تتعالى الاتهامات كل يوم بين النظام الحاكم في مصر وأنصاره من جهة، وبين الإخوان وأنصارهم ومعارضي الانقلاب من جهة أخرى، فكل طرف يتهم الآخر بأنه عديم التفكير منساق خلف قادته الذين يقودونهم إلى طريق الهلاك، ويمكن تلخيص الاتهامات في لقبين. الأول يخص أتباع النظام العسكري الذين يُتهمون من خلاله بأنهم “عبيد البيادة” في إشارة إلى عشقهم للاستعباد الذي أصبح سلوكًا وعادة يتلذذون ويشيدون بها، أما اللقب الثاني فهو يخص مؤيدي الإخوان والذين يلقبونهم “بالخرفان” في إشارة إلى سيرهم كقطيع الخرفان خلف قادتهم دون تفكير.

وبغض النظر عن الطرف المصيب والطرف المخطئ في الصراع، إلا أن ما يحدث هو أمر طبيعي واعتيادي في عالم السياسة، فمن المعروف أن هناك ما يعرف بقادة الرأي، الذين يملكون معرفة وثقافة أكبر من ذويهم في أي مجتمع. هؤلاء هم الذين يستطيعون تحريك الرأي العام كل على حسب مكانته وقدرته على التأثير على الناس من حوله، فدكتور الجامعة يستطيع التأثير على أهل قريته، بينما يستطيع الإعلامي التأثير على شريحة أكبر من الناس، وكذلك السياسي وهكذا. وهؤلاء هم من يرشدون ذويهم للتصويت لفلان في الانتخابات البرلمانية؛ لأنه يملك أفكارًا وقيمًا نبيلة، فيقوم ذووه بالتصويت له دون أن يتعرفوا على هذه القيم، أو يتأكدوا إن كانت تتطابق مع أفكارهم وقيمهم أم لا.

إذن فالمشكلة الأكبر تكمن فيما ذكره الزعيم النازي أودلف هتلر في كتابه الشهير “كفاحي”، والذي ذكر فيه أن السواد الأعظم من الناس لا يعرفون الحقيقة، ولو عرفوا الحقيقة لأضر ذلك بالنظام، فهتلر يرى أن معرفة الحقائق يجب أن تمنح بصورة متدرجة للمسئولين على حسب الحاجة، وأن تُمنح الشعارات والأهداف والخطوط العريضة فقط لعموم الشعب، لأنك في أي صراع أو معركة تحتاج إلى جنود أوفياء مخلصين للفكرة، أما إذا ما أقحمتهم في تفاصيل ربما لا يستوعبونها أو يدركون خفاياها وربما تتعارض مع معتقداتهم؛ فيسبب ذلك بلبلة في أفكارهم تنعكس على ولائهم وانتمائهم وأدائهم في ساحة القتال، وهو ما يجعل النظام العسكري نظامًا يعتمد على السمع والطاعة دون تفكير أو اعتراض لضمان وحدة الصفوف.

في الحقيقة، لم يكن هتلر يعني في مقولته الجزء العسكري فقط، بل كان يعني الجزء السياسي والمدني بصورة أكبر، فكل قوة أو مجموعة سياسية على وجه الأرض تربطها أهداف سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية… إلخ، يبدأ الناس في دعم هذه الأفكار والتكتل وراءها، وعادة ما تنتج هذه الأفكار نتيجة لتغيرات وظروف تلم بمجموعة ما في وقت ما، مثلما تسبب قهر العمال في اندلاع الثورات وظهور الفكر الماركسي والشيوعي في روسيا، والذي تمدد في دول عديدة. ولكي يتكتل الناس وراء هذه الأفكار يجب أن تحتوي أهدافها على قيم نبيلة سواء في المطلق “كالحرية والعدالة والمساواة” في الثورة الفرنسية، أو لقطاع معين من البشر دون سواه على أقل تقدير مثل: “مصر أولا، الحلم العربي، الإسلام هو الحل، شعب الله المختار… إلخ”.

وبمرور الوقت يشتد عود هذه الأفكار من خلال التفاف مجموعة من قادة الفكر حولها، يبدؤون في التسويق لها، فإما أن تموت سريعًا، أو تلقى قبولاً. وتبدأ في التبلور والتشكل في كيانات سياسية أكثر قوة واتساعًا ونفوذًا وأهدافًا، وتبدأ في محاولة فرض نفسها وسط كيانات لا تقل قوة ونفوذًا عن تلك، وهنا يبدأ صدام المصالح والأيديولوجيات داخل هذا التيار وخارجه، لتبدأ هذه الأهداف في الالتواء حول القيم النبيلة التي تأسست عليها من أجل البقاء فقط لا غير.

وفي بعض الأحيان يصل الأمر لأن تتناقض أفعال هذا الكيان مع القيم التي تأسست عليها، وأيضًا تقديم تنازلات كبيرة، والتحالف مع شخصيات غير شريفة، والتغاضي عن أخطاء وفساد وأشياء أخرى؛ لعدم القدرة على الإطاحة بشخصيات ذات ثقل، خوفًا من كسب عداوات أو من تفسخ النظام في صراعات تبعده عن الهدف الرئيسي له. فيبدأ غض الطرف عن بعض الممارسات التي تتزايد يومًا بعد يوم؛ ليتحول الأمر إلى شعار “الغاية تبرر الوسيلة”، وبقدر حجم التنازلات تصاب أعمدة النظام والكيان الجديد بآفات تستمر مع النظام وتتفاقم جيلاً بعد جيل، فتكون سببًا في نهايته وسقوطه بعد عشرات وربما مئات السنوات، وربما تلحق آفات أخرى بهذا النظام في مرحلة من المراحل أيضًا، فلا يشترط أن يحدث ذلك في مرحلة البناء فقط.

وتختلف درجة انسياق الشعوب وراء قادتها بحسب درجة ثقافتها وقدرة الحكومات في التأثير على شعوبها؛ فنجد أن معظم الأمريكيين يعتقدون أن بلادهم هي حامية الحريات في العالم، ولكنهم لا يرون الحقيقة كاملة بأن الحرية والرفاهية التي يعيشون فيها هي عصارة آلاف من الجثث التي قتلت في فيتنام وأفغانستان والعراق وفي حروب عديدة أخرى. وذلك لأن الحكومة الأمريكية نجحت في تركيز اهتمام معظم مواطنيها على قضايا الداخل فقط.

أما في كوريا الشمالية فمازال الشعب الكوري الشمالي مغيبًا تمامًا عن معظم ما يجري حوله في العالم، يعيش تحت قبضة نظام يجرِّم استخدام الإنترنت ويجعل عقوبته هي الإعدام لضمان احتكار التأثير الفكري على شعبه وعدم إطلاعه على ما يجري في باقي دول العالم، إلى الحد الذي جعل الكوريين الشماليين يقومون يوميًا وبصورة تطوعية بتنظيف تمثال قائدهم مؤسس الدولة “كيم إيل سونج” بكل رضا وسعادة، غير مدركين لحقيقة أنهم يعيشون تحت نظام استعبادي ظالم ومتخلف، ظنًا منهم أنهم بذلك يواجهون الإمبريالية الأمريكية التي يرونها في غاية السوء، لكنهم لا يدركون أن النظام الذي يعيشون فيه هو أسوأ من النظام الأمريكي بمراحل لسبب بسيط:

وهو أن حكامهم يطلعونهم أولاً بأول على مساوئ النظام المعادي ويظهرونه في صورة شيطانية بحتة، فيما يخفون مساوئ نظامهم ويلمعونه بشكل مستمر، وكذلك هو الحال بالنسبة لإسرائيل وإيران والسعودية، فثلاثتهم ينتهج نظامًا قمعيًا دينيًا من أسوأ الأنظمة التي جاءت في تاريخ البشرية. يقومون يوميًا بقتل العشرات من الأبرياء بصورة مباشرة أو غير مباشرة في حروب وصراعات بالوكالة، بينما يقنعون شعوبهم بأنهم يطبقون كلام الله في الأرض، ويخوضون حروبًا مقدسة باسم الرب، فالأولى تخوض حربًا باسم يهوه، والثانية باسم الإمام علي والمذهب الشيعي، والثالثة باسم الدعوة الوهابية والمذهب السلفي والسني.

فلنترك أمر الثلاثي الديني قليلاً ودعونا نتخيل علامات الذهول التي سترتسم على وجه مواطن سويدي يعيش ويتمتع بالحرية في بلاده، وهو يستمع لمواطن مصري يتغزل بأيام خدمته في الجيش التي كان لا يأكل فيها ولا ينام، ويعمل كعبد دون مقابل، والسبب في ذلك أن قادة الفكر والدولة قد نجحا في إقناع هذا الإنسان البسيط أن هذه تجربة رائعة جعلت منه رجلاً يضحي من أجل وطنه؛ فيقتنع بذلك، ويردد هذا الكلام مثل الببغاء دون تفكير، مع أن أي إنسان بسيط يستطيع أن يستنتج أنه كان مجندًا في نظام استعبادي بشكل إجباري دون أجر ولم يوفر له الحد الأدنى لحقوق الإنسان من حيث المأكل أو المشرب.

فيزعم هذا الرجل أنه ضحَّى من أجل وطنه، لكن الحقيقة المُرة التي ينكرها عقله الباطن بصورة مستمرة هي: أنه عمل كعبد ينفذ أوامر سيده أو قائده الذي هو في حقيقة الأمر لص يسرق أموال الجيش والوطن معًا، ويتغذى على استعباده، ومتناسيًا بكاءه ومحاولات هروبه أثناء تجنيده بصورة مستمرة؛ ليدعيَ في نهاية الأمر وبكل ثقة أن التجربة رائعة ومفيدة! إنها نفس الطريقة التي أقنعت المواطن المصري بأنه أعظم كائن في الوجود وبأنه أذكى وأجمل وأوسم الشعوب على الإطلاق، وبأن نساء العالم كلها ترغب فيه، وبأن شعوب الكرة الأرضية كلها تتآمر عليه ربما طمعًا في علبة “المش” التي يُخبئها تحت سريره، وهو نسخة أيضًا من الأخ المنتمي لأحد التيارات الإسلامية، والذي يضحي بحياته وبكل ما يملك في سبيل إعلاء كلمة الله، بينما قائده ينعم بالعيش في قصور مترفة وسرر مرفوعة وحور عين، ويقنعه أنه سيجد خيرًا منها في الآخرة ولكن شريطة قيامه بالتضحية بكل ما يملك وربما تكون حياته من ضمن التضحيات أيضًا، مع أن نفس هذا الشخص قد اختار متاع الدنيا على الآخرة!

إنها نفس الفكرة أيضًا التي جعلت “الكاميكازي” الطيارين اليابانيين الانتحاريين في الحرب العالمية الثانية يقومون بتفجير أنفسهم بطائراتهم في السفن الأمريكية، ظنًا منهم أنهم يدافعون عن الإمبراطور الذي يمثل الإله بالنسبة لهم، وهو نفسه الإله الذي تخلى عن ألوهيته بعد هزيمته في الحرب!

وللتاريخ أمثلة عديدة على حجب المعلومات عن عموم الشعب؛ فعند اندلاع الثورة الإيرانية، قام صدام حسين بإيعاز من الولايات المتحدة بمهاجمة إيران في حرب الخليج الأولى، كان السلاح الإيراني في ذلك الوقت أمريكيًا بنسبة 100%؛ نتيجة لاعتماد شاه إيران على التسليح الأمريكي، وبالرغم من عداء الثورة الإيرانية للولايات المتحدة، إلا أن هذا لم ينفِ حقيقة أن عتادها الذي ورثته عن النظام السابق – نظام الشاه – كله أمريكي، وكان من الطبيعي أن تتوقف الولايات المتحدة نكاية في الثورة الخومينية عن تزويد إيران بقطع غيار وذخيرة لأسلحتها.

فكانت النتيجة تفوقًا ملحوظًا للعراق في الشهور الأولى وسط توقعات بانتهاء المعركة لصالح صدام في شهور معدودة، على الجانب الآخر لم تكن مصلحة إسرائيل تكمن في انتصار أي من الطرفين في المعركة، فالاثنان يمثلان خطرًا حقيقيًا عليها، وهو ما دفع إسرائيل لمد الدولة الإيرانية بكل ما تحتاجه من السلاح الأمريكي.

وعلى الرغم من أن النظام الإيراني بعد ثورة الخميني كان عدوًا لإسرائيل بصورة مباشرة، إلا أنه لم يكن يملك بديلاً، فالصراع صراع بقاء. هل لك أن تتوقع رد فعل المقاتلين الإيرانيين على الجبهة إذا ما علموا أن السلاح الذي في أيديهم هو سلاح إسرائيلي؟ كل ما يجب أن يعرفه هذا المقاتل أنه يحارب أعداء الإسلام والإمام علي من أجل تحقيق الهدف الأكبر وهو تحرير القدس، أما إذا ما عرف أكثر من ذلك، فإن ذلك سيأتي بنتائج عكسية.

ففي صراع البقاء ربما تتخلى بعض الدولة أو الكيانات عن مبادئها الأساسية، وتتعاون مع ألد أعدائها، ومقتضيات السياسة تجبر أردوغان الإسلامي على التعامل مع إسرائيل، وكذلك مرسي الذي كان يصف اليهود بأحفاد القردة والخنازير؛ ليصبح بعدها رئيسهم “عزيزي، شيمون بيريز”، إنها السياسة أيها السادة!

بكل ما تمثله الكلمة من عاهرة قذرة تمارس الجنس فوق أجساد أبنائها الذين يحملونها هي وعشيقها ووجوههم مصوبة نحو الأرض ظنًا منهم أنهم يحملون أمهم المسكينة التي تعمل من أجلهم! إنها يا سادة مقاييس السياسة التي جعلت من هتلر بطلاً ثم سفاحًا؛ ليصبح سفاحٌ آخر وهو ستالين بطلاً بعد أن كان سفاحًا! إنها أيضًا السياسة التي حولت كذلك صدام من بطل للأمة العربية إلى قاتل بين ليلة وضحاها! وبن لادن من ثري ضحى بالمال لخدمة الإسلام إلى إرهابي يقتل الأبرياء!

ومن الظلم الحكم على أي نظام من حيث الطهارة ونقاء الأهداف في نهاية عهده، فأي دولة في عنفوانها تكون على الأغلب نموذجًا جيدًا أو على الأقل تكون نموذجًا مقبولاً يحتوي على مميزات وعيوب. لكن وفي لحظات الانهيار تزداد التنازلات ويكثر المنتفعون والفسدة، وربما تنقلب هذه التيارات أو الأنظمة عن الأهداف التي تأسست عليها وتصبح نقيضًا لها، فالنظام العسكري الذي تأسس في مصر عقب حركة الضباط الأحرار في عام 1952؛ للتخلص من المحسوبية والباشوية والفساد، انتهى به المقام كي يكون مثالاً فاحشًا لذلك، وكما كان “علي” ابن الجنايني لا يستطيع الزواج من “إنجي” ابنة الباشا في فيلم “رد قلبي”، أصبح – الباشا – الضابط لا يزوج ابنته لابن البواب، ولا أحد يستطيع دخول القضاء أو الشرطة أو الجيش إلا من أبناء الباشاوات في غالب الأمر ولكن تحت مسمى آخر وهو”أبناء العاملين”، أما العداء لإسرائيل الذي كان أحد أسباب قيام حركة الضباط الأحرار وأساسًا لسياسة الدولة الخارجية، تحول بمرور الوقت حتى أصبحت إسرائيل حليفًا استخباراتيًا قويًا، وأصبحت حماس خطرًا يهدد أركان الدولة.

ولكل دولة او مجموعة سياسية اكاذيب كثيرة واساليب تتحكم من خلالها بشعبها، وكلما تفطنت هذه الشعوب الى هذه الاساليب والألاعيب والحيل، فاعلم ان النظام قد ضعف واخذ في التهاوي… وهو ما تعيشه مصر منذ ثورة يناير وحتى يومنا هذا، فاغلب حلفاء الدولة الذين كانوا يظهرون بمظهر المعارض كي ينالوا ثقة الناس ويتحكموا بهم بصورة غير مباشرة قد اصبحوا بين ليلة وضحاها اوراقا محروقة، وكل التهديدات الخارجية والداخلية والوعود اصبحت الاعيب محفوظة ومتوقعة لدى قطاعات واسعة من الشعب بل يتوقعونها قبل حدوثها في كثير من الاحيان، والنظام اذا ما اراد الاستمرار عليه ان يبحث عن وجوها جديدة بدلا من تلك التي احرقتها الثورة.
الامثلة عديدة ولا تنتهي.. لكن يا اعزائي من الطبيعي ان لا يعلم الحقيقة سوى نسبة تقل عن النصف في المائة من الشعوب، واذا ما زادت النسبة عن ذلك كان هذا بمثابة خطر حقيقي على الدولة.
ومن المفترض ان تتوزع هذه النسبة الضئيلة “التي تعلم الحقيقة” ما بين افراد يمثلون النظام نفسه، او موالون له ومنتفعون منه، اما النسبة الباقية منها فاما ان تكتفي بالصمت وايثار السلامة او تختار المعارضة بدرجات مختلفة قد تنتهي برؤسها خلف القضبان او معلقة على المشانق، اما النسبة الاعظم من الشعوب حول العالم فهي مغيبة فكريا دون ان تدري.. تختلف درجات معرفتهم بنسب متفاوتة حسب درجة ثقافتهم وموقعهم من المجتمع، يظنون انهم يعلمون الحقيقة لكنهم لا يعلمون الا ما يريد قادتهم لهم ان يعلموا ..!!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد