نحفظ جملة من الأحاديث المنسوبة للنبي صلى الله عليه وسلم، منذ نعومة أظفارنا، أغلبها يزهّد في الدنيا ويرى فيها دار شر وشهوات، ولا يرى الخير إلاّ في الآخرة دار البقاء والنعيم الأبدي، وعلى قدر ما يزهد الإنسان في الدنيا يقترب من نعيم الآخرة، فالتعلق بالدنيا تعلّق بالزائل والوهم ينبغي التطهّر منه.

ومن جملة هذه الأحاديث التي نربط بينها وبين هذه المعاني: “الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر” والحديث عند أهل الصناعة الحديثية صحيحٌ، رواه الإمام مسلمُ في صحيحه في كتاب الزهد والرقائق، وهو عند الصوفية من الأحاديث التي يُعوّل عليها في تأسيس التصوف على سنة النبي، ويحلو لكل من يكتب عن مصدرية التصوف الإسلامي أن يستند إلى هذا الحديث، ليؤصّل التصوف في الإسلام، ويدافع عنه ضد من يرى أن التصوف دخيل، أو أنه يرتد إلى الحضارات السابقة هندية كانت أو غيرها.

ويلفت النظر في كلام شمس صنو مولانا جلال الدين الرومي وسر ميلاده العرفاني أنه يعلق على هذا الحديث بما يجعلنا نقف قليلاً معه لكتابة هذه السطور، يقول شمس في كتاب المقالات المنسوب إليه:

“يدركني العجبُ من هذا الحديث (الدنيا سجنُ المؤمن) لأنني لم أر سجنًا، بل رأيتُ سعادةً، رأيتُ كلّ عِزّةٍ، رأيتُ كُلَّ حُظوةٍ” وفي سياق آخر من المقالات يقول: “لم أقلقْ من أيٍّ من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام إلاّ من هذا الحديث، لأنني لم أر سجنًا”.

من يتابع سيرة شمس كما ترويها المصادر يعرف أنه لم يكن يستقر في مكان، وظلّ يبحث عن الصُحبة والتحقق عمرًا طويلاً، ومن مكان إلى مكان ينتقل ولا يجد ما يبحث عنه. وكيف كان شمس يحيا في سعادة ويتمنى الموت ويرى فداءه في قوله تعالي: “فتمنوا الموت”؟!

فمن كلامه في المقالات:

“إذا كان لديك الضياءُ والوجدُ الذي يجعلك مشتاقًا إلى الموت فبارك الله فيك، وهنيئًا لك، ولا تنسانا من دعائك، وإن لم يكن لديك مثل هذا النور والوجدُ فتدارك واطلب واجتهد؛ ذلك لأن القرآن يخبر بأنك إذا طلبت مثل هذه الحالة ظفرت بها، لكن اطلب “فتمنوا الموت إن كنتم صادقين” ومؤمنين، ومثلما أنه من الرجال صادقون ومؤمنون يطلبون، فمن النساء مؤمناتٌ وصادقات.

نلاحظ أن الرومي يتفق مع شمس في نظرته للموت وفرحه به، لكنه ينطلق من فكرة أن الدنيا سجن، والجسد نفسه سجن للروح:

“يا من تطيرُ من هذا القفص الضيق وتشدُ الرحال إلى ما فوق الفلك

انظر إلى الحياة الجديدة بعد هذا إلى متى تتحمل حمق هذه الدنيا

إن لباس هذا الجسم من شأن الغلمان فارتد قميص العظمة

الموتُ حياةٌ وهذه الحياة موتٌ لكن نظر الكافر يُظهر العكس

إن جملة الأرواح التي غادرت هذا الجسد حيّة ومتواريةٌ الآن مثل الملائكة

فإن تهدّم منزلُ الجسمِ فلا تتألم واعلم أيّها السيدُ أنها مجرد باب للسجن

وعندما تخرج من السجن ومن غيابة الجُبِّ تكونُ مثل يوسف المصري ملكًا ورئيسًا”.

يتسق قلق شمس تبريزي من حديث “الدنيا سجن المؤمن” مع منهجه ورؤيته للتصوف، فهو وإن كان صوفيًّا قد استغرق في المحبة وعاش تجربة العشق وصار ثملاً جوّالا، لا يستقر في مكان ويطلب المزيد ويطمح إلى التجريد، إلاّ أنه لم يسلّم بما سلّم به السابقون، ولم يكن راضيًا عن أحد من السابقين أو المعاصرين، ولم يكن يرى في أحدهم من يستحق أن يصبح شيخًا صوفيًا له أو يُنظر إليه بعين التبجيل!

فالشيخ الأكبر رضي الله عنه الذي وصف بالكبريت الأحمر انتقده شمسُ ورآه غير متابع لطريق النبي الأكرم ورأى كثيرًا من أفعاله خطأ بيّنًا! وكذلك لم يكن يرى البسطامي في عداد الأولياء وكثيرًا ما وجّه النقد إليه ورغم أنه في لقائه الأول بالرومي سأله عن أقوال البسطامي، وشرح له الرومي معانيها إلاّ أنه ظل ناقدًا لكثير من أقوال البسطامي كما يتضح ذلك من خلال المقالات التي رويت عنه.

كما وجّه شمسُ نقدًا عنيفًا لمشايخ عصره، ولم يرض بأن يكون مريدًا خانعًا لأحدٍ منهم، على الرغم من معاصرته لأولياء كبار، وتوصف مدينته بأنها مدينة الأولياء.

وعليه فليس بمستغربٍ أن يرفض شمس ما قَبِلَه بعضُ العُبّاد والزُهّاد من رؤية الدنيا سجن، ورؤيته لها محل سعادة وسرور. ويمكن أن نلتمس في كلام سيدي علي الخواص ما يجلّي لنا معاني كلمات شمس السابقة، فمن جملة الأسئلة التي توجّه الإمام الشعراني بها إلى شيخه الخوّاص سؤالاً يتعلق بهذا الموضوع، حفظه لنا الشعراني في كتابه الجواهر والدرر.

يقول الشعراني: سألتُ شيخنا فأيّما أكمل في النشأة الدنيا أم الآخرة؟ فقال: الدنيا. فقلتُ له: كيف؟ فقال رضي الله عنه: لأن الدّنيا دار تمييز وأخلاط، والآخرة دار تمييز فقط، فتميز السعداء من الأشقياء، فكلُّ ما في الآخرة هو في الدنيا بلا شك، ولكن لما كانت دار حجاب، فمنّا من كُشف له عن ذلك فعَرفَهُ، ومنّا من لم يُكشف له فجهله.

فقلتُ له: فكيف صحّ للأكابر ذمُّ الدنيا مع هذا الكمال؟ فقال رضي الله عنه: لم يقع الذّمُ للدنيا من الأكابر وإنما وقع من بعض العباد والزّهاد الذين لم يسلكوا على يد الأشياخ. وإن وقع من أحدٍ من الأكابر ذمّها فإنما هو تبعٌ للشارع في قوله (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلاّ ذكر الله وما والاه) فما ذمَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم الدّنيا لذاتِها وإنما لما فيها من الشرور والأنكاد والحجاب عن الله عزّ وجل وعلى هذا يُحمل قول بعض العارفين.

ويكمل الشعراني رواية عن شيخه قائلاً: وسمعته كثيرًا يقول: من ذمَّ عين الدّنيا فقد عقَّ أمَّه، فجميع الأنكاد والشرور التي ينسبها الناسُ إلى الدنيا ليس هو فعلُها وإنما هو فعلُ أولادها؛ لأن الشر فعلُ المكلّفِ، لا فعلُ الدّنيا.

فهي مطيّةٌ للعبد عليها يبلغُ الخير وبها يبلغ الشرَّ، وهي لا تُحبُّ أن يشقى أولادها لكثرة حنوّها عليهم، وتخاف أن تأخذهم الضُّرة الأخرى على غير أهبة مع كونها ما ولدتهم ولا تعبت في تربيتهم، ومن عقوق أولادها أنهم ينسبون جميع أفعال الخير إلى الآخرة، ويقولون أعمال أولاد الآخرة وأعمال الآخرة! والحالُ أنهم ما عملوا تلك الأعمال الصالحة إلاّ في الدنيا. فللدنيا أجرُ المصيبة التي في أولادها ومن أولادها!

فما أنصفَ من ذمّها بل هو جاهلٌ بحقِّ أمّه، ومن كان كذلك، فهو بحق الحديثِ إذا قال العبدُ: لعن الله الدنيا، قالت الدنيا: لعن الله أعصانا لربه عزّ وجل، والله تعالى أعلم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد