الشريعة وسؤال الثوابت

في زمن الناس هذا خير ما تسخر فيه الأقلام وعصارات الفكر  الدفاع عن قضية الشرع الرباني الحنيف كون الهجمة التي يتعرض لها ليست بالهينة على مستوى النظر  أو على مستوى التدبير، في هذا المقال سأجتهد بحسب القدرة في بسط بعض المحددات (في أصول الدين والفقه ومقاصد الشرع) التي يستفاد منها معنى ثبوت الشريعة في كثير من أحكامها عكس ما يروج له فكر الحداثة من تاريخية ونسبية أحكامها  مبررين لتلك الأفكار بنصوص وقواعد وكليات من الشرع نفسه من جنس *حيث كانت المصلحة فثم شرع الله * أو من جنس *الشريعة صالحة لكل زمان ومكان*  و*الرأي* و*الاجتهاد* وغيرها من عناوين لو تركت على سجيتها التي رضيها أهل الشرع أنفسهم لهان المشكل لكنها أصبحت ذريعة يتذرع بها الحداثي والتاريخاني ليعود بها على أصل الشرع بالبطلان والفساد , لذا أحببت ان أبسط قضية الثوابت في الشريعة وماهو ملاكها الذي جعلها من رتبة الثابت.

1- التكليف الرباني والتعبد

يقول الراغب الأصفهاني قدس الله روحه (وتلك الجمل من أصول الدين دل وسمها على معناها فهي أصول للدين عقد عليها عزم التكليف وجرى على وفقها الثواب والعقاب ولو فرضنا أنها هي مناط الثواب والعقاب دون غيرها لكان حالنا القول إن عقد القلب على التوحيد والنبؤات والميعاد يلزم منه التكليف بعقد القلب على التوحيد والنبؤات والميعاد، وهذا دور مرتفع، فلزم أن يكون التكليف أعم من مجرد عقد القلب على جمل الدين فحاصل ذلك قولنا إن عقد القلب على توحيد الله والنبوءات والميعاد يلزم منه عبادة الواحد على وفق الشرع الذي بعث به الرسل لكون رسوم تلك الشرائع مناطًا للثواب والعقاب، فوجب أن نكون مكلفين برسوم الشرائع أيضًا).

هذا النص من النظارة الراغب الأصفهاني يؤشر  للمحدد الأول من محددات الثبات في الشرع الحنيف، فهو جملة (أي الشرع) من الأحكام والرسوم والشعائر التي متعلقها مفاهيم توحيد الله واللطف منه بالنبوة والرسل والثواب والعقاب وهي مفاهيم مطلقة متعالية عن الشرطية الزمانية والمكانية عكس القانون المدني الذي ينطلق في فلسفته على التجربة والخبرة والمصلحة، وهي مفاهيم نسبية يعتريها التجديد والتبديل وفق التراكمية المعرفية البشرية، لذا كانت أغلب الدساتير، وهي أعلى المرجعيات القانونية في النظم الحديثة عرضة للتنقيح والتبديل حتى في ديباجاتها وموادها الأساس بعد أي ثورة مجتمعية، أما الشرع فهو وضع أخر مختلف تمامًا عن أية تجربة وخبرة بشرية؛ لكونه وضعًا سماويًا له صفة التعالي والمطلقية لكونه صادرًا عن صاحب الديانة التي نؤمن بها وهو (الله).

وهنا قد يرد اعتراض بالقول إن الشرع نفسه (المتعالي) فتح الباب للخبرة البشرية وتعامل معها وفق ما يقتضيه ويحتمه التطور المتصاعد نحو الأعلى وفق قاعدة المصلحة المرسلة، والجواب هنا من النظارة الفخر الرازي قدس الله روحه، حيث يقول (المصلحة هي المصلحة التي قصدها الشارع الحكيم لعباده من حفظ دينهم وأنفسهم وعقولهم ونسلهم وأموالهم وفق ترتيب معين فيما بينها) فهذه المصلحة التي تعتمد الخبرة البشرية ذاتها مقصودة للشارع وهو الله تعالى، ولا يصح أن يستصلح الله ما يناقض شرعه هذا أولًا , أضف أن الدين وهو كلي من كليات مرتبة الضروريات في الشرع مقصود في ذاته بجلب ما يصلحه ودفع ما يضره وفق قاعدة المصلحة المرسلة، فلو فرضنا مصلحة قولًا كانت أو فعلًا وفيها ضرر متوقع بحيث تعود على كلي الدين بالأبطال وجب تركها لأنها مصلحة تخرم كليًا من مرتبة الضروريات أصالة، وهنا أنتقل إلى القول بأن المصلحة التي تعارض كليًا من كليات الشريعة الضرورية ليست مصلحة حقيقة، بل متوهمة؛ كونها تخرم كثيرًا من قواعد الشرع وقطعياته ومقاصده، والتي لا يصح أن يستصلح دونها، وهذا هو الغالب اليوم ممن يصدر القوانين والأحكام وفق ما يستجلبه من العوائد المجتمعية والنظم التشريعية الغربية مبررًا فعله بالمصلحة التي يكفلها الشرع دون تمحيص وتدقيق فيقع في الخلل والخطل، ثم المكابرة وفرض الأمر الواقع مصادمًا بذلك الشرع نفسه وقطعياته.

2- التوقيف والضبط

ثاني محدد من محددات الثبات في شرعنا الحنيف مفهوم التوقيف.

وهو أي التوقيف كما عرفه الأمدي قدس الله روحه (ما لا يجوز أن يطرقه التبدل والتغير لا بنسخ أو اجتهاد برأي أو قياس ونحوه) ويقول النظارة الغزالي قدس الله روحه (صاحب الشرع ورد بمقادير ورسوم وتخصيص أزمنة وأمكنة دون غيرها وهي في مجملها دين تعبدنا به) وقد رتب الأصوليون على هذا المفهوم قاعدة أن الأصل في العبادات التوقف والحظر ما لم يرد الدليل بالإذن فيها، والأصل في العادات الإباحة ما لم يرد الدليل بالمنع، ولهذا التوقيف أوجه كثيرة في شرعنا، منها: ضبط أوقات الصلاة، وأوقات الحج، وشهر الصوم، وأنصبة الزكوات، وأسهم المواريث بحسب المستحقين، وأركان الحج وأفعاله، ثم هو ضبط عقوبات الجنايات من سرقة وقتل وشرب خمر وقذف وفساد في الأرض ونحوها والناظر لهذه الأوجه  (التوقيفية) في الشريعة يجدها مندرجة في أبواب مختلفة منها ما له علاقة بالشعائر البدنية المحضة من صلاة وصوم، ومنها ما هو متعلق بالشعائر المالية المحضة، كالزكاة، والميراث، ومنها ما هو مختلط بين المالية والبدينة، كالحج، ومنها ما له علاقة بالجانب المعاملاتي الجنائي، كالحدود، والقصاص، ومنها ما له علاقة بالمعاملات الأسرية، كالمواريث، وهكذا، فالتوقيف في شريعتنا ليس مقتصرًا على جانب الشعائر التعبدية المحضة فقط كما يتبادر إلى ذهن المطالع للقاعدة، فيفهم أن أبواب العادات ومنها المعاملات ليس فيها توقيف من الشارع أصالة لكون هذا الشق من القاعدة (الأصل في العادات الإذن) كغيره من قواعد الشريعة، أغلبي، حيث إن غالب أبواب العادات متروك على أصله في الإذن، لكن فيه باب أقلي (لو صح التعبير به)  ليس متروكًا للنظر العقلي، وفق ما تقتضيه المصلحة  أو هو متروك للأخذ بمجاري العرف المجتمعي السائد لكونه (ذلك الوجه من العادات) موجبًا علينا أن نسلك فيه بموجب رسم الشريعة المتعبد بها فيستثنى من تلك القاعدة الأغلبية ولطف الله بالعباد أن جعل كل هذه الأوجه المستثناة من العادات واضحة الدلالة في الكتاب وصحيح السنة بنصوص (أي ما تفيد معنى واحد غير محتمل) ثم ما أجمع عليه الفقهاء فلا وجه للنظر فيها بحال.

3- ما علم من الدين ضرورة

المعلوم من الدين ضرورة أعم في ثبوته من الإجماع كون الأخير يحتاج للنقل وسلامته من المخالف، بينما المعلوم ضرورة اشتهر وأستفاض حتى عمل به في جميع الأزمنة والأمصار المسلمة دون خلاف من أحاد المسلمين، فضلًا عن مجتهديهم ومثاله في الاعتقادات علم أن ما بين الدفتين هو كلام الله دون زيادة أو نقصان أو تحريف أو معرفة أركان الاسلام والإيمان، وأن محمدًا بن عبد الله بعث وهو رسول الله، ومثاله في العمليات عدد الركعات، وقبلة الصلوات، وأمكنة شعائر الحج، والعمل على تطبيق حدود السرقة والخمر والقذف، وتوريث مستحقي الميراث، ونحوها من أعمال، تفيد بمجملها معنى الاستقرار وتلقي عموم المسلمين لها بالرضى والقبول، فلا يجوز تغييرها؛ لكونه خرقًا لما أجمع عليه المسلمون تصديقًا وعملًا.

هذا ما وسعني استقصائه من محددات لثبات الشريعة في كثير من أحكامها وعدم جواز التعدي على تلك الثوابت بشيء من النظر العقلي والتغير والتبديل؛ لكوننا متعبدين بتلك التشريعات بضميمة كونها مصلحة لنا، والله الموفق والهادي إلى سواء الصراط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد