturing – fracking) من أحدث وأنجع التقنيات المستعملة في استخراج الغاز الصخري، ومبدأ عملها يعتمد بالأساس على الحفر في أعماق تزيد عن اثنين حتى ثلاثة كيلو مترات باستعمال مثاقب عملاقة للوصول إلى الطبقات الصخرية، ثم يُضخّ سائل يتكون من حوالي ثمانية إلى 12 مليون لتر من المياه، وهي كمية كافية لتغطية الإحتياجات اليومية لأكثر من 65 ألف شخص، لِتُضاف إليه آلاف الأطنان من الرمل مع 2000 لترمن المواد الكيميائية، بعدها يتم ضخ هذا الخليط السائل عبر أنابيب هيدروليكة تحت ضغط عالي فتُحدث تشققات بالصخور، وبذلك يتحرر الغاز الحبيس داخلها، ثم أخيرًا يتم سحب الخليط السائل للسطح بما يحتويه من الغاز المُحرّر، وتُكرّر العملية إلى أن يتم استنزاف كامل الغاز المتواجد بالصخور.

المخاطر والأضرار على الصحة والبيئة والمناخ

إن مسألة إستغلال الغاز الصخري في الجزائر أسالت الكثير من الحبر، وخلقت الكثير من الجدل والتوتر في الشارع الجزائري وخاصة في منطقة عين صالح وما جاورها (مكان تواجد حقول الغاز)، إذ نجد أن مخاوف السكان مبررة بالنظر إلى المخاطر والتأثيرات السلبية التي أوردها المختصون في هذا المجال:

يتمثل الخطر الأول في تأثير العملية على جودة وصلاحية المياه المحلية، إذ إن الانتهاء من كل عملية يخلّف ملايين الليترات من المياه الملوثة المستعملة في عملية التكسير الهيدرولوكي، فبعد فصل الغاز عن الخليط السائل (ماء، رمل، مواد كيميائية) يتم التخلص منه بعدة طرق، فمعظم الشركات تعيد مرة اخرى إلى الأعماق بين الصخور الباطنية، وهذا ما يجعل إمكانية تلوث مصادر المياه المحيطة واردًا جراء احتمالية انتشار الخليط السائل عبر فتوحات التربة والصخور في الأعماق واختلاطها مع المياه الجوفية العذبة لاحتواء هذا الأخيرعلى مواد كيميائية عالية السُميّة، كما يتم التخلص منه أحيانًا عبر تعبئته في صهاريج إسمنتية مسلحة ضخمة تحت الأرض ويترك هناك لمدة غير معلومة، حتى أنه لا يمكن اللجوء لمعالجة تلك المياه لما تحتويه من تركيبات كيميائية معقدة، فذاك الخليط يحتوي على مواد كيميائية سامة ومُسرطنة كحمض الفورميك، الرصاص، البنزين، الفورمالديهايد، الميثانول… إلخ، والكثير من تلك المواد مجهولة وتتكتم عنها شركات التنقيب، لكن من المعلوم أن هذا المركّب السري يحتوي على حوالي 700 مادة كيميائية.

الخطر الآخر المحتمل هو انتشار الغازات الدفيئة (greenhouse gases)، فالغاز الطبيعي المستخرج من الصخور يحتوي على كمية كبيرة من الميثان، والذي يعتبر أحد غازات الاحتباس الحراري، وله قدرة على تسخين الجو 25 مرة أشد من تأثير ثاني أكسيد الكربون.

أيضًا تكلّمت بعض النشرات عن احتمالية تأثير تلك العمليات في حدوث اضطرابات زلزالية.

إصرار الحكومة يقابله رفض شعبي

في ظلّ تراجع إنتاج النفط والغاز، وما زامنه من أزمة اقتصادية خانقة بالجزائر، قررت الحكومة التوجه إلى استغلال الغاز الصخري لإنقاد الخزينة من العجز وتوفير مورد مالي جديد، فعمدت على العمل بسرية كبيرة في هذا المشروع الذي يتواجد بمنطقة عين صالح (أقصى جنوب الجزائر)، وتستّرت الحكومة في البداية على مخططها خشية مواجهة ردة الفعل الشعبي بتلك المناطق، وهذا بسبب السمعة السيئة التي تلازم عمليات استخراج الغاز الصخري في العالم فيما يخص تأثيراته المضرة بالبيئة المحيطة وخاصة الثروة المائية.

وبعد انتشار تسريباتٍ عن عزم الحكومة البدء في التنقيب عن هذا النوع من الغاز في مدينة عين صالح سنة 2013 تم تنظيم احتجاجات في مختلف مناطق البلاد وفي بعض المدن الأوروبية رافضة لهذا المشروع، وقد ازاددت حدة المظاهرات وجذبت اهتمامًا أكبر منذ سنة 2014، خاصة بعد أن وافق مجلس الوزراء على الشروع في تطبيق قانون المحروقات الجديد الذي يسمح بالتنقيب واستغلال الغاز الصخري، حيث أقرّ القانون التنقيب في عدة مواقع خلال الـ12 سنة المقبلة كمرحلة أولية لتقييم القدرات الباطنية، وكذا تقييم عمل الشركات المتعاقدة، بالإضافة لجس نبض القاعدة الشعبية الرافض للمشروع.

وحسب «إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA)» التي ذكرت في مقال لها أن «انخفاض إنتاج الجزائر من النفط والغاز الطبيعي على مدار العقد الماضي، دفع الحكومة للبدء في مراجعة قوانين الاستثمار التي تنص على معاملة تفضيلية لشركات النفط الوطنية لصالح التعاون مع الشركات الدولية لتطوير الموارد الصخرية، ويُضيف التقرير أن الجزائر شرعت في مشروع تجريبي لآبار الغاز الصخري ووضعت خطة استثمار مدتها 20 عامًا لإنتاج الغاز الصخري تجاريًا بحلول عام 2020، ومن المتوقع أن يمثل إنتاج الغاز الصخري الجزائري ثلث إجمالي إنتاج الغاز الطبيعي في البلاد بحلول عام 2040».

وبالرغم من الاحتجاجات المتزايدة في جنوب البلاد حيث تركّزت عمليات التنقيب، أعلنت شركة سوناطراك الجزائرية عن حفر أول بئر للغاز الصخري بحوض أحنات بعين صالح في ديسمبر (كانون الأول) من سنة 2014، ويعقبه تجارب في مواقع أخرى، كما جوبهت تلك الاحتجاجات بتجاهل من طرف السلطات، بل تم قمعها في بعض الأحيان. ومع مطلع سنة 2015 عرفت مدينة عين صالح اعتصامًا مفتوحًا لسكان المدينة استمرّ أكثر من ثلاثة أشهر للمطالبة بإيقاف مشروع التنقيب في المدينة، وعرف الاعتصام تضامنًا كبيرًا من الجزائريين في معظم المحافظات، كما تضامن رجل الأعمال الجزائري والمرشّح السابق للرئاسة، رشيد نكاز، مع الاعتصام وكان من بين الأوائل الذين فجروا هذه القضية للرأي العام، لكن وعلى الرغم من هذه الاحتجاجات، تعهّد المسؤولون الجزائريون بالمضي قدمًا بهذه المشاريع، وخرج حينها الوزير الأول السيد عبد المالك سلال محاولًا التخفيف من حدة الغضب الشعبي في تصريح غريب وكوميدي بالقول إن المواد الكيميائية التي تستخدم في التكسير الهيدروليكي هي نفسها التي تستعمل في صناعة حفاظات الأطفال ولا تُسبّب خطرًا على صحة الإنسان!

وفي ظل تواصل الضغط الشعبي موازاة مع انخفاض أسعار الغاز إلى ما دون 50 دولار للبرميل فقد تم تجميد عمليات الحفر بصفة مفاجئة مع أواخر العام 2015، قبل أن تقرر الحكومة برئاسة أحمد أويحي استئناف العمل على موقعين في عين صالح سنة 2017، ثم إبرام عقد مع شركتين للتنقيب عن هذا المورد في أواخر أكتوبر (تشرين الأول) من سنة 2018.

العقبات والمشاكل التي تواجه إنتاج الغاز الصخري بالجزائر

تعتبر تقنية التكسير الهيدروليكي لاستخراج الغاز الضخري طريقة مثيرة للجدل، بسبب المخاطر والأضرار المحتملة التي عرضناها أعلاه، من الناحية البيئية والصحية، أما من الناحية المالية فالعملية تعتبر جدّ مكلّفة مقارنة باستخراج الغاز التقليدي، حيث تتراوح تكلفة إنتاج البرميل من الغاز الصخري من 40 دولارًا إلى أكثر من 90 دولارًا للبرميل، بينما تترواح تكلفة الغاز أوالنفط التقليدي في السوق العالمي بين 30 دولارًا و40 دولارًا للبرميل، ويمكن أن تصل لدرجة أقل طِبقا لمدى صعوبة أو سهولة استخراجه، فنجد أن إنتاج المملكة العربية السعودية يكلّف أقل من 10 دولارات للبرميل في بعض المواقع، وفقًا لمنصة «Investopedia» التي تُعني بالشأن المالي.

إضافة لارتفاع التكلفة، تواجه شركة سوناطراك المخولة باستغلال المنتوجات البترولية معضلة المياه، فعملية إنتاج الغاز الصخري تستهلك كمية هائلة من المياه العذبة، إذ تحتاج في المتوسط ​​من ثمانية إلى 20 مليون لتر من المياه لكل بئر أفقي، على حسب نوع الغاز الصخري وعمليات التكسير، وسيزداد استهلاك المياه مع زيادة عدد الآبار ومنتجات الغاز الصخري، ولذلك فإن مثل هذا الحجم الكبير من المياه، وارتفاع معدل السحب من مصادر المياه السطحية أو الجوفية المحلية سيكون له تأثير كبير على نظام المياه المحلي، خاصة بمنطقة الجنوب الجزائري التي تفتقر للمياه الجوفية على أعماق منخفظة وبالتالي حفر آبار عميقة أو الاضطرار لنقل المياه من مناطق مجاورة، ولذلك فإن إنتاج الغاز الصخري يشكل تحديًا كبيرًا في المناطق أو البلدان التي تعاني من نقص المياه وهذا ينطبق على الجنوب الجزائري.

من ناحية أخرى ثمة أسباب جوهرية تجعل من إنتاج الغاز الصخري في الجزائر عملية معقدة تصاحبها تحديات كثيرة منها عدم وجود بيئة استثمارية مساعدة، وانعدام البنى التحتية. فمنذ عقود اقتصر إنتاج الغاز الصخري على الولايات المتحدة فقط، تلتها الصين وكندا مؤخرًا، وهذا يرجع بالأساس للعوامل التي تحوزها الولايات المتحدة دون غيرها، والتي بدورها مهّدت لبيئة مواتية للاستثمار، ومنها نذكر الظروف الجيولوجية والطبيعية، التقدم في مجال التكنولوجيا وإتقان التقنيات المتقدمة، بالإضافة إلى الملكية الخاصة لحقوق للموارد الباطنية، ورسوخ الخدمات والبنى التحتية المتطورة، وفرة المياه، الضرائب التنافسية، وكذلك شبكات خطوط الأنابيب لنقل وتوزيع الغاز والتي تساهم في خفض التكلفة.

ولهذا فإن تجربة الولايات المتحدة في اماكن أخرى سيكون في غاية الصعوبة خاصة في مناطق لا تمتلك الحد الأدنى من تلك العوامل، ولا شك أن الجزائر تفتقر إلى معظم تلك السمات؛ ما يجعل عملية الإنتاج بطيئة وقد تستغرق وقتًا أطول من المتوقع بكثير.

وقد سبق أن صنّف البنك الدولي الجزائر في تقريره «إنجاز الأعمال 2015» في المرتبة 154 من أصل 189 بلدًا، وهو أسوأ من العام الذي قبله حين احتلت الجزائر المرتبة 147 سنة 2014، لتتقهقر النسبة إلى المركز 157 من أصل 190 بلدا في آخر تقرير له عن سنة 2019.

والترتيب المتأخر للجزائر في مجال إنجاز الأعمال يعكس واقع قطاع النفط والغاز على وجه الخصوص، حيث ذكرت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية عدة عوامل رئيسة وراء الأداء المخيّب للإنتاج، منها على سبيل المثال لا الحصر التأخُّر المتكرر للمشاريع بسبب بطء الموافقة الحكومية، صعوبة جذب شركاء الاستثمار، الثغرات في البنى التحتية، والعراقيل التقنية، بالإضافة إلى سلطة تشريعية وبيئة تنظيمات غير مُستقرة، نظام ضرائب غير متوازن، فساد مستشر داخل الهياكل التنفيذية، والمخاوف الأمنية خاصة بعد أزمة الرهائن بمنشأة إنتاج الغاز بتيغنتورين، في مدينة عين أميناس، جنوب شرقي الجزائر سنة 2013.

المضي قدمًا لاستغلال الغاز الصخري

بعد إعلان الحكومة الجزائرية عن نيتها في استغلال الغاز الصخري الذي يلتحف جزءًا كبيرًا من الجنوب الشرقي للجزائر، ثم الضجة الكبيرة التي أعقبت ذلك والاحتجاجات الرافضة لهكذا مشروع، فقد أعلنت السلطات الجزائرية أواخر شهر أكتوبر 2018، عن توقيع أول عقد لاستغلال الغاز الصخري مع شركتي «بريتش بتروليوم» و«إيكينور» النرويجية من أجل استغلال وتطوير هذا المورد، في خطوة تؤكد عزم الحكومة على تجسيد هذا المشروع المثير للجدل والذي سبق تجميده لوقت قصير كما ذكرنا بسبب احتجاجات شعبية رافضة له بدعوى أضراره على البيئة والصحة العامة.

وحينها كان وزير الطاقة مصطفى قيطوني قد صرّح أن مشروع قانون المحروقات المرتقب الكشف عن محتواه العام المقبل تضمن لأول مرة بنودًا حول الاستثمار في الطاقة غير التقليدية من غاز صخري، وكذلك التنقيب عن النفط في عرض البحر، وسنأتي على ذكر هذه البنود لاحقًا.

وكان الوزير قيطوني الذي كان يشغل المنصب الوزاري في حكومة تسيير الأعمال قد دافع عن خيار استغلال الغاز الصخري بالتأكيد على الوضع الصعب للاقتصاد الوطني والرغبة في زيادة الإنتاج لتلبية الطلب المحلي والعمل على تزويد سكان جميع ولايات الوطن بالغاز الطبيعي بنسبة 100%، وكذا زيادة الصادرات من الغاز، كما حاول الوزير التهوين من الآثار السلبية الناتجة عن استخراج هذا النوع من الغاز على البيئة والمواطن، من خلال تأكيده على اتباع إجراءات عالية ضد التلوث، ومدى الحرص الكبير الذي توليه الحكومة لصحة المواطن.

مع تولّي السيد عبد المجيد تبون لمقاليد الرئاسة أواخر ديسمبر (كانون الأول) من السنة الفارطة، لا يبدو أن شيئًا قد تغير فيما يخص مسألة الغاز الصخري، ففي أول تصريح له حول الموضوع الشهر الفارط يناير (كانون الثاني) من سنة 2020، شدد على ضرورة استغلال المورد وفتح باب النقاش العلمي، بدلًا عن الشعبوية السائدة، مضيفًا أن الغاز الصخري مكسب إضافيٌّ للوطن بحكم الاحتياطي الضخم الذي يحتويه جنوبًا، ولا يجب أبدًا أن يكون محل جدال، وضرب مثالًا بالولايات المتحدة الامريكية في هذا الصدد!

خطوات جديدة وتدابير جريئة من أجل تهيئة المناخ لشركات الاستكشاف والتنقيب

في ظل حالة الركود التي يمر بها الاقتصاد الجزائري والوضع المتذبذب لإنتاج الطاقة بسبب تراجع احتياطي الجزائر من النفط والغاز خلال العقد الأخير بنحو 60% وانخفاض الإنتاج بـ10% سنويًا، في مقابل ارتفاع الاستهلاك المحلي من الطاقة بنسبة 7% سنويًا، وزيادة استهلاك الكهرباء بـ12%، ومع التفكير في توسيع الإنتاج لتشمل التنقيب بحقول الغاز الصخري، كان لزامًا على الحكومة الجزائرية إجراء تعديلات في سياستها المنظمة للإنتاج الطاقة من غاز ونفط، وبالتالي كان لابد عن مراجعة واسعة لقانون المحروقات لسنة 2013، والذي يرى مراقبون أنه لم يفِ بوعوده وخيّب التطلعات، بالرغم من بعض الحوافز الضريبية التي أقرها آنذاك لتشجيع الاستثمار الأجنبي والأنشطة المتعلقة بموارد النفط والغاز غير التقليدية كالغاز والنفط الصخريين، الذي ظهر موضوعهما حديثًا حينها.

فقد صادق مجلس الوزراء الجزائري برئاسة الرئيس المؤقت عبد القادر بن صالح على مشروع قانون محروقات جديد لسنة 2019 يُقرّ تعديلات غير مسبوقة، ووفق ما جاء في وثيقة التعديلات، فقد ألغى القانون الجديد الرسم على القيمة المضافة المحددة بـ19% على نشاط المنبع من بحث واستكشاف وتنقيب، كما أعفى الشركات الأجنبية المستثمرة في قطاع الطاقة بالجزائر من دفع الرسوم والضرائب على واردات السلع والتجهيزات وكل المواد المستخدمة في أنشطة الاستكشاف واستغلال حقول النفط، وإلغاء «التوطين البنكي» المتعلق باستيراد السلع الموجهة لأنشطة المنبع، كما تضمنت التعديلات إلغاء القيمة المضافة على نشاط نقل الأنابيب، وكل الرسوم والضرائب المفروضة على استيراد المواد والمنتجات الموجهة لنشاط نقل الأنابيب.

ومما جاء في التعديلات أيضًا منح الأفضلية للشركات المحلية في أنشطة المناولة الخاصة بمشاريع النفط والغاز الموقعة بين سوناطراك الحكومية والمستثمرين الأجانب، والتأكيد على منح الأولوية للجزائريين فيما يتعلق باليد العاملة لنشاطات المنبع، بالإضافة إلى تمديد آجال الرخص الخاصة بالاستكشاف الغازي والنفطي من سنتين إلى سبع سنوات قابلة للتمديد عامين إضافيين، مع تحديد المدة القصوى لاستغلال الحقول بـ30 سنة باحتساب سنوات مرحلة الاستكشاف، مع إمكانية تمديدها بـ10 سنوات أخرى كحد أقصى، ومن أهم البنود التي لم تطلها التعديلات هي الإبقاء على القاعدة الاستثمارية 51/49 في المشاريع الاستثمارية في البترول والغاز، والتي تعطي الحق لشركة سوناطراك الحكومية الجزائرية 51% من أسهم الشركة، مقابل 49% للشريك الأجنبي، كما حافظ على حق الشفعة لشركة سوناطراك.

لم تمر تلك التعديلات بردًا وسلامًا على الحكومة، فقد خرج مئات الجزائريين في مظاهرات رافضة للتعديلات التي أقرتها الحكومة على قانون المحروقات، خاصة وأن الكثيرين لم يستسيغوا منح إعفاءات ضريبية ورسوم غير مسبوقة للشركات الأجنبية والتي اعتبروها رهنًا لثروات البلاد لصالح تلك الشركات، فيما استحسنها الكثير من الخبراء واعتبروها ضرورة حتمية لإنقاد الاقتصاد الوطني من الانهيار، وأن التعديلات لا تعدو أن تكون مجرد تحفيزات لتشجيع الشركات الأجنبية الكبرى على الاستثمار كما هو حاصل في معظم الدول البترولية، والحد من الشروط التعاقدية الجائرة التي كانت مفروضة، وبالتالي خلق بيئة تنافسية تُترجم لزيادة في الإنتاج واستكشاف حقول نفط وغاز جديدة، فيما تحفّظ البعض على تاريخ إقرار هذه التعديلات بحكم أن الجزائر كانت تمر بحالة اضطراب سياسي واحتجاجات عارمة منذ عزل الرئيس السابق بوتفليقة.

هل يعتبر إنتاج الغاز الصخري سندًا للنهوض بالاقتصاد الوطني؟

تتفق معظم الدراسات الدولية على القول إن الاستغلال الناجع لموارد النفط والغاز غير التقليدي (الصخري) سيكون محدودًا خارج الولايات المتحدة، ولهذا ستكون هناك تحديات مضنية للجزائر وغيرها من الدول الحالِمة باستغلال مواردها الصخرية.

كما أن المشكل في الجزائر لا يتمثل فقط في العوائق التقنية أو الجيولوجية أو حتى في اللوائح المنظمة، ولكن لطالما اقترنت الشركة المسيطرة على مفاصل الطاقة في الجزائر، «سوناطراك»، بعمليات فساد كبيرة، وطفت للعلن فضائح لشخصيات نافذة في الشركة كإبرام عقود مشبوهة، رشاوى، الاختلاس ونهب المال العام. إضافة لعجز الحكومات المتعاقبة على تقويض المتلاعبين النافذين، وعدم القدرة على إنفاذ إصلاحات فعّالة من شأنها جذب الاستثمارات في المجال الطاقوي.

ولكن مع السياسة الجديدة للمحروقات والبنود التحفيزية فقد تتغير الكثير من الإحداثيات على المدى الطويل، فالإجراءات المتخذة قد تساهم في مضاعفة إنتاج الغاز الطبيعي والنفط العادي التقليدي، لكن تأثيراتها لن تطال عمليات إنتاج الغاز الصخري على المدى القصير والمتوسط على الأقل، لما تحتويه تلك العمليات من تعقيدات بالجملة، سواء تكلفية، زمنية، وبيئية كما ذكرنا آنفًا.

ولتسهيل الفكرة حول إمكانية مساهمة الغاز الصخري في الناتج الوطني الإجمالي مستقبلًا، ارتأيت التوقف على إحصاءات رسمية للولايات المتحدة التي تعتبر الرائدة في هذا المجال وسبقتنا لهذا الإنتاج بسنوات كثيرة.

خلال سنة 2015 أنتجت الولايات المتحدة حوالي 37 مليار قدم مكعب من الغاز الصخري يوميًا، ثم كندا بـ4.1 مليار قدم مكعب، تليها الأرجنتين والصين؛ مما يجعل الولايات المتحدة أكبر منتج للغاز الصخري في العالم، ومن المتوقع أن يصل إنتاج هذه الأخيرة من الغاز الصخري سنة 2040 إلى 80 مليار قدم مكعب في اليوم، ثم الصين بـ22 مليار قدم مكعب، وفقًا لموقع «Statista» الاقتصادي.

ولكن في الواقع، هل استفاد الاقتصاد الأمريكي بشكل كبير من استخراج الغاز الصخري؟

يشير تقرير «واشنطن بوست» لعام 2013 إلى أنه نظرًا لأن قطاعي النفط والغاز يمثلان 2.5% فقط من إجمالي الناتج المحلي ثم بنسبة مساهمة 2.6% فقط سنة 2016، فإن صافي المساهمة يمثل 0.6% فقط من إجمالي نمو الناتج المحلي البالغ 7.6%، كان هذا الحال عندما ارتفع حجم استخراج النفط والغاز بنسبة 24%، وارتفعت ماكينات التعدين ذات الصلة بنسبة 47% وزاد إنتاج دعم التعدين بنسبة 58%.

يشير تقرير آخر من «IDDRI» الفرنسي (Institut du Développement Durable et des Relations Internationales)، إلى أن تأثير استخراج الغاز الصخري على مستوى الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة سيكون ضئيلًا بنسبة 0.84% بين عامي 2012 و2035.

فبعد عقود من إنتاج الغاز الصخري نلاحظ أن مساهمة الأخير في الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي ضعيف جدًا (0.6%)، وهذا رقم لا يرقى إلى مستوى التطلعات. لكن ذلك لا يعني أن إنتاجه ليس فعالًا، وإنما لسبب أن الولايات المتحدة لا تعتمد على قطاع المحروقات بشكل كبير، سواء في صادراتها، أو في الناتج المحلي الإجمالي، بينما إسهامات هذا القطاع في الناتج المحلي الجزائري يفوق 30%، ومساهمته في الصادرات تبلغ 96%، وبالتالي لا يمكن إسقاط الحالة الأمريكية على توقعات أداء الغاز الصخري بالجزائر.

كما تدل نسبة الغاز الصخري أن هذا المشروع يتطلب وقتًا طويلًا ومكلفًا حتى يشرع في الإنتاج الفعلي الذي سيؤثّر حتمًا إيجابًا في حركة الاقتصاد.

حاليًا فإن الدول المنتجة للغاز الصخري تجاريًا هي: الولايات المتحدة، وكندا، والصين، والأرجنتين، كما سلف الذكر، ومن المتوقع أن تباشر الجزائر عملية الإنتاج التجاري سنة 2020 طبقًا لما أعلنته (EIA)، كما تنبأ نفس المصدر أنه بحلول 2040 ستنتج الجزائر حوالي 7 مليار قدم مكعب يوميًا (198 مليون متر مكعب) أي حوالي 72 مليار متر مكعب سنويًا، مع العلم أن الإنتاج الحالي من الغاز الطبيعي التقليدي للجزائر يقدر بـ92 مليار متر مكعب سنويًا، فلو صحّت هذه التوقعات فإن إنتاج الغاز الصخري بعد 20 سنة سيكون بكميات تقارب الكميات الحالية من استخراج الغاز الطبيعي التقيليدي، وهذا يبشر بالخير من الناحية الاقتصادية بغض الطرف عن الناحية البيئية.

في النهاية يمكن القول إن التوسع في تطوير الغاز الصخري وإنتاجه يعتبر تحديًا مرهقًا، دقيقًا ومعقدًا جدًا، كما أن آثاره البيئية غير مفهومة تمامًا، ففي حين أن بعض آثاره الضارة يمكن تخفيفها أو معالجتها من خلال لوائح خاصة بالنفط والغاز غير التقليدي، إلا أن بعض التأثيرات الأخرى تتطلب دراسة خاصة وضوابط استثنائية، ولاستغلال مورادنا الباطنية المتاحة لابد من المحافظة على البيئة والصحة العامة، وإلّا فلترقد في سلام أفضل لها ولنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد