أخذوها عنوةً، في العتمة ودون سابق إعلام، إلى حيث بقسوة يضربون، وبالتيار المتغير يصعقون، ثم بالاغتصاب يُهددون. أخذوها البنت معصوبة العينين ومكبّلة اليدين. عذّبوها كدأبهم مع اللائي سبقنها، ثم تركوها لهوس الجدران المظلمة والإحساس المرّ بالظّلم وجور الحكّام. هم لديهم السلطة، الأصفاد وسجنٌ باردٌ للنساء، وهي لا تملك سوى تغريدات شبه منسيّة وحلم لوطن. وهم مع كلّ هذا الظلم لم يتركوا للوطن معنى في القلوب الصّغيرة المُحِبّة للحُرية والسلام. هي لجين، وهم الجلادون.

يضربوهن بلا رحمة، ويتجاوزون عليهن بلا شرف، خصوصًا المسكينة لجين، تعهدها الكلاب نهشًا، هذا بعض ما ورد في تغريدة على «تويتر» للكاتبة الصحافية السعودية ريم سليمان، اللاجئة في هولاندا بعد أن فرّت من جحيم المعتقلات في بلدها، وهي التي لم تستوعب بعد كلّ ما حدث معها في السِّجن وكلّ ما لم يحدث.

لعلّ ريم، التي خرجت من وطنها مذعورة، لم تبُح بكامل أسرار محنتها، وعمّا رأته من شناعات ومشاهد مفزعة في المعتقل، غير أن كلماتها المنتقاة صوّرت المشهد كله. صوّرت بُؤس الجدران، الجلادون، لجين وما تبقّى من وطن. وجاءت الصورة بألوان بائسة، قاتمة وشبيهة برسم سريالي. فلجين الهذلول اعتقلت أول مرة في ديسمبر (كانون الأول) 2014 بسبب قيادتها للسيارة، ورغم أن المملكة أصدرت قرارًا يبيح للنساء القيادة، فإن السلطات اعتقلتها مرة أخرى وأودعتها السجن دون سبب واضح. ويقول العارفون بالشأن السعودي أن المشكلة الحقيقية للنظام هناك ليست مع قيادة النساء للسيارة، أو مع الفساد المالي، وإنما مشكلته مع كل نفس توّاقة للحرية يحاول انتقاده. وما كثرة الاعتقالات إلا دليل واضح على النهج الاستبدادي للسلطة تحت إمرة محمد بن سلمان الرّافض لأي إصلاح حقيقي لنظام الحكم.

شقيقتها علياء الهذلول، كتبت مقالًا نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» ذكرت فيه نقلًا عن والدها، أنّ لجين تعرّضت للتعذيب في السّجن٬ تضمّن إيهامًا بالغرق وتحرّشًا جنسيًّا تحت إشراف سعود القحطاني المستشار السّابق لولي العهد وأحد أبرز المشتبه بهم في تدبير عملية اغتيال الصحافي جمال خاشقجي. العملية الشنيعة التي هزت العالم وفتحت الأعين على ما يجري داخل المملكة من انتهاكات فظيعة لحقوق الإنسان. الإغتيال الذي عرّى النظام السعودي أمام شعبه، وبقية الأمم، ونزع عنه ورقة التّوت الأخيرة المتمثلة في إصلاحات ابن سلمان الاجتماعية ورُؤيته المزعومة كما عرّى إدارة البيت الأبيض التي راهنت عليه من أجل ضمان مصالحها في المنطقة.

الإدارة الأمريكية صاحبة اليد الطولى في الشأن السعودي على المستويين الداخلي والخارجي تجد نفسها في حالة غير مسبوقة من الإحراج سببته سياسة غض الطرف عن نظام استبدادي مشبوه مقابل صفقات سياسية واقتصادية تصب جلها، إن لم تكن كلّها، في مصلحة الطرف الأمريكي. بدءًا من صفقة القرن التي راهن عليها الرئيس ترمب لطي صفحة القضية الفلسطنية، وليس خافيًا عن أحد الدّعم الكبير الذي يلقاه من وليّ العهد السّعودي. كما أن سيّد البيت الأبيض، المثير للجدل باستمرار والذي لم يفلح في التخلص من قبعة رجل الأعمال، ما فتئ يتبجح بحصول بلاده على صفقات اقتصادية مع المملكة بمئات المليارات من الدولارات في ابتزاز مفضوح لحكامها وثمنًا لصمته عن ممارساتهم القمعية. وقد استفاق الكونجرس الأمريكي أخيرًا وبرزت أصوات تنادي بإطلاق سراح معتقلي الرأي الذين لم يحاكموا بعد، أو الذين أجريت لهم محاكمات صورية يخجل العدل من نسبتها إليه. فهل يستفيق البيت الأبيض، ويضغط على ابن سلمان ليطلق سراح لجين ورفاق محنتها؟

إنّ سياسة ترمب الخارجية ووصول ابن سلمان إلى السلطة عاملان حاسمان في ارتفاع وتيرة قمع المعارضين السعوديين رجالًا ونساء. فالأول لا يبالي بالقيم الأمريكية، والمُثل العليا التي رسمت في حدها الأدنى على الأقل، طبيعة العلاقة مع دول الشرق الأوسط على مدى عقود طويلة حين لم تتردد الإدارات السّابقة في توجيه اللوم والتنديد أحيانًا لمنتهكي حقوق الإنسان. أمّا الثاني فاعتلى سدة الحكم متجاوزًا كل أعراف وتقاليد العائلة الحاكمة في حالة من الجموح وقلة الخبرة مع نزوع مخيف للاستبداد والقراءة الخاطئة لمجريات الأمور، سواء فيما يتعلق بشؤون بلاده الداخلية إذ لم يتردد في حبس أبناء عمومته وابتزازهم والتضييق عليهم، فضلًا عن قيامه بحملة اعتقالات غير مسبوقة لرجال دين ومثقفين ونشطاء؛ مما وسع دائرة خصومه والناقمين عليه أو فيما يتعلق بحملته غير المحسوبة العواقب على اليمن، ومناصبته العداء للربيع العربي وحصار قطر.

ومع استمرار الضغط الهائل الذي تقوم به المنظمات الدولية ووسائل الإعلام على السلطات في المملكة السعودية يظلّ أملُ لجين الهذلول وعشرات النساء المعتقلات رهينًا بصمودهن في وجه أساليب الإذلال المخزية التي يعتمدها الجلاّد وبقاء إيمانهن قويًا بعدالة القضية التي يحملن لواءها. وإن كان يصعب استعادة حريتهن دون تدخل صريح وحاسم من البيت الأبيض، وبقية حلفاء المملكة في الغرب فإنّ عشرات النشطاء في الخارج يقومون بعمل أكثر من رائع تضامنا مع المعتقلات في السجون ومطالبة مستمرة باطلاق سراحهن، فضلًا عن دعوتهم لإجراء إصلاحات حقيقية في بلادهم تقطع مع الاستبداد المقيت، وتعزز ثقة الشعب في حكامه. والعارف بطبيعة النظام السّعودي يدرك بوضوح مدى استهتاره بإرادة شعبه، وارتباط وجوده بخدمة المصالح الغربية والأمريكية، خاصّة مقابل تغافلها عن جرائمه. فمتى يستعيد الغرب بعض قيمه الضّائعة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد