«أصدقائي الأعزاء؛

لا أصدق السرعة التي يسير بها العالم خارج السجن، لقد رأيت سيارة ذات مرة عندما كنت صغيرًا، أما الآن فالسيارات في كل مكان، العالم يتحرك في عجلة كبيرة. مجلس إطلاق السراح المشروط، أرسلني إلى مؤسسة صغيرة، وعملي هو تعبئة المواد الغذائية، في المتجر، إنه عمل شاق، وأحاول الاستمرار فيه، لكن يدي تؤلمني طوال الوقت، لا أعتقد أن مدير المتجر يحبني كثيرًا».

هكذا استهل «بروكس» رسالته إلى أصدقائه، الذين تركهم في سجن «شاوشانك» (فيلم مقتبس من رواية «ريتا هيوارث والخلاص من شاوشانك»، لكاتبها ستيفن كينغ)، هذا السجن الذي قضى فيه خمسين سنةً، يغادره حزينًا، رافضًا الخروج إلى الحياة، بعد أن فكر كثيرًا في جريمة قتل كي يبقى داخل السجن، محاطًا برفاقه، وبكتبه داخل جناح مكتبة كبيرة، وبأسطواناته الموسيقية، رفقة «جيك» الغراب الوديع، الذي كان يخبئه في جيب سترته، ويطعمه الدود الذي كان يصادفه في وجبات الأكل، داخل مطعم «شاوشانك»، كان قد وجده ساقطًا من على عشه.

«أحيانا بعد العمل، أذهب للمنتزه وأطعم الطيور»، ليس بيسير على رجل لا يعرف من الحياة غير عالم السجن الصغير، وفي أرذل العمر، أن ينشغل بأشياء أخرى، قد تبدو للآخرين ترفًا، لكن «بروكس» لم يخرج إلى المنتزه كي يطعم الطيور الأليفة، بل كان دومًا يُمنّي النفس بأن يفاجئه «جيك»، طائره الغراب، ورفيقه في السجن، وكان كل مرة يعود أدراجه خائبًا، في الأخير يقنع نفسه أن «جيك»، أصبح له أصدقاء آخرون، فلا حاجة إلى مضيعة الوقت، في انتظار من لن يأتِيَ، لقد قال له يوم يتأهب لمغادرة السجن «أنت حر الآن يا جيك». ثم أطلقه من النافذة.

لم يستطع العجوز، بسترته الأنيقة، ومحفظته وقبعته، وحذائه الأنيق واللامع، أن يحب الحياة، التي غادر إليها خاوي الوفاض، قادمًا من سجن احتضن عمره، وامتص شبابه، تاركًا له عجوزًا نخرته الحياة، اللهم إلا من الاغتراب والدهشة ومن الخوف والقلق، والتيه، داخل عالم لم يذكر من ملامحه غير بعض من بنيانه.

يكتب بروكس إلى رفاقه في «شاوشانك» يشكو إليهم تعقيدات الحياة التي تصيبه:

«عندي اضطرابات أثناء النوم ليلًا، وأرى كوابيسَ، كأني أسقط، فأستيقظ مذعورًا». إنها جملة بليغة، تنهي احتمال وجود أمل لبروكس، ليقاوم الرغبة في العيش، لقد صارت حياة الحرية بالنسبة إليه كوابيس تقض مضجعه، وتزيد من خنقه، تجعل أيامه عذابًا حقيقيًا، يكبر كل مرة، إذ لم يجد مؤنسًا ولا رفيقًا من غير مراسلة أصدقائه في السجن، ليعبر لهم على أن الزمن الذي يعيشه ليس زمنه، وأن حاضره اغتراب، وأن السجن على الأقل، استطاع أن يبني فيه علاقات ود ورفاقية.

«أحيانا، تمر فترة قبل أن أدرك أين أنا، ربما يجب أن أحصل على مسدس، وأسرق المتجر، ليعيدوني إلى السجن؛ يمكنني أن أقتل مدير المتجر».

إنه تعبير حقيقي دون مساحيق عن الذات المغتربة، وانفصال صارخ عن الواقع بكل تركيباته المعقدة، هذه التعقيدات التي تتجلى في الآخر، والذي يعكسه في هذا المشهد مدير المتجر الذي يشتغل فيه «بروكس»، حيث يظهر في صورة العجرفة والقسوة والتحكم والتسلط، وكلها أسباب كافية قد تدفع «بروكس» إلى ارتكاب فعل القتل، قتل مدير المتجر، بسهولة كبيرة، وبدم بارد، كي يرضي كبرياء رجل لم يأخذ من الحياة، غير مقاومته الجامحة ليكون مقتنعًا بأفكاره، مدافعًا عن ذاته التي ضيعها في حياة السجن. ماذا لدى عجوز مثل بروكس ليخسره مقابل تصفية هؤلاء الأوغاد؟

استرسل بروكس في رسالته إلى أصدقائه في سجن «شاوشانك» يخبرهم: «لكني أعتقد أني كبرت عن هذا الهراء».

بعد خمسين سنة في السجن، يخلص العجوز في أرذل العمر، أن فعل القتل «هراء» وسخافة، وأن كلما تقدم الإنسان في السن، يستقرئ شبابه بنوع من التحسر والندم، ولا يجد مبررًا لكل تلك البطولات الدينكيشوتية، التي كانت من أجل أفكار طائشة، كان ثمنها أكبر وأفدح. إن السجن لأكبر الأثمنة التي يدفعها الإنسان مقابل ارتكابه حماقة، كالقتل.

«لم أحب الحياة هنا، سئمت من الخوف طيلة الوقت، لذا قررت ألا أبقى».

عندما حاول بروكس قتل أحد السجناء بعد حصوله على السراح المشروط، لم يخطئ، لأنه أسس المكان، وعكس ارتباط الإنسان بالمكان، إنه رجل مثقف، هكذا هو هنا (في السجن ) أما خارجه، فليس في نظر الآخرين غير محتال، ذي سوابق عدلية، مجرم قضى نصف قرن في «شاوشانك»، مريض بالتهاب مفاصل اليدين.

في إحدى الغرف التي كان يقيم فيها، انتحر بروكس شنقًا بحبل، وكتب برأس سكينه على الحائط: «بروكس كان هنا»، إنها خلاصة العبور من هذه الحياة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد