لم تكن المرة الأولى ولكن كانت الأكثر استفزازًا، ذلك أثناء الإنصات لخطيبٍ مزمجر الصوت، حاد الكلم، واثق العبارة وهو يشدو: «أعجب لحال نساء المسلمين اليوم، لا تكاد تجد ملتزمة بالزي الشرعي في الشارع، كل إلي بتشوفوهن هدول (كَبْ في النار)»!

لم تكد جذوة الاستفزاز تنطفئ إلا وصادفني فيديو على اليوتيوب معنون بـ(أسد السنة يزأر) ففتحت أسوار الحديقة، فوجدته يتلوى: «منتقبات سافرات، ومحجبات متبرجات، والعباءات مفصلات وكاسيات عاريات، (إنهن والله حطب جهنم)» !

أمام هذه الجرأة الغريبة على توزيع تذاكر الجنان والنيران، أستحضر موقف أبو حنيفة -رحمه الله- حين سألوه عن جنازتين بباب المسجد إحداهما لرجل شرب الخمر حتى كظرته فمات غرقًا فيها، والثانية لامرأة زنت فلما علمت بحملها قتلت نفسها. فقالوا له هل هما في الجنة أم النار؟

فكان رده: فإني أقول فيهما ما قال نبي الله إبراهيم في قوم كانوا أعظم جرمًا منهم:

{رب إنهن أضللن كثيرًا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم} إبراهيم 36

لم يطلق حكمه على اثنين قاما بكبيرتين من كبائر الأمور وذكر رحمة الله التي وسعت كل شيء!

أين محترفي الافتاء من موقف أبي حنيفة؟!

ما يلفت الانتباه بشكل خاص فيما سلف، النظرة العجيبة للنساء!

فتكاد تشعر أن المرأة ستحاسب فقط على لباسها مع تهميش ما فعلت من سيئات وحسنات!

وتصديقًا لهذا المبدأ، استمع لشيخ يتحدث عن ظاهرة المعاكسات أو المصطلح الأوسع (التحرش)..

ستفاجأ به يقول القول الفالج الشهير: «لا يلام القط إذا ترك اللحم مكشوفًا!».

ما أروع التشبيه شيخي العزيز، نعم إن من تذكره حيوانيته تفوقت على آدميته.

إن هذا القول الدارج يلقي اللوم على الضحية ويبرر للجاني فعلته الحقيرة الشنعاء، ولشدة الكارثة تجد إجماعًا مجتمعيًا على ذلك!

لكن مهلًا لحظة، هل يقصد الشيخ أن اللباس الساتر يقي صاحبته من مضايقات (القطط)؟!

لك أن تتخيل يا عزيزي أن أعلى معدل للتحرش في العالم في أفغانستان!

تلك الدولة التي ترتدي 99% من نسائها (الخيام) حرفيًا لا يظهر منهن شيء إطلاقًا!

إن كان لذلك دلالة فهي أن أصل المرض في القلوب والعقول وأنه لا مجال للتبرير لحيوان حيوانيته!

أما الدين الحنيف فلا خلاف أنه أمر المرأة بالستر، ولكن أمر الرجل بغض البصر وهو ما بينته آيات سورة النور (30 و 31)

ولم يرتبط التزام الرجل بغض بصره، بالتزام المرأة بأمر الستر فكل سيحاسب منفردًا يوم الحساب، فلا تبرير لقطك ما وقع منه من ذنب فعدِّل اعوجاج خطابك يرحمك الله.

واستمرارًا لمسلسل العبث، ملأ بعضهم الجدران بغثاءٍ سولت له نفسه نسبه للرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم -، بالتأكيد لفت بعضها انتباهك يومًا وأشهرها الآتي:

1- «ما من امرأة استعطرت فمرت بقوم فوجدوا ريحها، كتبت عند الله زانية» رواه الترمذي وقال الألباني (موضوع)!

فأي منطق يساوي بين معصية التعطر وكبيرة الزنا!

إنه منطق أعوج لا يجوز نسبه إلى الحكم العدل -سبحانه وتعالى-

2- «ما من امرأة اكتحلت لغير زوجها، إلا حرمها الله من ريح الجنة».

في الحقيقة بحثت كثيرًا عن راوٍ لهذا الحديث فلم أجد!، والبادي أن من خطه على الجدران أراد إصدار فتوى لزوجته فقام بالتأليف عن رسول الله!

علمًا أنه لم يرد ما يحرم الاكتحال على المرأة!

فهذه الفئة المغالية تتناسى قول الرسول: «من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» متفق عليه.

همسة في الأذن للشيوخ الأكارم

إن شريعة الدعوة إلى الحق والخير حدد الله لها أسلوبًا فقال تعالى:
〈ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ〉 النحل 125

ومنهاج التكفير والتحقير والزج في النار هو منهاج قوم سابقين كانت صكوك الغفران والحرمان بين أيديهم، وكلنا نعرف كيف كانت خاتمتهم!

أما منهاج الله مع العصاة من عباده يذكره في قوله تعالى:

〈وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ〉 آل عمران 135

في الختام..

نظرة المجتمع للمرأة فيها قصور وإجحاف،

ولن يرتقي مجتمع يشعر ابنه بالعار من اسم أمه!

لن يرتقي واسم زوجتك في بطاقة الزفاف مقتصر على حرفها الأول!!

سنستمر في الانحدار طالما تقتل فتاة لأنها زنت بحجة الشرف والله وضع حدها 100 جلدة!

إن هذه السلوكيات وغيرها ليست من الإسلام في شيء ويقول أحمد شوقي في هذا السياق:

قم حي هذي النيرات حي الحسان الخيرات

هذا رسول الله لم ينقص حقوق المؤمنات

العلم كان شريعة لنسائه المتفقهات

رضن التجارة والسياسة والشؤون الأخريات

ولقد علت ببناته لجج العلوم الزاخرات

هدانا الله وهداكم وثبت على طريق الحق خطانا وخطاكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

هي
عرض التعليقات
تحميل المزيد