«نحن اليوم لا نحمل سيوفًا، ولا نرتدي دروعًا أو ملابس تعزلنا عن غيرنا؛ ففي بلاد مثل الإكوادور ونيجيريا وإندونيسيا نرتدي ملابس كالتي يرتديها المدرسون وأصحاب المحال التجارية، وفي واشنطن وباريس نبدو مثل موظفي الحكومة والبنوك متواضعين وعاديين، نزور مواقع المشروعات، ونتسكع داخل القرى الفقيرة، نتظاهر بإنكار الذات ونحدث الصحف المحلية عن المشروعات الإنسانية العظيمة التي نؤديها، نغطي طاولات مؤتمرات اللجان المحلية بأوراقنا ومشاريعنا المالية، ونحاضر في كلية إدارة الاعمال في هارفارد عن عجائب المشروعات الاقتصادية الكبرى».

هكذا يتحدث جون بركنز «القاتل» الاقتصادي السابق ضمن اعترافاته في كتابه «الاغتيال الاقتصادي للأمم»، الذي يحكي فيه تجربته المثيرة والكاشفة لحقيقة هذه الإمبراطورية شديدة الاتساع والتوحش، وعمله المؤثر أداة من أدواتها النافذة «قرصانًا» اقتصاديًّا، كما وصف ما كان يقوم به من عمل ضمن منظومة «الكربوقراطية» أي هيمنة الشركات العملاقة وأصحابها على العالم بأسره، والتي أرمز لها في هذه المقالات بـ«شايلوك» تلك الشخصية التي أبدعها «شكسبير»، وبقيت حاضرة على مر العصور وفي كل الثقافات، حتى إن «بيركنز» نفسه يشير إليها أكثر من مرة في هذا الكتاب، كما يحكي في بداية كتابه المهم جدًا والخطير كيف جند من NSA التي هي إحدى فروع المخابرات الأمريكية في هذا العمل القذر، وكيف حددت له إحدى المكلفات بتدريبه مهام وظيفته فيقول: «أخبرتني كلودين أن هناك هدفين أساسيين لعملي، الأول اختلاق مبررات للقروض الدولية التي ستعيد ضخ المال إلى Main وشركات أمريكية أخرى، من خلال مشروعات هندسية وإنشائية ضخمة.

الثاني: العمل على إفلاس تلك البلاد التي أخذت هذه القروض «بعد أن تكون قد سددت ديونها لشركة Main ولسائر المتعاقدين الأمريكيين بالطبع»، بحيث تبقى هذه البلاد مدينة لمدينيها إلى الأبد، وتصبح أهدافًا سهلة عندما تدعو الحاجة إلى خدمات تشمل إنشاء قواعد عسكرية أو تصويت في الأمم المتحدة، أو اتخاذها منفذًا للبترول أو الموارد الطبيعية الأخرى».

ويتضح من اعترافات جون بيركنز كيف تعمل هذه الشركات العملاقة متعددة الجنسيات؛ فهي لا تنتمي لعرق أو دين سوى المادة والمال والنفوذ والمصالح الخاصة التي تبقيها على القمة، والتي ترسخ هيمنتها وتغول مخالبها في أحشاء الدول الفقيرة لتزداد فقرًا ولتزداد هذه الشركات وأصحابها غنى ونفوذًا وتوحشًا، فتزداد الهوة اتساعًا وتتمدد تلك الإمبراطورية وتزداد سيطرتها على مقدرات الشعوب التي لا تملك سوى أن تصبح مجرد تروس صغيرة تدور في فلك تلك الآلة العملاقة، التي تضخ الأموال لثلة من أصحاب الأعمال والنفوذ، الذين يسيطرون على العالم بأسره، فعلى سبيل المثال يطرح جون بيركنز في اعترافاته دولة مثل «الإكوادور» نموذجًا يوضح تأثير هؤلاء القراصنة الذين كان بيركنز واحدًا منهم، وكيف أثر عملهم لصالح إمبراطورية «شايلوك» أو «الكربوقراطية»، كما يتحدث عنها أحد عملائها فيقول بيركنز في كتابه: «كانت تلك البلد الصغيرة تتحول بالتدريج إلى فريسة مثالية للكربوقراطية، تمكنت ونظرائي الكربوقراط إلى الوصول بها إلى وضع إفلاس حقيقي، أثقلنا اقتصادها بديون قدرت بمليارات الدولارات، مقابل تكليف شركات الهندسة والتعمير الأمريكية ببناء مشروعات تساعد عائلاتها الأكثر ثراء، ونتيجة لذلك في تلك العقود الثلاث، ارتفعت نسبة الفقر بين السكان من 50% إلى 70%، وازداد معدل البطالة من 15% إلى 70%، كما ارتفع الدين العام من 240 مليون دولار إلى 16 مليار دولار، وانخفض نصيب الفرد من السكان الأكثر فقرًا من مخصصات الموارد الطبيعية من 20% إلى 6%. وتجد الإكوادور نفسها اليوم مضطرة إلى إنفاق ما يقرب من 50% من ميزانيتها القومية لسداد ديونها».

ثم يقول وهو يتحدث عن الحال الاقتصادي العالمي بشكل عام:

«تذكرت البيانات الإحصائية التي تعبر عن الماضي، ففي عام 1960 كان خُمس سكان العالم في الدول الثرية يحصلون على دخل يفوق خمس سكان العالم في الدول الفقيرة بنسبة 30:1، ثم ازداد البون في عام 1995 حين وصلت نسبة الفارق بين الشريحتين إلى 74:1، في حين ما يزال البنك الدولي، والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وصندوق النقد الدولي، وبقية البنوك الأخرى والشركات المتحدة، والحكومات المنخرطة جميعها في برامج «الإعانات»، تخبرنا أنها تؤدي مهامها وأن ثمة تقدمًا قد حدث!».

بالطبع فإن التقدم الذي تحدثت عنه هذه المؤسسات «الشايلوكية» التي ذكرها جون بركنز، هو التقدم الذي أحرزته في التوغل والهيمنة واقتطاع أرطال اللحم الحي من الدول البائسة الفقيرة، لكن علينا أيضًا أن نذكر أن أوروبا قارة عريقة كانت سابقة لهذه الدول البائسة نحو الفخ نفسه، الذي لم تختره شعوبها، فقد طُبق عليها المنهج «الشايلوكي» نفسه، الذي تحدث عنه جون بركنز في كتابه وبأسلوب لا يختلف كثيرًا عما حدث ويحدث مع دول أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وإفريقيا، وذلك مع بدايات القرن العشرين، وربما قبل ذلك بكثير، حين استمرت الحروب في طحن شعوب هذه الدول التي لم تصبح دولاً بالمعنى الحديث إلا بعد معاهدة ويستفاليا التي سبق ذكرها في حلقة سابقة، ثم اختتمت جولة الحروب بحربين عالميتين، استطاعتا أن تؤسسا نظامًا عالميًا جديدًا تديره حفنة من المرابين، ثم أتبعت الحرب بابتكارات اقتصادية تضمن تكبيل هذه الشعوب بالديون التي تضمن بالتالي لإمبراطورية شايلوك التقدم في سيطرة رأس المال و«تكاثره»، كما وصفه شكسبير على لسان المرابي العتيد «شايلوك» في مسرحيته الشهيرة «تاجر البندقية»، فكان من هذه «الابتكارات» ما سمي بمشروع «مارشال»، والذي كان هدفه المعلن هو مساعدة دول أوروبا في إعادة إعمار ما دمرته الحرب، كي لا تقع فريسة للشيوعية.

أما الهدف الحقيقي فهو الهدف نفسه الذي تحدث عنه جون بركنز حين تم تجنيده، ألا وهو تكبيل هذه البلاد وشعوبها بأكبر قدر من الديون التي تتكاثر وتتوالد أولاً بأول، بحيث تقترض هذه الدول لتسدد وتسدد لتقترض وهكذا، فلم تكن المساعدات التي تحدث عنها الجنرال «مارشال» في خطته منحًا لا ترد، وإنما كانت على شكل قروض لها فوائد تسدد على أقساط، وقد حققت إمبراطورية شايلوك أهدافها من هذه الخطة بالفعل، وأصبحت في نظر تابعيها نموذجًا ناجحًا لاحتواء الدول، وهي العبارة المعلنة أيضًا أما غير المعلنة فهي تحجيم الدول وقولبتها بالقالب الأمريكي، أو فلنقل القالب الصهيوني أو الشايلوكي، وجعلها أمة خاضعة تابعة لهذه الإمبراطورية العملاقة، وما أحدثته الحرب العالمية الثانية تحديدًا في ألمانيا، على سبيل المثال، يعد نموذجًا فاضحًا لسياسة ابتلاع الدول التي تمارسها إمبراطورية شايلوك، فبعد أن كانت ألمانيا إمبراطورية كبيرة اقتصاديًّا وعسكريًّا وسياسيًّا، بدأت في التقلص بعد الحرب العالمية الأولى، ثم حين بدأ هتلر في محاولة بعثها من جديد، واستنهاض أسباب تفوقها مرة أخرى، بدأ «شايلوك» في وضع خطة لاستكمال تدميرها وإبادة سكانها وتهجيرهم، مثلما حدث مع اليابان، بل أن هناك قول يؤكد على أن ضحايا مدن ألمانيا فاق ضحايا هيروشيما ونجازاكي معًا، وقد كانت الخطة هي تدمير الصناعة بشكل تام في ألمانيا، خاصة الصناعات العسكرية وتحويل ألمانيا إلى دولة زراعية رعوية، وتهجير سكانها بشكل غير منظم، وهو ما دعا له مورجانتوا وزير الخزانة الأمريكي «اليهودي» في خطته التي أوردها في كتابه «ألمانيا هي مشكلتنا»، ولكن خطته لم تكن قابلة للتنفيذ بشكل كامل؛ إذ كان يتطلب تنفيذها إبادة نحو 25 مليون مواطن ألماني، كما قال الرئيس الأمريكي وقتها هربرت هوفر، فكان البديل لها هو استنساخ القالب الأمريكي في ألمانيا، وتكبيلها من خلال القروض، واستخدامها سوقًا للمنتجات الأمريكية وذراعًا اقتصادية وعسكرية داعمة لهذه الإمبراطورية، وهذا أيضًا ما حدث مع الإمبراطورية العثمانية بعد تفتتها وتجريدها من هويتها المسلمة وربطها بحلف «الناتو» عضوًا له أهمية بارزة، استمدتها تركيا من الموقع الاستراتيجي المتميز جغرافيًّا وتاريخيًّا وأيديولوجيًّا، وذلك من خلال ما يسمى بمبدأ ترومان الذي منحت أمريكا بموجبه تركيا واليونان مساعدات اقتصادية كبيرة بالحجة المكررة نفسها حينها، وهي حجة السعي للحد من انتشار المد الشيوعي، إلا أن الهدف الحقيقي كان وما يزال هو طي إرادة كل الدول، وإحكام السيطرة عليها.

وللحديث بقية في الحلقة القادمة بإذن الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد