«لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا» 82 المائدة

هكذا قالها الله تعالى في كتابه الحكيم، كلمة صريحة لا تحتمل كثيرًا من التأويل وهي كلمة: «اليهود» في حين أنه ذكر «بني إسرائيل» في مواقع كثيرة من آيات القرآن الكريم لتشير إلى ذرية يعقوب عليه السلام لذلك فإن هناك ثمة اختلاف بين اليهود وبني إسرائيل، وقد أشار الدكتور جمال حمدان في كتابه «اليهود أنثروبولجيا» أن سلالة بني إسرائيل تكاد تكون قد اندثرت تماما ولم يعد لها أثر في عصرنا الحالي وأن اليهود الحاليين ليس لهم أي صلة ببني إسرائيل وإنما هي قبائل تهودت وادعت كذبا أنها شعب الله المختار وأنها تستحق سيادة وزعامة البشرية وأن باقي شعوب الأرض على اختلاف عقائدها وأجناسها ما هم إلا كائنات خلقها الله تعالى لخدمتهم كالأنعام وبالتالي يحق لهم استعبادهم والسيطرة عليهم، وقد نص التلمود الذي كتبته أيديهم على ذلك بل وأباح لهم مع غيرهم كل ما حرمه بينهم أي أن القتل حرام بين يهودي ويهودي لكنه حلال إذا قتل يهودي غير اليهودي وكذلك الربا وكافة المحرمات.

هل لليهود صفات خارقة؟

لذلك حين أتعرض لشايلوك كرمز لفئة ما وكذلك لليهود وما يتعلق بمجتمعاتهم أو بعلاقاتهم تجاه المجتمعات الأخرى ومنها بالطبع مجتمعاتنا العربية المسلمة، سواء كان ذلك فيما قدمته في الحلقات السابقة أو ما سأقدمه في الحلقات التالية ما هو إلا بقعة ضوء أحاول أن أشير بها نحو كيان معين لا نتعامل معه بعنصرية مقصودة أو نتوجه نحوه بالعداء غير المبرر ولا أيضا أدعي لهم صفات خارقة استطاعوا من خلالها أن يقولوا للشيء كن فيكون كما قد يتصور البعض ولا هو أيضا ادعاء بملائكية المجتمعات المسلمة وتصويرها في موضع الضحية دائما دون أن يكون لها يد فيما يحدث وإنما هي إشارة لطبيعة تكوين ومعتقدات وفكر تلك الجماعة وكيف أنهم استطاعوا عبر زمن طويل أن يكرسوا جهدهم لهدف معين هو السيطرة على العالم بأسره وذلك من خلال استغلال نقاط الضعف في أغلب البشر من الأمم الأخرى بالإضافة إلى الأخذ بأسباب النجاح الدنيوية وهذا أمر لا ننكره. وبالتالي فعلينا كمجتمعات عربية مسلمة أن نعي تماما ما يحدث من حولنا وأن نتأمل فيمن يديرون هذه الأحداث فقد تتكشف لنا عيوب وأمراض مجتمعاتنا وكذلك هو نوع من الأخذ بمبدأ الحذر الذي أشار الله تعالى لنا به كما جاء في الآية الكريمة السالف ذكرها.

الدولة الحديثة هل هي تطور لفكرة الجيتو؟

ذلك أن كثير من المستحدثات في عصرنا الحالي والتي أصبحنا نتعامل معها وكأنها ثوابت أساسية لا تقبل النقاش هي في أصلها أفكار نشأت من خلال هذه الهيمنة «الشايلوكية» أو هي بعض صادرات الفكر اليهودي للعالم بأسره فعلى سبيل المثال عاش اليهود على مر العصور متقوقعين على ذاتهم متحصنين بالعزلة وبناء الجدر بينهم وبين من حولهم من الأجناس الأخرى وذلك رغم حاجتهم الشديدة للتفاعل مع الأقوام الأخرى لأنهم على مدى العصور كانوا يمتهنون مهنا محددة تتعلق بالتجارة وأعمال الصرافة والربا فبالتالي هم يحتاجون لأن يختلطوا بهذه الأقوام المختلفة، ولكن لأنهم كانوا متخصصين في أساليب الدس والوقيعة والأعمال القذرة بالإضافة لاستغلال حاجة الناس من خلال أعمال الربا فإنهم كانوا دوما مكروهين من قبل الشعوب الأخرى لذلك عاشوا دوما متقوقعين داخل ما يسمى بـ«الجيتو» وهي مناطق يعيشون بها وحدهم مثل «حارة اليهود» في مصر على سبيل المثال، ولكن في فترة زمنية ما إبان عصر النهضة ومع الثورة الاصلاحية وبزوغ فجر البروتستانتينية وانتشارها ظهر أيضا اتجاه إصلاحي داخل الكيانات اليهودية دعت إلى الخروج من هذا «الجيتو» وإلى الانفتاح على المجتمعات الأخرى والاختلاط بها بل والذوبان فيها بشكل ما كما حدث مع المسيحية وتهجينها بكثير من المعتقدات اليهودية وابتكار عقائد جديدة مثل البروتستانتية واللوثرية والكالفينية التي انتشرت في مناطق شاسعة في أوربا مما أحدث نزاعات عنيفة عديدة كان أكثرها دموية وشراسة تلك الحرب التي امتدت ثلاثين عاما ثم انتهت بعقد صلح بين هذه البلاد ومن ثم تقسيم أوروبا إلى دول مستقلة وذلك فيما يعرف بمعاهدة ويستفاليا، ومن هنا نشأت القوميات ذات الحدود والأسوار، وكذلك القوميات العرقية وقوانين الجنسية ونشأ الانتماء إلى الدولة الوطنية وهذا رأي أقتبسه من الدكتور عزمي بشارة، الذي يرى أن تكريس فكرة الدولة وتقديسها هو الذي دعم فكرة سيطرة الدولة على الدين وليس العكس أي أن العلمانية التي كانت مجرد فكرة طرحت ضمن ما سعت إليه الدول لنشر قيم جديدة أسست لها معاهدة وستفاليا والرأي ما زال للدكتور عزمي بشارة، هذه العلمانية كان هدفها سيطرة الدولة على الدين وليس تحييدها وبالتالي رسخت فكرة علماء الدين الذين يتحدثون نيابة عن الملك أو الرئيس أو الإمبراطور باسم الدين، أي أنها قللت من سطوة الكنيسة وعظمت من شأن النظام الحاكم.

وفي رأيي الشخصي أن ما أفرزته معاهدة ويستفاليا من تقسيم أوربا لدول عديدة وتأسيس مبدأ الحدود الفاصلة لكل دولة من دول العالم فيما بعد هو في حد ذاته نفس المبدأ اليهودي الذي أسلفت ذكره في السطور السابقة وهي فكرة «الجيتو».

وللأسف أريد للأمة الإسلامية بوسائل شتى وخضعت الشعوب المسلمة سواء عن غفلة أو عن ضعف لهذه الإرادة وتأثرنا نحن المسلمون بهذا الاتجاه الذي فتت الأمة الواحدة وجعل منها عدة دول تتنازع وتتصارع فيما بينها وترسم الحدود وتقيم المعابر وتسعى لإحكام السيطرة عليها وإغلاقها في وجه أبناء الأمة الواحدة وتشارك في الحصار المفروض عليها تحت دعاوى استحدثت على إثر هذه المفاهيم المصدرة إلينا والتي رسخها الاستعمار مثل دعاوى الأمن القومي وحماية الحدود، إلخ، وبالتالي أصبحت قيم الوطنية والنعرات العرقية والتصريحات الشوفينية التي تعظم من شأن القوميات والعرقيات والجنسيات المستحدثة التي تحث الشعوب على تقديس ذلك «الجيتو» الذي يكرس الانتماء إلى حدود وتراب وورقة هوية يصدرها النظام الحاكم ليمنح الفرد أحقية بالبقاء والعيش داخل تلك الحدود والأسوار، وما بين هذه الحدود و«الجيتوهات» يحق لكل الأنظمة أن تقنن وتقيد وتسعر وتسلع خطواتنا وحركاتنا وسعينا الذي أمرنا به من الله عز وجل، والذي لولاه ما اكتشفت الحياة على هذه الأرض ولا اُكتشف العالم الجديد نفسه الذي انطلق منه ذلك المارد الذي استطاع أن يُحكم سيطرته على العالم بأسره ويؤسس إمبراطوريته العظمى ألا وهي إمبراطورية شايلوك.

أمريكا مشروع «الجيتو» الأكبر في العالم

مع اكتشاف القارة الأمريكية كما ذكرنا في حلقة سابقة سعى اليهود واليهود المسيحيون أو الطوائف المسيحية الصهيونية مثل البروتستانت وغيرها من الطوائف الأخرى إلى الهجرة بشكل مكثف نحو «أرض الميعاد الأولى» أي إلى أمريكا وفي هذا الصدد يقول الدكتور محمد السماك في كتابه الصهيونية المسيحية: «كذلك كان لهجرة أتباع الدين الجديد من البروتستانت والتطهيريين آثار مباشرة على بلورة الشخصية الأمريكية بالصورة التي تقوم عليها حتى اليوم.

المهاجرون الأوائل أعطوا أبناءهم أسماء عبرانية (إبراهام، سارة، أليعازر… إلخ) وأطلقوا على مستوطناتهم أسماء عبرانية (حبرون، سالم، وكنعان… إلخ) وفرضوا تعليم اللغة العبرية في مدارسهم وجامعتهم حتى أن أول دكتوراه منحتها جامعة هارفارد في العام 1642 م كانت بعنوان العبرية هي اللغة الأم وأول كتاب صدر في أمريكا كان سفر المزامير psalm وأول مجلة كانت مجلة اليهودي».

ثم يذكر الدكتور السماك في موقع آخر من كتابه وحسب إحصاءات ترجع إلى عام 1982 أنه يوجد في أمريكا أكثر من 76 مليون بروتستانتي ينتمون إلى 200 طائفة وأكثرهم مغالاة في اتباع الصهيونية هي الطائفة «التدبيرية» و يبلغ عدد أتباعها نحو 40 مليون وتعرف المجموعة بالأنجلوساكسون وتضم الشخصيات الأبرز في المجتمع الأمريكي سياسيا واقتصاديا وتربويا وإعلاميا وعسكريا «حسب عام 1982».

أصحاب السبت والعقيدة «الشايلوكية»

مما سبق نستطيع أن نعرف من يسيطر على العالم الآن ومن يتحكم به وما هي طبيعة تكوينهم وكيف يفكرون، مهما تغيرت الإدارات والحكومات والأنظمة ومهما ادعت هذه الدول أنها علمانية لا تتعصب لدين معين إلا إنها في حقيقة الأمر تسعى لعلمنة الشعوب فقط أما من يسيطر على زمام الأمور فيها فلابد أن يكون له علاقة بشكل أو بآخر بهذه العقيدة «الشايلوكية»، أقول الشايلوكية تحديدا لأن أغلب أتباعها من الساسة بشكل خاص ورغم ما يدعونه من إيمانهم بأن ما يفعلونه نابع من أوامر «إلهية» كما زعم جورج بوش الابن في وقت من الأوقات حين أراد أن يغزو العراق على سبيل المثال، رغم ذلك إلا أنهم لا يؤمنون إلا بدين واحد وهو المصالح المادية البحتة والنفوذ الاستعماري وسيطرة رأس المال على الأمم والشعوب.

وقد أرانا الله تعالى نموذجا قد نستطيع أن نبني عليه رؤيتنا لهم في قصة أصحاب السبت التي ذكرت في القرآن الكريم حين تحجج هؤلاء القوم بأنهم لا يوفون عبادتهم لله الواحد الأحد حقها لأنهم يسعون على أرزاقهم وطلبوا من الله أن يمنحهم يوما يخصصونه للعبادة فقط فلما أراد الله تعالى أن يختبرهم بزيادة كم الأسماك في هذا اليوم تحديدا، انشغلوا أيضا بهذا الرزق عن عبادتهم لله بالحيل التي اعتادوا عليها وكأن الله لا يعلم ما تخبئه أنفسهم وكأنهم يستطيعون أن يخدعوا الله سبحانه وتعالى بوسائلهم الملتوية، وللأسف طغى هذا التحايل على المعتقدات بين الجميع وليس أصحاب السبت وقوم «شايلوك» وحدهم حتى من يدعون الإيمان بأفكار دنيوية عصرية مثل العلمانية أو الليبرالية أو حتى الماركسية والاشتراكية، فكانت بالنسبة لهم مجرد شعارات وأفكار نظرية أما الواقع فلم يكن إلا ترجمة وتطبيقا لعصور الجاهلية الأولى وذلك ما ستتناوله الحلقات القادمة فإلى لقاء آخر بإذن الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد