كثّف حمور زيادة أساليبه وتعبيراته وجمله بشكل إبداعي شديد الخصوصية في روايته (شوق الدراويش) فاستحق أن يكون هو أكثر دراويشه شوقًا، ولكن ليس كدراويش المهدي ولكن كدرويش من دراويش الأدب.دط

لم يتوقف كأكثر الكُتاب عند وصف الأماكن وتمضية الوقت والوريقات في وصف جسد وخصال كل شخصية ولكنه جعلها كتجميع قطع البازل المتناثرة طوال ما يقارب الخمسمائة صفحة لتجتهد وتبرز دقتك القرائية والاستنباطية وتظل شغوفًا بسير الأحداث وتقارب الشخصيات وابتعادها طوال الوقت.

بخيت منديل

في الرواية تشعر أن حمور زيادة غير ثابت إن كان يعشق سودانه ويكره من غزاها أم أنه في الحقيقة لا يستطيع أن يعلم كنه شعوره بخصوص السودان وأهلها وتاريخها! كبخيت منديل تمامًا!

بخيت الذي اشتراه الرجل الأبيض (الغازي) ليستمتع برجولة وفحولة الصبي في إشارة إلى إهانة الغزاة البيض وحتى وصف النساء البيض وتأفف السودانيين منهم ومن رائحتهم وعوراتهم النتنة، ثم بعد ذلك في تقاطع مع تلك الفكرة يعشق بخيت، حواء البيضاء المختلفة، وكأنه – حمور – لا يستطيع تقرير ما إذا كان يكره تلك الحضارة الغازية البيضاء أم يحبها بفكرها وثقافتها وعلمها.

فلا يتوقف بخيت عند حبها فقط بل يجعلها تعيش في سودانه آلاف الويلات من إخوانه حتى تُقتل فيبدأ الانتقام لها من إخوان الوطن واللون، كما يفعل حمور في الرواية نفسها حيث يشرح تاريخ تلك الفترة التاريخية من السودان بمبضع ثلم ضاغطًا على كل مساوئها وغير ناظر لأية طاقة نور غير نفسه متمثلًا في بخيت منديل كما كتبت حواء في رسائلها أنه هو الوحيد المختلف في تلك البلاد وكما علمته هي القراءة وقابلتها بلاده بالقتل في النهاية!

شخصية بخيت شخصية غير معقدة بالمرة، شخصية لم يتعب الكاتب في تراكيبها وجعلها شديدة التعقيد وإنما تعب حقيقة في نسج الخيوط والأحداث الخاصة بها وعدم الخروج عن إطار النقاء الروحي بالرغم من قرار الانتقام المفجع والذي ترتضيه كقارئ أثناء الرواية!

حواء

ذكرتني تلك الشخصية بدينيرس تايجاريان في مسلسل صراع العروش الشهير وإن كنت لم أدر لم؟! ربما لبياضها وطيبتها ونقائها، ربما لامتلاكها الهدف والذي من أجله تتخلى عن كل أمر، هدف التبشير لحواء في الرواية مقابل هدف استعادة العرش لدينيرس ونقائها الذي يساعدها في حلقات المسلسل والذي لم يساعد حواء في الرواية قط! إلا في حصولها على الانتقام بعد وفاتها بسبب من أحبها لتلك الصفات!

عندما سأل بخيت حواء ماذا تفعل بكل عصافير الدوري التي يصيدها لها وابتسمت، كنت أتخيل أنها تعطيها الحرية ثانية وترسلها للسماء، ولكن حقيقة أنها كانت تعتصرها بين يديها وتقتلها كانت مفاجأة بالنسبة لي. كانت مفاجأة ولكنها أظهرت لي كيف كانت تتنبأ بما سيحدث لها، كانت هي كل تلك عصافير الدوري التي يتم اقتناصها وكانت لا تستعيد حريتها إلا بالقتل.

شخصية حواء هي الأخرى لم تكن مُعقدة، كانت بسيطة التصرف ولا تحتاج للتفكير فيما أوصلها لذلك، كانت الأحداث التي تحدث لها مباشرة وتأثيراتها أشد مباشرة عليها، لا تترك لك مجالًا أن تفكر في أنها لماذا تقبلت ذلك بشكل مخالف أو بشكل غريب، الأحداث التي لاقتها تؤدي إلى تصرفاتها، هكذا بكل بساطة.

حسن الجريفاوي

يُمثل الجريفاوي الشخصية الوحيدة المعقدة والمركبة في الرواية ذلك الشخص الطيب متوثب الروح لإرضاء الله الذي بمجرد علمه بقدوم المهدية نهض وشارك وقتل تحت لواء المهدي طالبًا رضا الله من خلال الجهاد، ثم يتعثر ولا يدرِي ما حدث لروحه ينكفئ كطالب للجهاد ويصبح شاكًا فيما ترك زوجته وحياته من أجله، تمر أفاعيله عليه ويقارنها بما فعله بخيت منديل، لا يدري أيهما أصدق وأيهما خاض المعركة من أجل الحق وإحقاقه. حوار داخلي نفسي أنهى به حمور زيادة تلك الرواية ليصبح الحوار هو أفضل ما كُتِب جُملةً في الرواية بأكملها!

خيانة يونس لحواء لم تكن منطقية!

ذاك الذي خان وطنه ودينه بالأساس عندما عمل مرشدًا للبعثة التبشيرية داخل السودان، فماذا كانت الفكرة في أن يخونها؟ نقطة ضعف للرواية، لماذا بالأساس أخذها أولًا ثم ظهر الباقون ليأتوا بها ثانية وكأنهم يحتاجون دليلًا. نقطة ضعف أيضًا في البناء الأخير لها، في رأيي لو كان تم القبض على يونس معها وتم قتلهما الإثنان لما فعلاه من محاولة الهرب، لكانت ستصبح أقوى وأصدق من أن يكون يونس متفقًا معهم عليهم ويأخذها للهرب وبعد ذلك يظهرون ويمسكون بها!

الرواية لغة وبناءً تستحق الدرجات العشرة، ودرويشها حمور زيادة يستحق قراءة أكثر وتبصرًا أكبر بأعماله الأخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد