افتتح القرن العشرون صفحته بسقوط أغلب الإمبراطوريات العظمى إن لم تكن كلها. تداعت واحدة تلو الأخرى فذاب بعضها واندمج في كيانات أخرى وتفتت بعضها لدويلات صغيرة وكأن العالم كله كان ينحني في استقبال «سيده» الجديد!

مصادفات أم مخططات؟

هل كانت مصادفة أن يحدث هذا السقوط المتقارب في الزمان والمكان؟ وهل كانت مصادفة أن تسقط رأس الكنيسة  «الأرثوذكسية» في العالم والتي تمثلها الإمبراطورية الروسية القيصرية ثم تتبعها بعد ستة أعوام فقط رأس الخلافة الإسلامية ممثلة في الإمبراطورية العثمانية، وأن تحل الشيوعية «الملحدة» و«العلمانية» المتطرفة بديلًا لكل منهما، وأن يكون العنصر «اليهودي» فعالًا في الحدثين؟

بالطبع لم تكن مصادفة. ومن المؤكد أن كل ذلك لم يحدث فجأة فقد بدأت إرهاصات التفكك والتداعي مع نهايات القرن التاسع عشر تزحف نحو العروش لتهيئ المناخ لثورات «شعبية» متصاعدة، وقد تزامنت تلك الإرهاصات مع إرهاصات نشأة الصهيونية العالمية وإعلانها منظمةً عالمية معترفًا بها من خلال مؤتمرها الأول الذي عقد في مدينة بازل بسويسرا في عام 1897م بزعامة تيودور هيرتزل، تزامنت أيضًا هذه الأحداث مع بزوغ نجم الولايات المتحدة الأمريكية التي استطاعت ليس فقط أن تستقل عن التاج البريطاني ولكن أيضًا أن تقهر هذا التاج وتحتل مكانه وتضع شروطًا وقواعد جديدة للعبة الاستعمار وسيطرة المال.

استنساخ التجربة الأمريكية

وعلى الرغم من دعوات الخروج من الجيتو والتي سبق الحديث عنها في الحلقة السابقة إلا أن الصهيونية العالمية دعت إلى تجمع هذا الشتات اليهودي في بوتقة واحدة أو «جيتو» جديد ألا وهو دولة الكيان الصهيوني «إسرائيل» وقد يرى البعض أن هناك تعارضًا ما بين الدعوتين، ولكن في رأيي أنه ليس تعارضًا إذ إن اليهود حين تحققت لهم السيطرة بشكل ما على العالم الجديد بدأت نشوة الانتصار وخاصة على الصعيد الاقتصادي تحديدًا تغريهم بغزو العالم القديم الذي كان جزء كبير منه ما زال تحت سيطرة العثمانيين وأجزاء أخرى تحت السيطرة البريطانية، وكأنه المارد الذي انطلق من القمقم. انتشرت حركة الهجرة اليهودية في أرجاء العالم كله، وعلى إثر الدعوة التي أطلقها هرتزل لتجميع شتات هذا التشظي اليهودي في أنحاء المعمورة داخل إطار وطن واحد، انطلقت مجموعات البحث الصهيونية للبحث عن هذا الوطن. فتذكر مصادر عديدة منها ما ورد في كتاب «مشاريع الاستيطان اليهودي منذ قيام الثورة الفرنسية حتى نهاية الحرب العالمية الأولى» للدكتور أمين عبد الله محمود، من أن هناك بلدانًا كثيرة كانت تشكل مشاريع بؤر استيطانية ونواة للدولة اليهودية المنشودة وذلك قبل اختيار فلسطين. منها على سبيل المثال وليس الحصر: الأرجنتين، قبرص، أوغندا، الكونجو، أضنة بتركيا، الجبل الأخضر بليبيا، البحرين، وسيناء بمصر!

وفي اعتقادي أن هذا السعي لاختيار بلاد مختلفة قبل فلسطين لم يكن إلا عملية بحث شامل ومسح ميداني لوضع بذور أو دعائم سيتم ربطها ببعضها البعض فيما بعد كشبكة «شايلوكية» عملاقة لتدير مصالح هذه الإمبراطورية. بدليل أن هذه البؤر سيرد ذكرها كثيرًا خلال هذا الحاضر الذي نحياه الآن.

ومما يدعو للاندهاش والتأمل أن هذه المحاولات الدؤوب امتدت عبر مئات السنين ولم تفتر أو يطوِها النسيان والملل والكسل رغم ما باءت به من فشل متكرر وعقبات لا تعد ولا تحصى إلا أنها ظلت مستمرة وتجد في كل عقبة فرصة للوصول إلى هدفها حتى إن الدكتور أمين عبد الله محمود يذكر في كتابه أن هرتزل حاول بمساعٍ عديدة عام 1903م أن يستغل أزمة مالية كانت تعاني منها البرتغال وقتها وحاول أن يشتري أو يستأجر منها أرضًا في موزمبيق ليس لأنها ستؤسس عليها وطنًا قوميًا لليهود ولكن لأنهم قد يسعون فيما بعد لأن يقنعوا بريطانيا بعقد صفقة لمقايضة هذه الأرض بأرض أخرى هي شبه جزيرة سيناء، وهو ما يدل على أن لديهم هدفًا واضحًا ومحددًا منذ زمن طويل لكن لا مانع من السعي إليه بشتى الطرق التي قد نراها نحن بعيدة جدًا عن هذا الهدف بينما يرونها هم «فرصة» قد يستفاد منها فيما بعد!

ومن المؤسف ألا نجد سعيًا مماثلًا من العرب والمسلمين أو حتى محاولات جادة مضادة لهذا السعي الصهيوني، بل على العكس فإننا سنجد من قدم العون والمساعدة لهذا السعي الصهيوني الدؤوب لبناء دولتهم المزعومة، بل لبناء إمبراطوريتهم، إما عن سذاجة وغفلة وإما عن خيانة!

فعلى سبيل المثال، ساهم العالم العربي بإمداد دولة الكيان الصهيوني بالسكان الذين هاجروا من مصر واليمن والعراق والمغرب، ولم يكن ذلك سعيًا من الطوائف اليهودية نفسها فقط ولكن بمساعدة الأنظمة والحكومات مثل ما حدث في مصر في فترة حكم جمال عبد الناصر، حين أمد هذا الكيان الصهيوني بنسبة ليست صغيرة من العنصر البشري من خلال طرد الجالية اليهودية من مصر ومصادرة أملاكهم كعامل دافع للهجرة، ثم تلا ذلك قرارات التأميم التي شملت حتى الشركات والاستثمارات المصرية وبالتالي خضع الاقتصاد المصري لسياسة الدولة التي تبدو في ظاهرها أنها تحارب اليهود ودولتهم المزعومة بينما هي في حقيقة الأمر قدمت لهذه الدولة الوليدة الدعم الديموغرافي لتزداد الكثافة السكانية «اليهودية» على حساب السكان الأصليين لفلسطين، ومن ناحية أخرى جمدت أغلب الصناعات والاستثمارات في مصر والتي كانت تشهد ازدهارًا بالفعل وأخضعت هذا النمو الاقتصادي لسيطرة الدولة التي يديرها حفنة من الضباط غير المؤهلين والذين لا خبرة لهم! في الوقت الذي نقل فيه اليهود كل خبراتهم الاقتصادية والتجارية واستثماراتهم التي كانت على درجة عالية من التفوق إلى هذا الكيان الوليد.

وإحقاقًا للحق لم يكن جمال عبد الناصر وحده هو الذي قدم تلك المساعدات للدولة اليهودية ولكن شاركه عدد من الحكام والمسؤولين في العالم العربي وفي مصر فيما بعد، بل وسبقه أيضًا في ذلك كثير من كبار رجال الدولة والمسؤولين في النظام الملكي حيث كان وقتها هو العصر الذهبي لازدهار الحركة اليهودية والصهيونية في مصر، فيقول الدكتور كامل سعفان في كتابه: «اليهود من سراديب الجيتو إلى مقاصير الفاتيكان»: «وبفضل (القوة) الاقتصادية سهل على اليهود أن يخرجوا إلى الشارع المصري ليعبروا عن فرحهم الغامر بوعد بلفور فتقيم المنظمة الصهيونية حفلًا بمدينة الإسكندرية حضره محافظ الإسكندرية أحمد زيوار باشا، وكبار رجال الطائفة، حيث عرضت مسرحية تمثل معاناة اليهود في روسيا واختتم الحفل بخطاب لجاك موصيري رئيس المنظمة الصهيونية في مصر أعلن فيه أن الصهيونية أصبحت حقيقة واقعة وناشد اليهود في مصر أن يولوا المسألة اليهودية اهتمامهم».

لكن الأخطر مما سبق، ما ذكره الدكتور كامل سعفان في هذا الكتاب أيضًا من أن اليهود سعوا لشراء أراضٍ في كوم أمبو وفي سيناء لإقامة مستوطنات كانت نواة لمشروع دولة صهيونية تم التخطيط لها قبل صدور وعد بلفور. وهو على ما يبدو له علاقة بشكل ما بما تردد خلال الأيام الماضية وعاد للظهور فوق السطح من جديد عن رغبة الكيان الصهيوني في استعمار جزء من سيناء لصالح إقامة دولة لـ«الفلسطينيين»!

فيقول الدكتور سعفان: «وتبعًا لازدياد السيطرة اليهودية على صانعي القرار وافقت الحكومة المصرية برئاسة مصطفى رياض باشا لثري يهودي ألماني يدعى بول فريدمان سنة 1890م على إنشاء مستوطنة يهودية في شبه جزيرة سيناء، كما وافقت الحكومة المصرية برئاسة بطرس غالي سنة 1903م على إقامة مشروع استيطان اليهود بالعريش بدلًا من فلسطين لكن كرومر رفضه خوفًا من أن يؤثر تزويد المشروع الصهيوني بماء النيل على زراعة القطن في مصر»!

ولم يكن رفض كرومر فقط هو العقبة الوحيدة في تحقيق حلم هرتزل حسبما جاء في كتاب الدكتور كامل سعفان، ولكن المؤكد أن الدولة العثمانية والسلطان عبد الحميد الثاني ظلا عقبة كبيرة في طريق الدعوات الصهيونية للوصول إلى حلمهم بتأسيس دولتهم اليهودية سواء في فلسطين المحتلة الآن، أو في «فلسطين المصرية» كما كانوا يطلقون على أرض سيناء المصرية التي سعوا وما زالوا يسعون لضمها لكيانهم المغتصب. والحقيقة أن النيل نفسه كان محط أطماع اليهود منذ وقت طويل، وقد حاول هرتزل عدة محاولات لإيصال مياه النيل إلى سيناء عبر ممرات وأنفاق ليس لصالح سيناء وأهلها بالطبع ولكن لصالح المستعمرة التي كان يحلم بتأسيسها على هذه الأرض لكن محاولاته باءت كلها بالفشل إلى أن حققت معاهدة «كامب ديفيد» حلمه. فإلى أي مدى اكتمل هذا الحلم؟ هذا ما سيكون موضوع الحلقة القادمة بإذن الله فإلى لقاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد