بحث وحرب

يمضي الإنسان حياته باحثًا عن الحقيقة، لذلك كثيرًا ما تتباين نظرته للأمور بتغير المعطيات فينتج عن ذلك تباين في الآراء، هذا يحدث للإنسان الواحد، فكيف لنا أن ننظر إلى اختلاف وجهات النظر بيننا بتعجب واستغراب.

التطور أمر حتمي منذ بدء الخلق، فهو أمر فطري ينتج عن بحث الإنسان، فمثلًا بالبحث والتجربة عرف الإنسان النار وكيف يستطيع ذلك عن طريق الخشب والحجارة ثم تطور الأمر تدريجيًّا حتى يومنا هذا وتعددت الاختراعات.

بينما يبحث أحدهم ويصل إلى اكتشاف ما أو استحداث طريقة ما أو آلة أو أي شيء يسمى اختراع هناك من يحارب ويقاتل لإفشال هذا الشيء بل ويدعو إلى مقاطعته وتحريمه وربما يدعو لعقاب صاحب الاختراع لأنه على حد قوله كافر.

اعتاد رجال الدين في العصور الوسطى بأوروبا أن يحاربوا ويكفروا العلماء والمخترعين، كما يفعل البعض من رجال الدين أو بالأحرى المتعصبيين جهلا باسم الدين في عصرنا هذا بالشرق الأوسط.

ولا يقف الأمر عند رجال الدين بل لا يكف العوام عن الإسفاف والتنظير وإطلاق الادعاءات الخاطئة عن أي أمر جديد، اختراع ما أو اكتشاف أو ربما فكرة ما مستحدثة، وإلقاء اللوم دوما على هذا الاختراع أو الأمر المستحدث أنه سبب أي شيء سيئ يظهر في المجتمع، قد يكون الأمر يحمل البعض من الصواب لكنه بالتأكيد يحمل الكثير من التجني.

كورونا

لم يعرف هذا الجيل من البشر أزمة كجائحة كورونا، ولو عاد الزمن لأيام أو شهور قليلة ما كان لأحد أن يتوقع حدوث ذلك -لا أقصد هنا (الوباء) تحديدا- لكن ما خلفته الجائحة من أحداث، العالم في عطلة إجبارية والطبيعة في نزهة، الكائنات الأخرى خرجت من مرقدها تتنفس هواء الحرية، أصبح الإنسان غريبًا في شوارع نيويورك وروما وباريس وجميع المدن والعواصم الكبرى.

العزلة: زاوية صغيرة يقف فيها المرءُ أمام عقله، حيث لا مفر من المواجهة. (سعود سنعوسي)

بالطبع كانت الأيام الأولى تشبه أيام العطلة عادية جدا لا ملل فيها ولا غرابة لكن ومع كل بيان صادر من منظمة الصحة العالمية عن تفشي وتغول هذا الفيروس المجهول يزداد العالم رعبا، وتمتد أيام العطلة الإجبارية، عطلة ليس عن العمل بل عطلة عن ممارسة أفضل ما يحبه الإنسان وهو الخروج إلى الشارع، عطلة دفعت البعض للإيمان بأفكار لم يكن قبل ذلك يحبذها ربما من بينها وأهمها على الإطلاق فكرة التواصل الاجتماعي عن طريق شبكة الإنترنت ومواقع التواصل التي كانت في الماضي ملعونة متهمة بأنها عامل رئيسي في التباعد الاجتماعي أصبحت هي الأمر الوحيد المتاح للتواصل بعد أن فرض الفيروس على البشر التباعد الاجتماعي حرصًا على سلامتهم.

تغنى الكثيرون من مهاجمي فيسبوك وتويتر وغيرهم بمدى أهمية تلك المواقع، وتغنى الكثيرون بشبكة الإنترنت عمومًا والتي أتاحت فرصة اللقاء والعمل بل والترفيه عن بعد، استطاعت العديد من الشركات إنجاز أعمالها رغم الأزمة، استمر التعليم بفضل هذا العمل العظيم (شبكة الإنترنت).

شهوة المشاركة

لا فرق بين أن تشرك الآخر سعادتك أو حزنك، فالمهم هو المشاركة وحسب (سعود سنعوسي)

يحمل الإنسان -في تصوري- جينات المشاركة، يحب أن يشارك حزنه وفرحه إخفاقه ونجاحه يحب أن يشارك ويدلي برأيه وحتى وإن لم يمتلك رأيا سيدلي بصمته فيقول مثلا (صمتي ليس جهلا ولكن.. ) أي أنه حتى وإن كان يحب الصمت فهو يحب أن يعلن ذلك للجميع حتى أنه يحب الوحدة ويحب أن يشارك ويبوح بذلك، البعض يحب الرياضة ونجوم الكرة فتجد صفحاتهم مليئة بذلك، والبعض يحب الفن والسينما فيشارك بما يحبه، والبعض يحب أن يدلي برأيه السياسي ويحلل ويجادل والبعض يشارك بما يعجبه من كتابات وأشعار والبعض لا يملك شيئا فيلجأ لمشاركات الأخبار الزائفة وأقوال على ألسنة مشاهير لم يقولها أحدهم على الإطلاق، أمور حقيقية نحب أن نشاركها وأمور أخرى زائفة تدفعنا شهوة المشاركة لمشاركتها.

إذن فالمشاركة أمر فطري لن يمنعه عائق مهما كان ربما تتيحها بشكل أكبر مواقع التواصل أو الهواتف الجوالة لكن دائما ما كان يسعى الإنسان لمشاركة الأخبار والأراء والانجازات والاخفافات الشخصية، فالصحف ما هي إلا دعوة لمشاركة الأخبار، والهاتف وسيلة لمشاركة أشياء شخصية لشخص تحب أن تشاركه ذلك، الأفراح الصاخبة والمآتم ما هي إلا إعلان للمشاركة، حتى وإن ضاقت بك السبل تلجأ للدعاء على مواقع التواصل أو ربما تلجأ لأحد الأبراج لتعلن للجميع رغبتك في أن يشاركوا معك لحظة هزيمتك وانتحارك.

كما هو الإنسان وسيظل، لا شيء يغيره حتى وإن اختلفت بعض سماته يحب المشاركة والجدال والهجوم يحب الذهاب لفكرة الرأي الواحد رغم حقيقة أنه متغير الرأي يقول اليوم ما ينتقده غدا وينتقد ما قاله ويسعى للانتصار لرأيه دوما ثم يشعر بالملل واللا مبالاة ورغبة الانطواء، ولكن حتى تلك الرغبة يود أن يشاركها فيعلن بكل أسى إغلاقه لصفحته على موقع التواصل الاجتماعي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد