«إسرائيل تقتل أطفالًا مرة أخرى.. استمتع بعطلتك الأسبوعية».

عبارة كتبت على أحد أعمدة الإنارة بأحد شوارع لندن تعبيرًا عن استهجانها لما يحدث في قطاع غزة هذه الأيام، أو بمعنى أدق لما اعتدنا حدوثه منذ العام 1948، نعم.. المجتمع الأوروبي متضامن مع أطفال غزة، ونحن لم تزل شوارعنا وجدراننا ممتلئة بالدعاية لحفلات وسهرات غنائية في كل أرجاء العالم العربي، نعم.. لندن تلوم المواطن الإنجليزي على الاستمتاع بعطلته الأسبوعية في ظل ما يحدث لأناس يسكنون النصف الثاني من الكرة الأرضية بالنسبة لهم من قتل ودمار، بينما نحن في عطلة دائمة لا يتخللها لحظة تأمل واحدة فيما يحدث على بعد أميال من حولنا لأناس من المفترض أنهم ينتمون إلينا تاريخًا ومصيرًا، وأن قضيتهم هي قضيتنا، ومفهوم الشرف لديهم هو ذاته ما لدينا! القضية ليست قضية اليوم فقط، بل إنها قضية أجيال جاءت ورحلت، ثم جاءت ولم تزل تجيء أجيال بعدها، ولم يزل آلاف الفلسطينيين يتحولون إلى أرقام في تعداد الموتى، سواء ممن ينتمون إلى المقاومة الشعبية، أو من عزل يتابعون المشهد في انتظار الموت، نعم.. الغرب في صحوة، ونحن في غفلة، فإن لم يكن تضامنهم بالفعل فهو بالقول، وإن لم نر تضامن حكامهم فتضامن شعوبهم يكفي. السؤال لنا الآن: متى سنستيقظ من سباتنا؟ !متى ستنتفض سواعدنا وأرجلنا انتفاض جوارحنا؟ متى ستتحول كلمات الشجب والإدانة إلى مواقف بإمكانها أن تشهدنا سيناريوهات أخرى في الواقع القريب؟

إحدى وسبعون سنة مرت منذ العام 1948، والمشاهد الدامية في تزايد مستمر، ولكنها لا تزيدنا إلا ضعفًا وخنوعًا، 71 عامًا وأعدادنا تنمو، ولكننا بنمو أعدادنا لم نحدث فرقًا سوى أن أوطاننا لم تعد تسعنا.

بالأمس لم يحرك العرب ساعدًا لنصرة أبنائهم في غزة، ولكننا كنا نستطيع على الأقل رؤية دموعهم، وكنا نسمع من حين لآخر كلمات الشجب والإدانة تخرج من أفواههم، كانوا يجتمعون لبحث الأزمة حتى وإن لم تسفر جهودهم عن شيء، ولكننا على الأقل كنا على أمل دائم بإحداث فرق، أما اليوم فحتى الدموع والأحزان أمستا بلا خبر، وحتى الشجب والإدانة لم يعودا إلى سابق عهدهما، الجرائد والقنوات أيضًا لم يعودا بنفس الصخب، ولم يعد مقدمو البرامج يخرجون علينا بأصواتهم الصارخة وعباراتهم الناقمة، وكأن الموقف الراهن مختلف عما سبق، أو كأن المشاهد الدامية لم يعد لها أثر!

ولكننا في الواقع وإحقاقًا للحق لا يتسنى لنا أن نستعرض تلك المشاهد بدون ذكر بعض المشاهد الإيجابية، فبعض الدول ربما اتخذت مواقف إيجابية، وبعضها اكتفت بالمشاهدة، بعضها اتخذ موقفًا رسميًا من خلال إعلان الدولة ذاتها رفض تلك الأوضاع من تعديات على حقوق الفلسطينيين الإنسانية وحقوقهم في أراضيهم ومقدساتهم مثل دولة الكويت، التي عرفت بمواقفها تجاه ما يحدث، سواء من خلال إعلان البيانات الرسمية التي تعلن استهجانهم تلك الأوضاع. وبعض الدول لم تعلن موقفًا رسميًا من خلال مؤسسات الدولة العليا نظرًا لاضطراب أوضاعها، مثل تونس، والتي تمثلت مواقفها في ردود أفعال  بعض الأحزاب والائتلافات، أو جماعات الضغط لديها، والذين أدانوا تلك الأوضاع، وقاموا بتوجيه دعاوى للقائمين على الدول العربية باتخاذ موقف رسمي تجاه الأزمة.

وكما تحدثنا عن حالة الصمت الإعلامي في أغلب المنصات الإعلامية بالعالم العربي، علينا أن نذكر أن بعض الإعلاميين والمشاهير قد رفضوا أن يكونوا صامتين، ويتظاهرون بالاستسلام والخنوع مثل موقف بعضهم، الذين ظهروا واضعين لاصقة على أعينهم تضامنا مع الصحافي الفلسطيني الذي فقد إحدى عينيه أثناء تغطية الأحداث الجارية في غزة، والذي كان ضحية نأمل أن يتبع تضحيته تلك تغييرًا واستجابة لمطلبه بأن ينظر إلى أوضاع الصحافيين الدوليين، وإنقاذ ما تبقى من احترافية وضمير مهني.

ولكن السؤال هنا: هل هذا يكفي؟ وماذا عن الدول والكيانات الصامتة؟ وماذا عن مصير ما يجري من أحداث تدمع لها العيون وتنتفض لها القلوب؟

نحن نتساءل في حيرة: ماذا حدث؟ هل غزة التي يتحدثون عنها الآن، هي ذاتها غزة التي غنى لها الشعراء والفنانون سنوات تضامنًا معها واستنكارًا لما يحدث بها؟ وهتف باسمها الطلاب حتى كادت الشوارع تنتفض؟ أم أننا نتحدث عن بلد آخر، يقع في القطر الآخر من دنيانا، أم أن هذا هو التغيير الذي طالبنا به كثيرًا؟ فطالما طالبنا الحكومات والدول بإحداث فرق بدلًا عن كلمات الشجب والاستهجان؛ فاستجابوا لمطلبنا بالصمت حتى لا نصاب بالملل؟

لا أعرف ماذا أقول؛ فالأبجدية تعجز عن وصف ما يحدث، لم أكن أتوقع أن التغيير سيأخذ هذا الشكل، فالمجتمع الغربي يأبى الانشغال عن قضيتنا، ونحن العرب صامتون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد