إن سنة الله في تاريخ الحضارات، أنه ليست توجد حضارة إلا وامتلكت أوقات ازدهار وأوقات تدهور وتأخر وتخلف، وهناك حضارات شغلت بنجاح قسطًا كبيرًا من تاريخ الإنسانية على ذلك الكوكب، وعلى الرغم من ذلك آلت للهبوط مثلها مثل أي حضارة أخرى.

فالحضارات حين تنهار، في الغالب تخلف شعلة للإنسانية، يقتبسها الآخرون ليكملوا المسيرة، فكما نجد المسلمين حين يزدهرون يترجمون كتب اليونان والروم والفرس، ويعربون العلوم ويبدعون فيها (كما نجد لدى ابن رشد في شروحه على أرسطو)(1) ويضيفون إليها بل ويؤسسون لعلوم أخرى (كما أسس ابن خلدون لعلم الاجتماع على سبيل المثال)(2)، مثلهم مثل أغلب الحضارات الأخرى، نجد كذلك في اليونان حين نقرأ في كتاب (3)  كيف أن كبار الفلاسفة وأوائلهم بدئوا تعليمهم في مصر الفرعونية، ثم انتقلوا إلى اليونان ليبدعوا ويشيدوا فيها الفلسفة (إلا أن برتراند راسل في كتابه تاريخ الفلسفة الغربية (4) يميل لرأي مخالف لذلك). فليس هناك تقريبًا حضارة تنمو وتبدأ من الصفر بنفسها، وبشكل خاص حضارات الجنوب الأوسطي، بل لابد من اتصال واستكمال.

ولكن للأسف هناك دائمًا إغفالًا من الناس لتلك الحقائق، وذلك لأن سنة الله في الاجتماع هو الولع بالمتقدم والمنتصر، كما يذكر العقاد في كتابه أثر العرب في الحضارة الأوروبية (5): «وكان (شوسر)، إمام الشعر الحديث في اللغة الإنجليزية، أكبر المقتبسين منه في زمانه؛ لأنه لقيه حين زار إيطاليا، ونظم بعد ذلك قصصه المشهورة باسم (قصص كانتربري)، وأدارها على محور يشبه المحور الذي اختاره بوكاشيو لقصص الديكاميرون، ومنها قصة (السيد) التي اقتبس فيها إحدى قصص ألف ليلة وليلة، واستهلها بالكلام على بلاط خان من خانات التتر أو المغول. ولم يزل الشعراء الغربيون ينسجون على هذا المنوال في نظم القصص إلى عهد لونجفلو Longefellow، صاحب الديوان الذي سماه (قصص خان بمنعطف الطريق).

وربما كانت صلة (دانتي) بالثقافة العربية أوضح من صلة بوكاشيو وشوسر؛ لأنه أقام في صقلية على عهد الملك فردريك الثاني الذي كان يدمن دراسة الثقافة الإسلامية في مصادرها العربية، ودارت بينه وبين هذا الملك مساجلات في مذهب أرسطو كان بعضها مستمدًا من الأصل العربي، ولا تزال نسخته المخطوطة محفوظة في مكتبة السير توماس بودلي بأكسفورد.

وقد لاحظ غير واحد من المستشرقين أن الشبه قريب جدٍّا بين أوصاف الجنة في كلام محيي الدين بن عربي وأوصاف دانتي لها في القصة الإلهية. وقد كان دانتي يعرف شيئًا غير قليل من سيرة النبي – عليه السلام – فاطلع على الأرجح من هذا الباب على قصة المعراج، ووصف الإسراء، ومراتب السماء، ولعله اطلع على رسالة الغفران لأبي العلاء، واقتبس من هذه المراجع كلها رحلته إلى العالم الآخر كما وصفها في القصة الإلهية.

وأكبر القائلين بالاقتباس على هذا النحو هو عالِمٌ من أُمَّة الإسبان انقطع للدراسات العربية، وهو الأستاذ آسين بالسيوس Asin Palacios. وعاش بترارك في عصر الثقافة العربية بإيطاليا وفرنسا، وحضر العلم بجامعتي مونبليه وباريس، وكلتاهما قامتا على تلاميذ العرب في الجامعات الأندلسية.

أما بأسلوب (دون كيشوت) فقد عاش في الجزائر بضع سنوات، وألَّف كتابه (سرفانتس) لا يشك من يقرؤه في اطلاع كاتبه على العبارات العربية والأمثال التي لا تزال شائعة بين العرب حتى هذه الأيام. وقد جزم برسكوت Prescott، صاحب الاطلاع الواسع على تاريخ الإسبان بأن فكاهة (دون كيشوت) كلها أندلسية في اللباب. إلا أن الأثر الذي يفوق هذه المقتبسات الفردية جميعًا هو الأثر الشامل الذي يعزى إليه أكبر الفضل في إحياء اللغات الأوروبية الحديثة، وترقيتها إلى مقام الأدب والعلم بعد أن كانت مجفوَّةً مزدراة في حساب العلماء والأدباء، وبعد أن كان كل أدب وكل علم لا يكتب بغير اللاتينية أو الإغريقية، ولا يكاد يكتب فيها أحد غير رجال الدين ومن في حكم رجال الدين، وهم يقصرون الفهم على أنفسهم، ولا يشركون فيه جمهرة، ولا سيما طبقة السواد. فقد كان شيوع التعليم بالعربية سببًا لإهمال اللاتينية والإغريقية، وخطوة لا بد منها لإحياء اللغات الشعبية وتداول الشعر والبلاغة، والعلم من طريق غير طريق القسوس والرهبان والمنقطعين للمباحث الدينية.

ويروي لنا دوزي في كتابه عن (الإسلام الأندلسي) رسالة ذلك الكاتب الإسباني، الفارو، الذي كان يأسى أشد الأسى لإهمال لغة اللاتين والإغريق، والإقبال على لغة المسلمين، فيقول: (إن أرباب الفطنة والتذوق سحرهم رنين الأدب العربي؛ فاحتقروا اللاتينية، وجعلوا يكتبون بلغة قاهريهم دون غيرها) وساء ذلك معاصرًا كان على نصيب من النخوة الوطنية أوفى من نصيب معاصريه، فأسف لذلك مرَّ الأسف وكتب يقول: (إن إخواني المسيحيين يعجبون بشعر العرب وأقاصيصهم، ويدرسون التصانيف التي كتبها الفلاسفة والفقهاء المسلمون، ولا يفعلون ذلك لإدحاضها والرد عليها، بل لاقتباس الأسلوب الفصيح. فأين اليوم من غير رجال الدين من يقرأ التفاسير الدينية للتوراة والإنجيل؟ وأين اليوم مَن يقرأ الأناجيل وصحف الرسل والأنبياء؟ وا أسفاه، إن الجيل الناشئ من المسيحيين الأذكياء لا يحسنون أدبًا غير الأدب العربي واللغة العربية، وإنهم ليلتهمون كتب العرب ويجمعون منها المكتبات الكثيرة بأغلى الأثمان، ويترنمون في كل مكان بالثناء على الذخائر العربية، في حين يسمعون بالكتب المسيحية فيأنفون من الإصغاء إليها؛ محتجين بأنها شيء لا يستحق منهم مؤنة الالتفاف.

فيا للأسى! إن المسيحيين قد نسوا لغتهم، فلن نجد فيهم اليوم واحدًا في كل ألف يكتب بها خطابًا إلى صديق. أما لغة العرب فما أكثر الذين يحسنون التعبير بها على أحسن أسلوب! وقد ينظمون بها شعرًا يفوق العرب أنفسهم في الأناقة وصحة الأداء…)، وإشكال اللغة (وإن كان كاتب ذلك المقال على مستوى شخصي قد وقع في فخ اللغة ولم يحسنها كما ينبغي) كما ذكره العقاد تضاف إليه أبعاد أخرى مثل الإدراك نفسه، فنجد في علوم النفس الإدراك قائم على اللغة، واللغة الأم منذ الصغر ستقود الرضيع لإدراكات صوتية محددة عن غيرها، كما نجد في كتاب (6)، وذلك الميول الفطري في الإدراك وفقًا للغة الأم، أمرًا لا فرار منه ولا انفكاك عنه.

ولذلك يتضح لنا سخف الاغتراب عن لغتنا الأم والتنكر لها المستمر، فالمحاولة الدائبة للتنصل والانسلاخ عن اللغة ومن ثم الهوية هو تنصل من طريقة التفكير ذاتها التي ولد بها المرء، فهي تنصل وانسلاخ عن العقلانية وإدراك الواقع قبل أي شيء آخر، فالمتنكر للغته متنكر لعقله وأسلوب تفكيره الذي يميل إليه، وحين يتنصل المرء عن هويته لصالح التقدم، يفقد في ذلك الأرض المشتركة التي سينسب إليها إنجازاته وانتصاراته، فتصبح الانتصارات التي حققها والتقدم الذي قطعه ليس له بل للآخر، فهو لم يعد له وجود بعد أن تخلى عن هويته، وأصبح وجوده متعلقًا بالآخر، ومرتهن بدرجة قبول ولا عنصرية وتسامح الآخر، وبذلك يفقد أحد أهم الدوافع النفسية التي نص عليها ماسلو (7)، أعني الانتماء؛ ويفقد كذلك حريته وحقوقه التي كانت تكفلها له هويته، فيصبح بذلك مغتربًا وغريبًا ومهاجرًا وهو لا يزال يعيش ربما في مساحات بلاده الجغرافية العربية.

وربما ينجلي ذلك السخف كما ذكر الدكتور خالد عمارة (8) حين تجد أحدهم يتهكم على لهجات الآخرين أثناء تحدثهم بلغات أجنبية، على الرغم من أن اللهجة تعتمد على أسلوب إدراك الصوتيات المرفق باللغة الأم، ولكن ما يثير العجب أكثر هو أن اللغات نفسها تتسع لأكثر من لهجة، فحين نتحدث عن الإنجليزية، فهناك إنجليزية بريطانية وامريكية وأسترالية وكندية وأيرلندية وأسكوتلاندية؛ بل هناك بالداخل من اللهجات القومية نفسها أكثر من لهجة، فعلى سبيل المثال هناك لهجة تخص سكان نيويورك بالولايات المتحدة والتي تكون أقرب للهجة البريطانية، وهناك لهجة أخرى تخص أهل الجنوب كسكان ميسيسيبي على سبيل المثال أو تكساس. فحين يقوم أحدهم بالتهكم من لهجة العرب أثناء التحدث بالإنجليزية، فأي لهجة إذًا سيعاير بها؟! إن اللهجة لم تكن يومًا بين الكبراء والعقلاء محددًا للقيمة أو معينًا للحيثية الاجتماعية، فنحن نرى بأعيننا علماء كبار حائزون على أعلى الشهادات بل وحاملون لنوبل في شتى العلوم والمعارف، ونجدهم يتحدثون بحرية وبلا حياء بلهجتهم القومية، ويستمع في ذلك إليهم العالم بأثره في احترام وتبجيل.

فنجدهم يحاضرون للمئات بلهجتهم العرجاء في جامعات غربية، ويرسل الغرب أبناءهم ليأخذون عنهم ويتعلمون منهم، ونجد الحاضرين في المدرج ملتزمين بالصمت والأدب، ولا يخطر ببال أحدهم أن يسخر أو يتهكم من لهجة المحاضر، لأن ببساطة ليس هناك مساحة أو مجال عقلاني يشرع لمثل ذلك الفعل. والاغتراب لا يقتصر فقط على اللغة، بل يشمل كذلك الجمال، فالجمال قبل أي شيء تعتريه نسبية كبيرة أو كما تنص المقولة «Beauty is in the eyes of the beholder»، فمعايير الجمال تختلف من عصر لآخر، فيعرف وينقل على سبيل المثال عن العرب القدماء ولعهم بالمرأة الممتلئة curvy، وهناك بعض الطوائف في ميانمار يعرفون بـ «Kayan People» (9)، تتميز نسائهم بالأعناق الطويلة، ويقومون بتوفير ذلك الطول من خلال حلقات يضعونها حول رقاب صغارهم ثم يزيدون حلقة تلو الأخرى مع التقدم في العمر، وذلك الطول الذي قد يعد لدى الآخرين شذوذ هو أحد معايير الجمال لدى تلك القبائل، وهناك كذلك في قبائل مختلفة بعدة دول أفريقية ظاهرة اجتماعية عجيبة تسمى ب lip plate (10) حيث تقوم الأم قبل سن الزواج بثقب شفاه البنت والبدء في توسيع تلك الشفاه المشقوقة لتحتمل صحن أكبر ثم أكبر، وتعد تلك الصحون رمز للمكانة والمثابة الاجتماعية والترف. ولماذا نبتعد كثيرًا، فأوروبا نفسها علمت عصور كانت الباروكة البيضاء أحدث الصيحات، فكان يرتديها العلماء كنيوتن والغزاة كنابليون، والفلاسفة ككانط وأغلب فئات وطوائف الشعب، والتي ستبدو الآن لأي إنسان معاصر زي سخيف لا يقبل أن يرتديه إلا اللهم في حفلات التنكر.

وأتذكر في ذلك خطبة الدكتور عدنان «لوثة عنصرية» (11) وكيف أن كتابات التاريخ بين شتى الأعراق والأجناس تمتلك تلك السمة العنصرية للعرق واللون والبشرة، حيث تجد العربي يزدري الأجنبي الأوربي وبشرته الباهتة الشاحبة في رسائل ومخطوطات تاريخية، وكيف فعل نفس الشيء أهل الشرق الأقصى عبر العصور، وبالطبع الأوروبيون كذلك.

ولكن بصرف النظر عن ذلك، ففي الجمال تلك النسبية، وهي سنة من سنن الله عز وجل، فحين نجد النساء تتنكر لبشرتها بالمساحيق والبدرة والأدوات المختلفة، وتتنكر لطبيعة شعرها بالكي والفرد ومختلف الحيل الأخرى، فقط لتبدو مثل أهل بلد أخرى وعرق آخر، نعلم حينها أن هناك خللًا ما، لأن النفس الإنسانية التي تتسع لمثل تلك الحالات الشاذة في الثقافات الأخرى كمعايير للجمال، ثم تضيق على بشرة وشعر أهل بلد ما، يعني ذلك أن أجسادهم صارت غير مؤهلة بيولوجيًا للتكاثر! وذلك ليس أقل من انتكاس تطوري لأهل تلك البلدة، فالأصل هو أن يميل أهل البلد لنساء بلدهم، وأهل البشرة للون بشرتهم، وتلك سنة الله التي إن لم تكون لكان فناء الجنس البشري إلا اللهم نوعًا واحد فقط، ولكن تلك هي طبيعة المولع بالآخر المنتصر.

وأريد هنا أن أخص بالذكر قيمة الجمال الآني والحضوري، فالجمال لا يعرف الإطلاق، فليس هناك امرأة جميلة بالمطلق هكذا، بل هناك تلك المرأة الجميلة بتلك اللحظة، ثم ستحتاج بعد ذلك أن تكون جميلة باللحظة الأخرى، وكل لحظة زمنية ستملي على المرأة كيف يجب أن تكون جميلة، جمال العشرين يختلف عن جمال الثلاثين، وجمال الثلاثين يختلف عن جمال الأربعين، وهكذا.

أما أن نجد بعض النساء يغتربون عن أعمارهن وأزمانهن آملين في البقاء بفترة زمنية محددة، حينها تبدأ نفوسهم في التآكل بشكل مباشر، لأنهم كفوا في تلك اللحظة عن خبرة الزمان الحالي ومن ثم اختبار أعماق النسيج الزمكاني، وتلك المحاولة البائسة للتواجد بزمن بيولوجي صارم، لا تؤدي إلا إلى التآكل البيولوجي نفسه، وحتى وإن نجح العلم في تحقيق ذلك الإطلاق الجمال-بيولوجي، سيفشل دائمًا في تحقيق الجمال الآني والحضوري، فالجمال الآني الحضوري، يتميز بسلوك محدد إزاء الجسد والزمان والمكان، سلوك يفتخر بلحظته وبشرته وجلدته، فيقدمها بشجاعة وألفة وافتخار، فالجمال لا يعرف الجبن، نعم يعرف الحياء، ولكنه لا يعلم الاغتراب والانسلاخ.

أنت لا ترى تلك المرأة التي تبذل كل ذلك العناء لتظل صغيرة جميلة، أنت لا تستطيع أن تقع في حبها، فكيف تحب من يكره ذاته ويفر منها ومن زمانها، أنت لن تعيش معها زمن المرأة العشرينية، أنت ستعيش زمن الانسلاخ والتمزق والانحلال ليس إلا، ستعيش الـ despair الذي تحدث عنه كيركجارد (12)، حيث يرفض المرء ذاته الآنية ولكنه يعجز عن الوصول لذاته المأمولة والمشتهية، فيظل يأن بانفصامه عن ذاته فينزف في شكل متصل لا ينقطع حتى الموت. فالمرأة التي تكد في أن تظل صغيرة، يعلم الآخرون كراهيتها لحقيقة ذاتها، ومحاولتها للفرار منها وعنها، فإن كانت تلك الذات تكره نفسها وترى بانها موضع للبشاعة والقبح، لما أولي أنا الآخر الإعجاب بذلك الجمال المتنكر منه والمتنصل عنه! فالجمال الآني والحضوري، هو ازدهار طبيعي في سياق الزمان والمكان، هو حضور المرء بقوة وإشراق سواء في لونه أو شعره أو بشرته، حضور شجاع جميل وأصيل.

والمرأة الكبيرة تحضر بوقارها وهيبتها وحكمتها، فتتوج رأسها بالإكليل الأبيض، وتتزين بخطوط الزمان على سطح جسدها، فتظهر كملكة قد أتمت بناء مملكتها واعتلت العرش لتستريح، نعم ذلك الجمال لا يعرف التكاثر المباشر، ولكنه يعرف البركة التي تمد الآخرين للتكاثر، يعرف بالحكمة والعلم والخبرة، فيصبو إليها الآخرين من حولها للنصيحة والدعم والخبرة، ذلك الجمال يختلف عن جمال العشرون والثلاثون، ولكن لا يتحلى به إلا أصحاب الذوات الحقيقية، أصحاب اللحظة والحضور الآني.

فالجمال إن كان مرتبطًا فقط بالإنجاب والتطور البيولوجي، لاقتصر الجمال حينها على المادة والمعايير التطورية التي ستمليها المادة، ولكن الجمال بطبيعته يوحي ويدفع المرء لأكثر وأبعد وأعمق مما هو مادي، بل هو يدفعنا دومًا إزاء المطلق كما يخبر الدكتور عدنان إبراهيم في أكثر لقاءاته (13). أو كما يحاول الدكتور عزمي بشارة (14) قوله بأن الجمال من خلال الشعر والفن سيفتح للإنسان بوابات الشعور والانجذاب للمطلق كما يذكر في الجزء الأول من كتابه الدين والعلمانية في سياق تاريخي: «لكن الشعر يتجاوز مفهوم المعنى إلى مفهوم الدلالة والرؤيا التي تتخطى المعنى إلى «مجرّة الدلالات» بلغة رولان بارت، أو إلى «معنى المعنى» بلغة عبد القاهر الجرجاني. «وفي موضع آخر نجده يكمل. «تبقى مشاعر إنسانيةٌ صافيةٌ مثل الحب غير المحدود عصيةً على التسليع في رأينا، وهي مع غيرها من الحالات الإنسانية تُدخل في الإنسان المعرض لها ذلك الشعور بالرهبة والانجذاب الذي يهزه من الأعماق.

وهو ما نستذكر فيه كارل ماركس الذي رأى أن الفن الحقيقي يستعصي على التسليع.. فالفن ينتمي هنا إلى «المجانية» في الرؤية المسيحية للعالم، أي إلى ما هو عكس «الريعية» و«السلعية»، وإن كان تطور العلاقات الرأسمالية يحاول اختراق هذا المجال، لكن من باب «القابلية للاتجار» أي البيع مثل سلعة، لكن جوهر الفن يبقى «مجانيًا»، وإن وضعته العلاقات التداولية للسوق في مجال التوزيع والاتجار.

«وفي النهاية نحن نريد لا أن نحل إشكال الاغتراب بأن ننفصل عن الآخر ونتقوقع حول الهوية أيًا كانت الفردية أو الطائفية أو القومية أو العرقية. بل لا ننكر مثابة الحضارة الغربية، ودور إتقان لغة الآخر المتطور في محاكاته والتعلم منه والمساهمة معه والتعاون معه من أجل مستقبل أفضل للإنسانية، لكن لا ينبغي أن يكون ذلك على حساب الاغتراب عن الهوية أو الانسلاخ عنها. وتحقيق ذلك التوازن بين الاعتزاز والانتماء لهوية ما، والتعلم والتواصل مع الآخر المتطور صاحب الهوية المختلفة، هو مهارة مكتسبة يجب أن نحافظ عليها وننميها في وقتنا الحاضر، فذلك هو واجب الوقت. فالانسلاخ عن الهوية ليس بالضرورة نتيجة للولع بالآخر المنتصر، بل أحيانًا يكون من وجهة نظر تطورية، من خلال الفائدة والربح الذي يناله المقترب منه، تمامًا كما تطورت الكلاب الأليفة عن الذئاب وليس الكلاب البرية (15)؛ حيث إن مسافة الهروب بين الذئب والإنسان أقصر من تلك التي بين الكلب البري والإنسان، مما سمح له بالتقرب من الإنسان وازدياد حصته الغذائية جراء تناول بقايا طعام الإنسان أو ما يمنحه الإنسان عن طوعه، ومع ازدياد حصة الطعام تزداد فرص البقاء ومن ثم التكاثر وتمرير الجينات وراثيًا للأجيال اللاحقة، فتتحول الصفات المتنحية المساهمة في تلك الحالة الجديدة إلى صفات سائدة بالتدريج، منطلقة من ذئب شرس نحو كلب منزلي أليف. فالانسلاخ يحدث بالتدريج، بعد أن يجرب منتج الآخر ومنهج الآخر فيحصل النجاح أكثر ما يحصل من ذلك الباب الأجنبي. شيئًا فشيئًا، كما في تجارب إيفان بافلوف (16)، يجد القوة نحو الآخر وفي رفقة الآخر وفي التعلم عن الآخر، فتبدأ النفس في الميل نحو أسباب القوة، وجيل خلف جيل ينتهي المرء لكراهية لونه وصوته وقومه. فيجد الشقراء أجمل النساء، والبياض نصف الجمال، والعيون الزرقاء (على الرغم من أنها تتعلق بيولوجيا بضعف البصر) أجمل العيون. فالآخر ليس فقط المنتصر صاحب الكاريزما، بل هو كذلك مصدر النجاح الشخصي والعلم والحكمة والتقدم. هو نوع من أنواع الـ valuable resources، الكنز السحري، وصندوق الباندورا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد