الأزهري البليغ، الذي كان إمامًا لأهل السنة والجماعة بمصر، ورئيسًا للجمعية الشرعية، صاحب الحقل الكبير، والحظ الوافر في الدعوة إلى الله عز وجل.

قال عنه شيخ الأزهر، الدكتور عبد الحليم محمود، رحمه الله: «هو من كبار علماء الأزهر، ومن هؤلاء الذين مكن لهم الله سبحانه وتعالى؛ مكن لهم بالقرآن، ومكن لهم بالسنة، ومكن لهم بالسيرة الصالحة، ومكن لهم بحسن اللغة وحسن الأسلوب، ومكن لهم بالقبول وحسن اللقاء الذي يتلقاه الناس منهم».

عُقد حفل بقصر عابدين لتكريم المتفوقين من أوائل الخريجين، وكان على رأسهم بعلمه وفقهه في الدين، وكان الملك فاروق ذا مهابة تنحني لها الرؤوس، وقد تداولت جباه المتفوقين انحناءً على أيد الملك بالتقبيل والاستصغار؛ إلا أن الشيخ رفض أن يكون مثل أقرانه متذللًا مع ما يحمله من دين الله وفقه في الشريعة، معتزًا بدينه الذي ساوى بين البشر جميعًا من غير تفضيل لأحد على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح.

فأقبل على الملك فاروق وصافحه وجهًا لوجه بكرامة المستعلي بإسلامه عن الانحناء لغير الله عز وجل، لاسيما إن كان من الحكام والسلاطين، لكي لا يكون في عمله اغترار لعامة الناس إن أساء الفعل هذا الملك أو السلطان.

إنه الشيخ الإمام عبد اللطيف مشتهري إبراهيم، رحمه الله. كان متواضعًا شريفًا، من أبناء الشرقية الأفاضل، وقد حفظ كتاب الله، عز وجل، وهو صغير، والتحق بالمعهد الأزهري في الزقازيق، ثم التحق بكلية أصول الدين في جامعة الأزهر الشريف، وكان من أوائل الخريجين. كان خدومًا للناس مُحبًّا للخيرات والسعي لإسعاد الآخرين.

كان مُحبًّا للعلم وأهله منذ صغره، فتوجه مع حفظه كتاب الله كاملًا، إلى التفقه في سيرة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والتزود من بحور المعرفة المختلفة، وقد كان يحضر لإمام عصره في الدعوة إلى الله، عز وجل، الشهيد حسن البنا، رحمه الله، يستفيد من دروسه وشروحه وتعليمه للناس، وكان مصاحبًا لكبار الدعاة إلى الله ذوي الفكر الوسطي الصحيح مثل الشيخ محمد الغزالي السقا، رحمه الله، صاحب الإسهامات الجليلة في الدعوة إلى الله، عز وجل.

شغل الشيخ مشتهري، رحمه الله، كثيرًا من الوظائف، منها: أنه كان خطيبًا بالأوقاف، ومديرًا للوعظ بالأزهر. وقد أفنى عمره في العلم وتعليم الناس، فترك من خلفه كتبًا ومحاضرات في الفقه والعقيدة، حتى في المسائل المتعلقة بمقدسات المسلمين المغتصبة كالقدس الشريف والمسجد الأقصى المبارك.

ومع كونه علمًا من أعلام الدعوة في مصر فقد سافر إلى سوريا، والسعودية، والكويت، وعمان، والسودان يبثُ الخير للناس ويعرفهم إلى جميل دينهم، ويعلمهم صحيح سنة نبيهم، عليه أفضل الصلاة والسلام.

وعلى جهده العظيم في مجال الدعوة وتفقيه الناس وتعليمهم دينهم قد منحته الدولة تكريمًا في احتفال الدعاة المُقام عام 1989م لهمَّته العالية لتبليغ دين الله بالصورة الصحيحة إلى الناس.

الشباب عمود الأمة

كان رحمه الله مُحبًّا لأمته وللشباب بشكل خاص، وجه الشيخ، رحمه الله، رسالة إلى الشباب المسلم يدعوه فيها إلى:

1. تنقية عقله من الانحرافات والضلالات بالعلم النيِّر والفقه بدينه.

2. الحفاظ على أبدانهم لتكون قوية قادرة على السعي في الخيرات وإضافة النافعات في هذه الحياة قبل الممات.

3. لا بد وأن تتوفر في الشباب قلوب تقيّة؛ بالإيمان والخُلق، فهي صمام الأمن للعقول والأبدان.

وأهم عنصر في هؤلاء الثلاثة هو العنصر الثالث الذي يحثُ على تربية القلوب وإصلاحها، فكم من أبدان قوية وعقول نقيَّة من غير إيمان القلوب التقيَّة صارت إلى الإلحاد والشذوذ والانحرافات.

ولذلك خاطب النبي، صلى الله عليه وسلم، من يقترف المعاصي والموبقات، مبينًا ضرورة الإيمان في الصلاح والإصلاح: «يا معشرَ من آمن بلسانِه ولم يؤمِنْ بقلبِه لا تغتابوا المسلمين، ولا تتَّبعوا عوراتِهم ؛ فإنَّه من تتبَّع عورةَ أخيه تتبَّع اللهُ عورتَه، ومن تتبَّع اللهُ عورتَه يفضَحْه في جوفِ بيتِه».

وا قدساه، وا أقصاه!

أأتباع خير الخلق ماذا أصابنا ** لنترك أرض القدس للبغي مغنمًا

بني العرب دين العرب عز وثورة ** وكل ذليل لا أسمّيه مسلمًا

اعتبر الشيخ رحمه الله تعالى الاحتلال الصهيوني استعمارًا غاشمًا على دولة فلسطين المسالمة، وإجرامًا ظاهرًا يؤذي المسلمين من أبناء فلسطين المسالمين، كما عبَّر عنه بالبلاء الذي يبتلي الله به عباده المسلمين، ليبلوهم أيهم أحسن عملًا، ولينظر كيف يعملون.

مؤكدًا أن ماضي المسلمين يخبرنا دائمًا بأنهم على مستوى المسئولية والشرف الذي منحهم الله إياه، فجعلهم خير أمة أخرجت للناس، ترجع إليهم الأمم فيما اختلفوا فيه: «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً».

كما وجه رسالة لعامة المسلمين يدعوهم فيها ألا يغتروا ببريق كلمات اليهود؛ فهم الذين لا يُستأمنون ولا يُصدقون، وتاريخهم يشهد عليهم بذلك على مر التاريخ، فهم الذين حاولوا قتل الرسول، صلى الله عليه وسلم، بإلقاء الحجر عليه من فوق سطح المنزل بواسطة مجرمهم عمر بن حجاش، وهم الذين حاولوا تسميم الرسول، وهم من أثاروا الفتنة بين الأوس والخزرج.

نظر الشيخ إلى هذا الإجرام لهذه الفئة الباغية من اليهود فلاحظ أنه ما زال مستمرًا عبر التاريخ وإلى الآن، حتى احتلوا أرض غيرهم وقتلوهم وأفسدوا مقدساتهم وحرَّقوها.

وبيّن، رحمه الله، الواجب على المسلمين تجاه هذا الأمر من أنه ينبغي لهم الاعتصام والاتحاد، والتنبه إلى عدوهم، وأن يعاملوه باللغة التي يفهمها وهي لغة القوة والردع لا سواها.

وينقم الشيخ، رحمه الله، على النزاع القائم بين المسلمين اليوم بقوله: «إن عارًا ما بعده عار، إن شغلنا الشيطان الآن بالتوافه من الأمور، والخسيس من التصرف، دون ما علينا من واجب نحو هذه الكارثة المحيطة بنا. وإن فرضًا علينا أن نتناسى ما بيننا من خلافات على حطام الحياة الرخيصة، وأن نتوحد أمام هذا الأخطبوط الذي قذفنا به الاستعمار لإفساد ديننا ودنيانا».

كما أن الشيخ، رحمه الله، أمَّل أن يفطن المسيحيون أنفسهم خطورة هذا الأمر، فقد دُنست معابدهم في القدس، وأُزيلت كنائسهم، ونبشت قبورهم، والأجدر بهم مساندة أهل فلسطين المسالمين في إزاحة هذا الاحتلال المفسد في البلاد والمغتصب للحقوق.

الإسلام دين ودولة

«قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ»

انطلق الشيخ عبد اللطيف، رحمه الله، من نطاق هذه الآية إلى إدراك الطبيعة الإسلامية في صياغتها لحياة الإنسان، فشريعة الإسلام أوضحت للناس سبيل الهدى والرشاد في العقائد والعبادات والمعاملات، كما بيّنت كيفية التعامل بين الإنسان ونفسه، ومع أهله، ومع وطنه، ومع مواطنيه والناس أجمعين.

وقد نظر الشيخ، رحمه الله، إلى من يقوضون طبيعة الإسلام فيجعلونه علاقة بين العبد وربه، وأن لا صلة له بالحياة العامة، ولا بدنيا الناس وسياستهم. نظر إليهم على أنهم جهال أو ضلال، لأن من درس شريعة الإسلام يجدها شاملة كالملة لكل الحياة بجميع جوانبها، والرسول، صلى الله عليه وسلم، إنما كان قائدًا سياسيًا، وخطيبًا في المسجد، ومفتيًا للعامة، ومحاربًا جسورًا.

فالإسلام لا ذنب له إن كانت هناك ملل أخرى قصرت عن استيعاب حياة الناس، وقصرت نفسها على بعض المواعظ والترانيم بعيدة عن دنيا الناس، فالإسلام لا ذنب له في هذا حتى يُتهم أنه قاصر عن قيادة البشرية.

السّنة النبوية

يسير المسلمون على أن السنَّة النبوية الشريفة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، وهذا ما سار عليه الشيخ عبد اللطيف مشتهري، رحمه الله، فقد خطى على آثار القرآن في طاعة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال الشيخ مشتهري، رحمه الله، عن السنة: «هي مع القرآن أشبه بالقوانين مع الدساتير. والأدلة المعتبرة إنما هي القرآن والسنة والإجماع والقياس».

وقد رفض الشيخ، رحمه الله، دعوى ترك السنَّة والأخذ بالقرآن بحجة أنه قد حوى كل شيء، مؤكدًا أن هذا انحراف عن الطريق الصحيح، وبعد عن الفهم السليم للقرآن الكريم الذي يوجب على المسلمين اتباع سنة نبيهم، عليه الصلاة والسلام.

بل ورد الشيخ، رحمه الله، على هذا النوع المُنكر للسنة النبوية معتبرًا أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قد تنبأ بحالهم هذا؛ إذ يقول صلى الله عليه وسلم: «يُوشِكُ رجُلٌ شبعانٌ على أريكتِهِ يقولُ عليكُم بِهذَا القُرآنِ فما وجدتُم فيهِ مِن حَلالٍ فأحلُّوه وما وَجدتُم فيهِ مِن حرامٍ فحرِّمُوه، ألا إنِّي أوتيتُ الكتابَ ومثلَهُ معهُ».

لكن الغريب أن البعض يتحدث عن الشيخ ويروي عنه أنه كان منكرًا للسنة!

وهذه من الغرائب؛ حيث إن الشيخ، رحمه الله، كان من أشد المدافعين عن السنة والداعين للتمسك بها. نعم الشيخ، رحمه الله، يعتقد بأن هناك أحاديث ضعيفة وموضوعة ومدسوسة، لكن نظرته هذه لا تتعدى نظرة باقي العلماء المسلمين الموضوعيين الذين قرروا أن «المطلوب في الحديث أن يكون صحيحًا صريحًا؛ فإذا تم ذلك وجب قبوله».

والشيخ، رحمه الله، يقول: «ونحن نؤمن بأن هناك أحاديث مدسوسة، ولكن المحققين كشفوها، وميزوا الصحيح من الضعيف، ولله الحمد».

فهل بعد بيان الشيخ عن نفسه ومعتقده بيان!

لقد قضى هذا الداعية الكبير، والإمام العظيم، ثمانين عامًا من الكفاح في سبيل الله وخدمة الناس، وفي عام 1995م غادر الشيخ هذه الحياة القصيرة لينتقل إلى ربه العزيز الذي أعد للمخلصين حياة الخلد العظيمة، وكأن لسان حاله يحثُ من بعده:

ليست حياة المرء في الدنيا سوى ** حلم يجرُّ وراءه أحلاما

والعيش في الدنيا جهاد دائم ** ظبي يصارع في الوغى ضرغاما

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد