كانت نتائج الحرب العالمية الأولى كارثية على بلاد الشام والعراق؛ إذ إنها فقدت بنتيجتها الدرع الذي حماها من الاستعمار الأجنبي لفترة طويلة, فزحفت القواة الفرنسية والبريطانية؛ محتلة البلاد ومقسمة لها, و تم الترسيم الكامل لهذا التقسيم حسب معاهدة «سان ريمو» 1920، وبذلك فقد العرب مشروعهم بالخلافة العربية الموحدة للشام والعراق و الحجاز.

عمل الفرنسيون منذ يومهم الأول على إبراز التناقضات الهادئة في هذا المجتمع، والعبث بها, فحطمت الحكومة العربية التي شكلها الأمير «فيصل» في دمشق، وقسمت حصتها إلى ست دول مستقلة لكل منها علمها ومجلسها النيابي، هي: دولة «لبنان الكبير» ودولة «حلب» ودولة «دمشق» ودولة «العلوين» ودولة «جبل الدروز» و«لواء اسكندرون المستقل», كما أسست قوات المشرق الخاصة (التي ستصبح لاحقًا نواة الجيش السوري، بعد الاستقلال) من السكان المحليين، بالاعتماد بشكل أساسي على أبناء الأقليات.

رفض السكان عمومًا هذا التقسيم، وانطلقت الثورة السورية الكبرى عام 1925، والهدف هو التغلب على هذا التقسيم، و قد كان للسورين ذلك بحلول عام 1930، بإعلان توحيد أربع من الدول السابقة (دولة دمشق ودولة حلب ودولة العلوين ودولة جبل الدروز) في دولة واحدة استمر «تاج الدين الحسني» رئيسًا لها(كان قد عين رئيسًا لدولة سورية، التي ضمت دولتي دمشق و حلب فقط، قبل ضم الدول الأربعة), واتخذ لها دستور جديد حدد اسمها بالجمهورية السورية، وعلمها ثلاث شرائط: أسود فأبيض فأخضر، ويتوسط القسم الأبيض ثلاث نجمات حمر، (العلم المستخدم كرمز للثورة السورية الحالية).

أما النخبة السياسية السورية، فكانت عمومًا من الطبقة البرجوازية الناشئة، والإقطاعية القديمة من أبناء المدن الكبرى التي نشأت في كنف الدولة العثمانية، وشاركت في الجهد العربي للاستقلال عنها, فكان حزب الشعب الذي أسسه «عبد الرحمن الشهبندر» منذ عهد الملك «فيصل» وتم حله مع دخول الفرنسيين، إضافة للنخبة السياسية المستقلة، انقسمت بين متعاون مع الفرنسيين في إدارة البلاد أو معادن لتلك الحكومات المشكلة من قبلهم , الذين شكلوا مع المنحدرين من حزب الشعب الكتلة الوطنية في عام 1928 برئاسة «هاشم الأتاسي».

تصاعد نضال الكتلة الوطنية المطالب بالاستقلال عن فرنسا وبلغ ذروته بداية عام 1936، إذ نجحت الكتلة في تنظيم إضراب عام شمل المدن السورية (الإضراب الستيني)، ولم تستطع حكومة «محمد علي العابد»، الذي شغل منصب رئيس الوزراء فيها «تاج الدين الحسني»، ضبط الأوضاع، فنزل الجيش الفرنسي للشوارع, ولكن لكون الظروف الدولية غير المناسبة، خاصة مع تصاعد خطر النازية في أوروبا, أجبرت فرنسا على التهدئة ومفاوضة الكتلة والاستماع لمطالب السوريين بوحدة بلادهم، والاستقلال، واستقالة الحكومة، والدعوة لانتخابات جديدة, فذهب وفد من الكتلة بقيادة «هاشم الأتاسي» لباريس و فاوض الفرنسيين، وعقد معهم معاهدة استقلال تعطي سوريا استقلالًا كاملًا (المعاهدة شملت كل الأراضي السورية عدا لبنان)، وتحفظ المصالح الفرنسية.

بنتيجة الانتخابات حققت الكتلة الوطنية فوزًا كاسحًا، وعين هاشم الأتاسي رئيسًا للجمهورية، وصادق البرلمان السوري على المعاهدة، بينما رفض البرلمان الفرنسي المصادقة عليها.

الحرب العالمية الثانية وتأثيرها على القضية السورية

كان للحرب العالمية الثانية أثر إيجابي على القضية السورية؛ إذ أدت إلى جلاء القوات الفرنسية عنها بنهاية الحرب كما سيأتي.

كنا قد أشرنا إلى توقيع معاهدة الإستقلال بين سوريا وفرنسا عام 1936، التي لم يصادق البرلمان الفرنسي عليها، وتلكأت فرنسا في تطبيق ما اتفق عليه بدعوى الظروف الدولية, وفي عام 1939 قامت فرنسا بالاعتراف بسيادة تركيا على لواء اسكندرون، الذي كانت قواتها قد انسحبت منه ممهدة لدخول القوات التركية, ليجري بعد ذلك استفتاء، شكك العرب بنزاهته، اختار فيه السكان الانضمام لتركيا, مما أثار حفيظة السورين المتطلعين لاستعادة كامل سورية الطبيعية.

كان موقف السوريين عمومًا من الحرب حياديًا, خاصة مع بعد أراضيهم عن دائرة الصراع عدى بعض القوى السياسية العقائدية الجديدة الصاعدة على الساحة، كالحزب السوري القومي الاجتماعي الذي أيد دول المحور للتشابه الكبير في البنية، والتشكيل والعقيدة السياسية، بينه وبين الحزب النازي, أو الشيوعين، حيث كان الحزب الشيوعي السوري فرعًا للحزب الشيوعي الفرنسي، وغالبًا ما ناهض الكتلة الوطنية، التي، وكما ذكرنا، تمثل طبقات الإقطاع والبرجوازية الناشئة في المجتمع, لكن الشيوعيين أيدوا معاهدة الاستقلال، خاصة وأن اليسار الفرنسي هو من وقعها من جانب فرنسا.

تعرضت فرنسا لهزيمة كبرى في بداية الحرب، ووقع بعض قادتها اتفاقية هدنة مع ألمانيا عام 1940 مهدت لقيام حكومة فرنسية في باريس موالية للألمان، هي حكومة «فيشي», بينما تشكلت حكومة فرنسية في المنفى في لندن, هي حكومة فرنسا الحرة التي لم تعترف بحكومة فيشي، وطالبت باستمرار مقاومة النازيين.

في سوريا البعيدة عن يد المحور أبدى الجنرال «ميتلهاوزر» قائد الجيش الفرنسي في المشرق ميلًا للبريطانين قبل أن يعود، ويعلن الولاء لحكومة فيشي التي أعلنت نيتها الحفاظ على الإمبراطورية الفرنسية.

أخذت بريطانيا ذلك الموقف بعين الشك مع أن الجنرال الفرنسي أعلن نهاية الحرب في سوريا, لكن خوفها من وصول دول المحور إلى بلاد الشام ما يضعها بين فكي كماشة جيوش المحور من الغرب (الإيطالين في ليبيا) وقوات معادية من الشرق، ويجعل الملاحة في قناة السويس في خطر, دعاها إلى الطلب من الفرنسين في سوريا بالتزام صريح برد الألمان و الإيطالين؛ إن حاولوا غزو سوريا، فصرحت الحكومة البريطانية بالتصريح التالي:

«تسجل الحكومة البريطانية إعلان الجنرال متلهاوزر، القائد الفرنسي العام في المشرق، بأن الحرب قد انتهت في سورية. وهي ترى أن ذلك لا يعني، إنْ فكرت كلّ من إيطاليا أو ألمانيا في احتلال سورية أو لبنان، وحاولت ذلك، على الرغم من اعتراض القوات البريطانية البحرية، أن تقف القوات الفرنسية ساكنة، من دون محاولة مقاومتها», لتعود بريطانيا وتعلن أنها ستقوم بحماية مصالحها بنفسها؛ إن تدخلت قوات المحور.

توترت العلاقات بين السلطة الفرنسية في سوريا وبريطانيا، حتى أغلقت الحدود بين الطرفين، مما أضر بالسورين، إذ حوصرت سوريا من جهة العراق والأردن، وتم ضرب القوى السياسية السورية الميالة للهاشمين الخاضعين للنفوذ البريطاني، وعلى رأسهم الدكتور «عبد الرحمن الشهبندر» (مؤسس حزب الشعب) الذي كان من المنادين بملكية دستورية ستضم سوريا بشكل تلقائي للعراق أو الأردن.

على الطرف الآخر حاولت ألمانيا النازية عبر مبعوثها في دمشق «ألفون أوتوهنتج» الملقب بلورنس الألماني حشد الرأي العام السوري خلف ألمانيا النازية مستغلًا فكرة الوطن القومي لليهود في فلسطين والمطالبة بعقد مؤتمر إسلامي في دمشق لدراسة كيفية مواجهة ذلك الخطر، إلا أن الفرنسين لم ينظروا لنشاطه بعين الراحة فطلبوا رحيله من البلاد.

استعدت بريطانيا في عام 1941 للتدخل وحدها في سوريا خاصة مع موقف القيادة الفرنسية في المشرق المائل بشكل واضح للنازيين، لكن كثرة الجبهات المفتوحة عليها جعلها تعتمد على مساعدة حكومة فرنسا الحرة, فعملت بريطانيا عشية الحملة على كسب ود الشارع السوري فأجبر «وينستون تشيرشل» رئيس الوزراء البريطاني – كما يذكر في مذكراته – شارل «ديغول» على إعلان وعد باستقلال سوريا و لبنان مع كل الضمانات بذلك.

نجحت الحملة الفرنسية الإنكليزية المشتركة, لكن حكومة فرنسا الحرة رأت ضغوطات بريطانيا عليها تدخلًا في أمر مستعمراتها، خاصة أنها لم تكن تنو إعطاء الاستقلال لسوريا، ولبنان بعكس، بريطانيا التي كان كل اهتمامها أن تحافظ على الهدوء على الجبهة الشرقية لقناة السويس, فاعترفت الحكومة البريطانية بالحكومة السورية وعينت وزيرًا مفوضًا في دمشق.

أدى الضغط البريطاني إلى إصدار قرار من حكومة فرنسا الحرة يسمح بإجراء انتخابات لجمعية وطنية في البلاد فازت بها الكتلة الوطنية تلاها انتخابات رئاسية أفرزت فوز شكري القوتلي(مرشح الكتلة) كرئيس لسوريا، ونتيجة لذلك بدأت سوريا تحظى بالاعتراف الدولي من القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتي، كما أن الاقتصاد السوري بدأ بالانفكاك عن فرنسا، بعد ارتباط عملتها بالجنيه الاسترليني؛ نتيجة التقلبات الشديدة التي أصابت الفرنك الفرنسي أثناء الحرب.

تم الاتفاق على معاودة المفاوضات لاستكمال الاستقلال في شهر أيار من عام 1945، لكن فرنسا تلكأت، وحاولت المناورة، فزادت من تواجدها العسكري في سوريا؛ للضغط على الحكومة السورية.

نزل السوريون إلى الشارع، وتوقفت المفاوضات، وحصلت بعض الصدامات في حماه وحلب, ليرد الفرنسيون بضرب دمشق بالطيران في 29 أيار 1945, لكن بريطانيا لم تدع لفرنسا فرصة التقاط أنفاسها؛ فهي لا تريد لها استعادة قوتها في المشرق, فأرسل وينستون تشيرشل إنذارًا لـ«ديغول» في 31 أيار 1945 يقول فيه : «إزاء الموقف الخطير بين قواتكم ودولتَي المشرق، ونشوب القتال العنيف معهما، آسف كلّ الأسف، أن أبلغكم أننا قد أمرنا القائد العام في الشرق الأوسط بأن يتدخل، ليحُول دون الاستمرار في إراقة الدماء؛ محافظة على الأمن في منطقة الشرق الأوسط كلّها. وتجنبًا لاصطدام القوات: البريطانية والفرنسية، نطلب منكم أن تأمروا، في الحال، القوات الفرنسية بأن تكفّ عن إطلاق النار، وأن تتراجع إلى ثكناتها. وما أن يقف وقف إطلاق النار، ويرجع النظام إلى نصابه، نكون مستعدين لأن نبدأ محادثات ثلاثية، في لندن».

أجبر الإنذار البريطاني الفرنسين على قبول تدويل القضية، وبالتالي خسارة نفوذهم فيها, فحاول وزير خارجيتها جورج بيدو في مناورة أخيرة أن يطلب من الأمم المتحدة مناقشة موضوع علاقات الدول العربية المختلفة ببريطانيا وفرنسا، لكن الولايات المتحدة قطعت عليه الطريق؛ برفضها ذلك؛ بحجة أن هذه القضية معقدة، ولن تستطيع المؤسسة الدولية الناشئة حلها, فأجبر الفرنسين على مفاوضة السوريين بشكل مباشر, والذين بدأوا يطالبون بجلاء كامل القوات عن أراضيهم.

أوضحت بريطانيا التي كانت لديها بعض القوات في سوريا منذ عام 41 سياستها في تصريح لها في 13 كانون أول عام 1945 بأنه «سينفذ برنامج الجلاء على نحو، يضمن أن تبقى في المشرق قوات كافية للمحافظة على الأمن، ريثما تقرر هيئة الأمم تنظيم أمن جماعي خاص لهذه المنطقة».

فسرت فرنسا ذلك بأن بريطانيا هي التي ستجلي قواتها عن سوريا، بينما ستبقى قوات فرنسية حسب التصريح البريطاني للحفاظ على الأمن، وذلك في محاولة أخيرة للاحتفاظ ببعض النفوذ العسكري في سوريا, لكن بريطانيا عادت لتحرج باريس من جديد في مجلس الأمن؛ حين أعلنت أنها غير متمسكة بوجود عسكري في سوريا, فاضطرت باريس للخضوع لقرار أغلبية مجلس الأمن الذي حض أطراف النزاع على التفاوض للوصول إلى جلاء القوات الأجنبية عن سوريا، وبالفعل يتم ذلك في 17 نيسان من عام 1946.

استطاع السوريون الاستفادة من التنازع الدولي ليحصدوا جلاء القوات الأجنبية عن أرضهم، ويبدأوا مرحلة جديدة, تلت الجلاء, تميزت بعدم الاستقرار السياسي؛ نتيجة لرياح التغير الدولية التي كانت تنقل الدفة يمينًا و يسارًا في هذه البقعة المهمة من العالم، وهذا ما سنتناوله في المقال المقبل بإذن الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الشام
عرض التعليقات
تحميل المزيد