(بعبع) الخلافة

في حلقة سابقة تحدثنا عن (البعبع) الذي تستخدمه الأنظمة المحلية والنظام العالمي كله للسيطرة على شعوب الأرض.. لكن الحقيقة أن هناك (بعبعا) حقيقيا يخيف هذا النظام العالمي، ويؤرقه إلى حد السعي بكل طاقته إلى إخماد أية بادرة تسمح ببعثه من جديد، بالرغم من إجهازه عليه تماما، وتوزيع ميراثه، بل وتقطيع جسده إلى أجزاء منفصلة متصارعة وسعيه لتحويل هذه الأجزاء إلى جزيئات صغيرة.. هذا (البعبع) هو: عودة الخلافة الإسلامية!

ذلك أن الخلافة الإسلامية ليست مجرد كيان أيديولوجي مخالف لأيدولوجية نظام شايلوك العالمي فحسب.. لكنه أيضا كيان يحمل في تكوينه صفة التمدد والانتشار والاستمرارية لفترات طويلة.. فالإسلام لا يؤمن بالقوميات والعرقيات والعصبيات القبلية ولا يحده مكان أو سياج صنعه بشر.. لكنه يؤمن بأمة واحدة تعبد ربا واحدا.. والإسلام دين يرفض العبودية إلا لله وحده وهو من شأنه أن ينزع الخوف والخضوع والذل، كما أن الشريعة الإسلامية تحمل منهجا ثوريا غير قابل للتهجين أو الفصل عن أمور الدنيا، خاصة إذا أسست الخلافة على أسس سليمة من عقيدة التوحيد.

لذلك سنجد أن أكثر ما يثير الرعب في دول الغرب الآن هو الثقافة الإسلامية النازحة مع نزوح ذلك السيل البشري من اللاجئين الذين تحتاج إليهم أوروبا بشدة، وليس عكس ما يصورونه لنا.. ولكن المشكلة الرئيسة تكمن في ذلك الغزو الثقافي الذي سيتسرب إلى مسام الحضارة الغربية الشايلوكية التي طالما سعت وفعلت الأفاعيل، وسببت الأسباب لغزو هؤلاء الغازين الجدد داخل أرضهم.. فهل من الممكن أن يتركوا الأمور حتى تبعث الخلافة من جديد؟

إذًا هي الحرب؟

لذلك حين ننظر إلى قضية قد تبدو لنا سطحية وتافهة لأن يتصدى لها رؤساء حكومات ووزراء ومفكرين وهي قضية البوركيني التي شغلت الرأي العام الفرنسي والعالمي في الصيف قبل الماضي.. نجد أنها بالنسبة لهم تعد قضية جوهرية في ذلك المضمون الذي أتحدث عنه.. فلباس البحر الإسلامي المسمى بـالبوركيني يشكل هاجسا مخيفا حقا للفرنسيين؛ لأنه يقارع النظرية الفرنسية التي طالما غزت بها العالم وهي نظرية الغزو الثقافي والتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية من خلال الموضة، الطعام، الأدب، والفن واللغة.

ومن هنا انبرى وزير داخلية فرنسا الأسبق برنار كزنوف يتحدث عن إن فرنسا تسعى لعلمنة الإسلام فيها والإشراف على مساجدها والرقابة عليها وإعادة تأهيل أئمة المساجد والإسراع بإنشاء أكاديمية لتعليمهم الإسلام الذي تستطيع فرنسا أن تتعايش معه! وكدت أتوقع أن يقول هذا الوزير أنه سيوزع خطب الجمعة على أئمة المساجد أسوة بما يحدث في بلادنا!

لكن المؤسف أن هذا التصريح الوقح مر بسلام دون أن يبدي أي مسؤول مسلم ولو بعض التحفظ.. ولك أن تتخيل عزيزي القارئ: ماذا لو قامت مصر مثلا في فترة حكم الرئيس محمد مرسي بالحديث عن أنها ستخضع مواطنيها المسيحيين لعملية أسلمة أو تأهيل للاندماج في المجتمع المسلم على حد قول وزير الداخلية الفرنسي! ترى ماذا كان سيحدث؟

ولم يلبث مؤتمر الوزير الفرنسي أن ينتهي حتى فوجئنا بمؤتمر آخر برعاية روسيا التي تنتهك الحرمات يوميا في سوريا يصنف المسلمين ويمايز بينهم ويعطي صكوك الوسطية الجميلة للفئة التي اختارها للمشاركة فيه، وينفيها عن فئات أخرى! وذلك من خلال ما يسمى بمؤتمر السنة والجماعة الذي عقد في غروزني عاصمة الشيشان.

وما نشهده الآن من أحداث مفصلية كان آخرها إعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل، وما سبقها من استخدامه أسلوب البلطجة السياسية، ورفع العصا الغليظة لتحصيل الإتاوة من أكبر دولة عربية مسلمة، ثم تفعيل قراراته العنصرية بتقييد هجرة ودخول المسلمين إلى أمريكا، ومرورا بحالة إعتدال التي تمر بها السعودية الآن،  والتي وضع ترامب حجر الأساس لها.. وما يصاحبها من هرولة خليجية وعربية نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني.. بالإضافة لتصاعد الدور الروسي في المنطقة.. كل ذلك ما هو إلا حلقة من مسلسل الحرب على الإسلام وقطع كل الطرق التي قد تؤدي إلى بعث الخلافة الإسلامية من جديد.

ولنتابع هذا المسلسل على ضوء الانقلاب الفاشل الذي حدث في تركيا في شهر يوليو (تموز) 2016، وعلى ضوء أحداث التاريخ القريب والبعيد.. ولنعد بالذاكرة قليلا إلى عام 2014 م لنتابع ما يسمى بأزمة القرم التي نتج عنها إحكام روسيا قبضتها على شبه جزيرة القرم التابعة رسميا لجمهورية أوكرانيا، وبالرغم من كل التفاصيل الخاصة بالشأن الأوكراني وردود الفعل العالمية الكاذبة التي لا تعنينا الآن، إلا أن النتيجة كانت وضع روسيا يدها على هذه المنطقة الاستراتيجية شديدة الأهمية، وهي بالمناسبة نفس المكان الذي عقد فيه مؤتمر (يالطا) السالف ذكره في حلقة سابقة.. وهي أيضا تلك الأرض التي كانت تتبع يوما ما الدولة العثمانية وتسكنها أغلبية مسلمة هُجِر معظمهم قسريا على يد ستالين عام 1944 وتعرضوا للإبادة الجماعية وأشد ألوان التنكيل، وبالإضافة لموقعها المتميز استراتيجيا، فإن أهميتها تكمن أيضا بمواردها الطبيعية الغنية، لكن العنصر الأكثر أهمية بالنسبة لي الآن هو موقعها من تركيا.. إذ إن شبه جزيرة القرم تواجه السواحل التركية من جهة الشمال وتعد الآن أرضا وقاعدة روسية شديدة الأهمية لتمركزها في البحر الأسود، فإذا ما نظرنا إلى باقي الخريطة سنجد أن تركيا محاصرة الآن بكل بؤر التوتر والصراع والتربص مثل العراق وسوريا في الجنوب الشرقي، ومن الشرق إيران، وفي مواجهتها على الضفة الأخرى من ساحل البحر المتوسط من الجنوب مصر الانقلاب، التي تسعى أيضا لتدشين شراكة روسية على غرار نظام الأسد في سوريا، كما أننا سنجد ليبيا بحالتها المضطربة، وتصارع كافة الأطراف فيها، وعلى رأسهم الإمارات وكيلا عن إمبراطورية شايلوك، أما من ناحية الغرب، فسنجد بلغاريا التي كان يربطها بتركيا علاقات طيبة، فإذا بهذه العلاقات تتبدل ليصل الأمر في النهاية إلى طرد السفير التركي بسبب حجج غريبة ومريبة، منها أنه يمارس الطقوس الإسلامية، ويتعامل مع أئمة المساجد هناك؛ مما يعد نوعا من التدخل في الشأن البلغاري!

كل هذه الأحداث تثبت أن هناك تحرشا ما يجهز لتركيا ومحاولة وضعها في موضع الـ(كش ملك)؛ حتى تقطع الطريق على أردوغان، إذا ما فكر في تنفيذ ما خطط له من قبل في إحياء تراث الدولة العثمانية وبعث روحها من جديد.. بل تشكل بشكل عام تهديدا كبيرا وأداة ضغط على أهم وأكبر المعاقل السنية وآخرها في المنطقة.

الإنسان هو الحل

في عام 2010م عقد في إدنبرة بإسكتلندا المؤتمر العالمي التبشيري، وذلك احتفالا بمرور مائة عام على انعقاد نفس المؤتمر في نفس المكان، لم يكن مؤتمر 1910 هو المؤتمر الأول، لكنه كان الأكبر والأهم، وتأتي أهميته من حيث المنهج الذي أوصت به اللجان المؤسسة للمؤتمر، والذي كان هدفه الرئيس تنصير الشعوب، وخاصة الشعوب المسلمة، واستخدام هذا المنهج؛ ليكون الركيزة التي انطلقت منها الحركات الاستعمارية في إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا، لذلك سنجد أثر هذا المؤتمر واضحا على توصيات المؤتمر الاستعماري الألماني الذي عقد بعد سنوات قليلة من مؤتمر أدنبره.. فقد كتب سكرتير جمعية التبشير في برلين (م. ك. اكسنفيلد)، وهو في ذات الوقت صاحب التقرير المختص بالملف الإسلامي في هذا المؤتمر.. يقول:

(إن نمو ثروة الاستعمار متوقف على أهمية الرجال الذين يذهبون إلى المستعمرات، وأهم وسيلة للحصول على هذه الأمنية إدخال الدين المسيحي في البلاد المستعمرة)!

وقد جاء في كتاب (الغارة على العالم الإسلامي) الذي وردت فيه هذه الكلمات السابقة أن هذا المؤتمر اجتمعت فيه عدة دول كان على رأسها أمريكا، وكانت تخصص وحدها ميزانية سنوية للتبشير تقدر بنحو أكثر من 2 مليون جنيه، وهو مبلغ ضخم في هذا الوقت.. كل ذلك كان سعيا نحو تغيير العقيدة التي تقف عقبة كبيرة أمام المحاولات المستمرة لابتلاع هذه الأمة.

ومما سبق يتبين لنا أن تغيير العقيدة.. العقيدة الإسلامية تحديدا.. كانت أحد أهم الأهداف والوسائل للقوى الاستعمارية، ولنا أن نعرف أن أحد أهم المؤسسين الذين ترأسوا مؤتمر أدنبرة التنصيري الذي عقد عام 1910 كان آرثر جيمس بلفور صاحب الوعد المشئوم الذي منح بموجبه ما لم يملكه لمن لا يستحقه!

لقد عرف هؤلاء الاستعماريون مفاتيح هذه الأمة وعرفوا كيف يستحوذون على هذه المفاتيح في حين أننا تغافلنا ومنحنا لهم هذه المفاتيح عن طيب خاطر ظنا منا بأننا نسعى للتحضر والتطور الذي وصلوا إليه!

لكن الصورة ليست كلها مظلمة فما زال هناك بعض الضوء.. فتتار القرم ما زالوا يعيشون مستمسكين بعقيدتهم، بالرغم من كل وسائل التنكيل وحملات الإبادة الجماعية.. وما زال الفلسطينيون يقاومون وشعوب الأمة الإسلامية تتوحد معهم على نصرة القدس وغيرها من المقدسات الإسلامية، ولو كانت محاولاتهم الحثيثة لتغيير عقيدة المسلمين قد أتت أُكلها ما افتعلوا الحروب ولا سعوا للتغيير بذلك القدر من التدمير المتعمد وابتكار كيانات مخابراتية متعددة تفتح لهم باب الهجوم على الإسلام والمسلمين، سواء على أرض الواقع، أو عبر أدواتهم الإعلامية.. وقد أثبتت لنا محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في تركيا، وتصدي الشعب التركي لها أن الوعي السياسي والثقافي والإلمام بما يدور من حولنا يعد السلاح الأول في منظومة الدفاع في مواجهة أعداء هذه الأمة، ولا ينفصل هذا الوعي بأية حال من الأحوال عن الوعي الديني والارتباط الوثيق بتعاليمه والانتماء الواثق الصادق بهويتنا الإسلامية.. فذلك كله من شأنه أن يسد الثغرات التي قد ينفذ شايلوك من خلالها.

ولك أن تتخيل عزيزي القارئ كيف سيكون العالم حال فراغه من ساكنيه! ماذا سيستفيد شايلوك ومؤسساته من مساحات حقول النفط الشاسعة وجبال الذهب والفضة إن لم يكن هناك بشر؟ كيف يستشعر القوي بنفوذه وطغيانه إن لم يكن هناك شعوب يستضعفها؟ كيف يستثمر صاحب المال إن لم يقدم استثماراته لمستهلكيها ومستخدميها؟

إذًا فالشعوب جزء أصيل جدا وأساسي في المعادلة الصعبة، واحتياج شايلوك للإنسان أقوى من احتياجه لكنوز الأرض وأسباب النفوذ والسيطرة.. لكن الإنسان الذي يحتاجه شايلوك ليدعم بقاء إمبراطوريته إنسان قابل للتشكيل والانحناء أمام كل وسائله الجميلة والقبيحة.. إنسان لا يؤمن بأن هناك قوة أكبر من قوة شايلوك، إنسان نزع عن نفسه كل الدروع والحصون التي تحفظه من قهر الخضوع والاستسلام لسهام الرغبة والرهبة التي يصوبها نحوه شايلوك كل لحظة.. إنسان لا ينظر إلا لموقع قدميه، ولا يفكر إلا في حاجته المادية اليومية.. إنسان استسلم تماما لإرادة غيره وقبل بدور المفعول به لا الفاعل.. نسأل الله العلي القدير أن نستقيظ من غفوتنا وغفلتنا ونستمسك بعقيدتنا وثوابتها وأن نعي جيدا ما يدور من حولنا، وأن نتعلم من أخطائنا وأخطاء من سبقونا، وأن نستوعب التجارب الناجحة في تاريخنا، ونتأسى بها، وكذلك تجارب الأمم الأخرى وننتفع بها.

أشكر لكم تفاعلكم، وأعتذر عن أي ملل قد أصابكم، وعن أي خطأ قد ورد خلال هذه الرحلة، وأسأل الله تعالى أن يغفر لنا أخطاءنا، ويتقبل منا نية الاجتهاد والسعي نحو ما ينفعنا وينفع أمتنا إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد