لحسن الحظ، لم تلتهمها حفرة مجتمعها العميقة. بل نجت وجعلت من نفسها مثالًا حيًا لقيمة الحياة رغم ضياع المعنى. كنت أستمع لصوتها المسّجل وهي تتحدث عنّ قصتها التي بدأت من دائرة الخوف مرورًا بدوائر التعب، والحيرة والهروب من الواقع. كان يصدر من صوتها موجات حماسة وإيجابية لا يمكن تجاهلها. كان صوتها مبتسمًا.

حتى لو رأيتها أمامك لن ترى منها سوى الصوت لأنها فتاة ترتدي النقاب في مجتمع يحيطه ركام من الغطاءات السوداء. ولكن لن تستطيع أن تتجاهل ذلك الصوت المليء بالحماس. هي فتاة ممتنة لكل شيء، حتى للسماء الزرقاء فوق رأسها، لأنها تعلم معنى أن تفقد الحق في رؤية السماء.

فيلم الدكتورة صفاء هو عمل متواضع لقصة حقيقية عن تلك الفتاة التي أرادت أن تحيا رغم كل أسباب الموت. تعيش في اليمن، البلد الذي تجلده الظروف الصعبة، وتبحث لنفسها عن شعاع أمل تسير على هديه. كان حلمها الوحيد هو أن تتعلم ولكن يبدو أن ذلك حلم صعب لأن الطريق إليه ليس محفوفًا بالزهور. فذلك الأب الغاضب لا يسمح بقطرات الحرية أن تسقط قليلًا على رأس صفاء. بل يخاف دائمًا من أن يتحدث هذا ويتحدث ذاك عن تلك الفتاة المسكينة التي تريد التعلّم.

نعم في هذا الزمن وفي ظل التطور الراهن، ما زالت الكثير من الفتيات داخل بيوتهن يقمن بعدّ حبات الأرز، وتجميع غبار البيت والحفاظ على أنفسهن من الذوبان في أفكار «الغرب» الشريرة. لم يسمح لها الأب أن تتعلم، فما كان منها إلا أن تعلمت خلسة. نعم، خلسة. وكأنها تُهرّب بضاعة غير مسموح بها. تتسلل من البيت بكل ثيابها السوداء وتذوق الأمرين لكي تصل إلى المعهد الطبي وتستمع صامتة إلى محاضرات التمريض التي يلقيها عليها الأساتذة الكرام.

«أريد أن أكون طبيبة». لم يكن ذلك سهلًا، ولكن دراسة عامين من التمريض يعطيها لقب «دكتورة» وبجدارة. فبعد أن تعلّمت، دخلت سوق العمل، وأيضًا خلسة. نعم، أصبحت حقوقها البسيطة تعتبر عملية تسلل تواجه فيها الخطر والأخطار. لم تكن وحدها بل ساعدتها الأم، التي لم تطق العيش مع زوجها فانطلقت تبحث لنفسها عن عمل هي الأخرى.

«نعم، لقد كان أبي رجلًا صعبًا، ولكنّه يعيش في مجتمع أصعب». ربما عذره الوحيد هو «الناس» فذلك المجتمع لم يرحم أحدًا ولن يرحم برأيي. فإن خرجت فتاة أمام قريتها، فسيتهمونها بسوء الأخلاق، والوقاحة، والتمرد و… و… والقائمة تطول. فما أسهل أن تحكم على الآخرين وتنسى نفسك. ولكن هل نجح أحد من قبل بمساعدة مجتمعه؟ قلة نادرة! لأن المجتمع حولنا لا يستوعب مفهوم «دعم الآخر»، بل يحرص دائمًا على تكسير مجاديفه، ويدعو في قرارة نفسه «ليته يغرق، ليته يغرق».

تمنى الكثير أن تغرق الدكتورة صفاء في طريقها لحُلمها، لكن لم يعلموا أن هنالك في الطريق بحارة آخرين. ساعدوها ومدّوا لها طوق النجاة لكي تصبح ما تريد. بدأت القصة بحُلم، وانتهت بواقع أفضل. أصبحت الدكتورة صفاء ما تريده ولكنّها تريد المزيد. تريد أن تستحق لقب الدكتورة. ليس فقط بدرجة علمية ولكن بمساعدة أكبر عدد من الناس حولها وفي مجتمعها المرهق. لكن ماذا عن والدها؟ وماذا عن قصتها بالكامل. بإمكانك مشاهدة الفيلم على هذا الرابط، لربما يزرع في قلبك زهرة أمل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد