اليمن أرض السعادة والاطمئنان منذ الأزل وفق الكتب السماوية المقدسة، سليل العرق العربي هذا مزق وتشذر كسحب النووية جراء صراع ممزوج بداخل وعاء فيه من الأيديولوجيا والهيمنة الإقليمية والمعمعان الجيوستراتجي والعدوان وتحريك خرائط الشيء الكثير.

26 أذار مارس 2015 يوم استهلت آلة للدمار تدعى «التحالف العربي» تحالف باسم عربي وتحت عباءة إسلامية، انتهى فعليًا إلى دولتين مدعومتين أمريكيا لم تفرق بين هدف مدني وآخر عسكري. بين شيخ صلد يتبين طريقه وسط الزحمة وبين رضيع يتحسس ثدي أمه، غارات التحالف تستأصل كل شيء حي أو جامد، فاليمن من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه تجزأ وأصبح أكبر كارثة إنسانية في التاريخ الحديث، كل هذا بفعل عدوان جار، ولأجل غاية واحدة أرجع اليمن لبيت الطاعة الخليجي ووأد ثورته وإنهاء حلمه في يمن سعيد مؤسس على الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

المنطقة اليوم في ذروة انقسامها بين معسكر إيراني يتمدد كأذرع الإخطبوط بكل إسقاطاته المذهبية ومخططاته السياسية، وآخر عربي سني تتصدر السعودية قمة هرمه ومن يؤدي فاتورة كل هذه الجلبة؟ الشعوب من دمائها وعرقها ودموعها بكل تأكيد. وحالة الجرح اليمني الغائر لا تخفى على أحد جراء تحالف أو بالأحرى عدوان بقيادة (السعودية) بتحفظها التاريخي وتماهي حركتها مع الأمريكان وتغنيها بحزم بلا حسم وإعادة أمل بلا أمل وأي أمل؟

5 سنوات ونيف من الحرب أشبه ما يمكن أن يقال عنها حرب الإخفاق المشوه شرعية تائهة لم تعد وحدود مخترقة لم تؤمن وانتصارات على الأوراق والمستندات فقط، وما صيف 2017 إلا برهان قاطع على قولنا: حيث صواريخ أنصار الله الباليستية ثؤثت الجنوب السعودي والعاصمة الرياض وآرمكو ونيوم في الأفق كتحدي استراتيجي جد خطير. أما ثقل الفاتورة والنزيف المالي فحدث ولا حرج، حيث أطلت علينا «مجلة Forbes الأمريكية» بأرقام صادمة تؤكد حجم إنفاق الرياض على طلعاتها الجوية العدوانية باليمن ونتيجة بعد 5 سنوات من دخول هذا المستنقع، صِـفـْـرٌ مُـكـَـوّر لا مكاسب سياسية ولا حتى ميدانية اللهم حصيلة أخلاقية جد ثقيلة تؤرخ بدماء من سقطوا على مذابح الجرائم السعودية الصنع.

أما (الإمارات) الحليف الأكثر وفاء بعد أن ترك رحى الصراع وانسحب تحت ورقة توت كتب عليها (إعادة الانتشار )، بعد أن لهث وراء الموانئ والمضايق لأجل الحفاظ على مكانته الاقتصادية باعتبارها محطة ترانزيت بين الشرق والغرب تركًا تاريخًا أسود. فزوايا الاعتقال السري وغرف التوقيف وسجلات التعذيب وخروقات القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني وتوالي التقارير والإدانات الدولية بوضع حقوقي جد كارثي لم يطمر بعد.

بعد أن حولت سواعد تحالف العار اليمن إلى مستنقع الإمارات منشغلة بعدن وما حولها من موانئ، وتفكر السعودية بحضرموت وما حولها. ولأن الدولتين، فيما يبدو، قد توصلتا إلى قناعة ثابتة تقول إنه من غير الممكن هزيمة إيران/ الحوثيين في صنعاء فقد قررتا مغادرة تلك الحرب بالحركة البطيئة وذهبتا تقتسمان ما حصلتا عليه من الغنيمة اليمنية قبل إنهاء الحرب بشكل رسمي.

إذن انتهت الحرب اليمنية (يمكننا القول)، ودخل البلد عصر التقسيم. وسيكون على اليمنيين أن يصارعوا لعقود طويلة للتحرر من احتلال ثلاثي لا يعتمد على الآلة العسكرية وحسب، بل على تشكيلات محلية ضاربة القوة ومستعدة لتقديم كل أنواع الخدمة للمندوب السامي. أما الحصيلة الأخلاقية والإنسانية فتمت منتهى القصة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد