كثيرًا ما يَحدث خَلط بين الأسلوب «السهل المُمتنع» والأسلوب «الهابط الفاتر».

الأسلوب الفاتِر هو الأسلوب الذي جُرِّد من المُحسنات البديعية والتصويرات المعنوية، أو افتقر إليها بشدة، ولم تبقَ منه إلا كلمات وجمل بلا طعم ولا لون ولا رائحة، وهو أسلوب سهل، ولكنه غير مُمتنع، والسهولة في هذه الحالة ليست مَزيّة في الكتابة، بل عيب ونقص، وهي سهولة يلجأ إليها الصّحافيون لا الأدباء.

أما الجمع بين السهولة والامتناع، فمن أصعب وأعز الخصائص الأدبية، لم يتوفّر عليها إلا ثُلّة قليلة من الأدباء، ويمكننا أن نُقسِّم هؤلاء الأدباء إلى قسمين رئيسين:

*القسم الأول: المتكلفون، وهم الذين يتكلفون الجمع بين السهولة والامتناع، على غير سليقة ولا طبع، فتظهر خشونة التصنع في أساليبهم، فيعادلون هذه الخشونة بتخفيف الزخرفة اللفظية والصور الخيالية، وإمام هؤلاء هو طه حسين، وهو الذي يقول: «إنما آية البراعة في الفن، أن تتكلف الجهد، وتحتمل العناء، ثم تخدع الناس عن ذلك، فتُخيل إليهم أنك قد أنشأت ما أنشأت كأنه جاء عفو الخاطر»!

*القسم الثاني: المطبوعون، وهم أئمة هذا الفن وأهله، زلّ لهم الكلام، فجمعوا فيه بين السلاسة والجزالة، وبين الرقة والفخامة، وبين خصوبة الخيال وثراء الانفعال، ولم يكن منهم في ذلك تكلف أو تصنع، بل ينشئون ما أنشأوا عفو الخاطر (دون أن يخدعوا الناس)، وإمام هؤلاء هو الشيخ علي الطنطاوي، وعليه مدار حديثنا.

سلاسة وجزالة

قلتُ إن الجمع بين السهولة والامتناع يُعتبر من أعز الخصائص الأدبية، وذلك لأن الجمع بين هذين النقيضين لا يتم إلا عبر عملية معقدة، قد يتكلفها المتكلفون، وينسجون على منوالها، ولكنها تحصل بالسليقة والسجية للأديب المطبوع، وليس التّكحُّل في العينين كالكَحَل.

وأول مَكامِن الصعوبة والتعقيد في هذه العملية، أنها تجمع بين السلاسة والجزالة، فتؤلّف بين اللفظ الرقيق واللفظ الجزل، دون تعسف.

وأنت عندما تقرأ للشيخ علي الطنطاوي تجده لا يُحسن الجمع بين اللفظ الرقيق واللفظ الجزل فقط، بل يُذيب هذا في ذاك، فيضع اللفظ الغريب الذي ربما تقرؤه لأول مرة، ولا تعرف معناه، ولكنه يضعه في الموضع الذي يقتضيه ويتطلبه، فيجبرك السياق العام على فهم اللفظ الغريب واستحسانه، ولا يقطع هذا اللفظ الغريب تدفق الأسلوب وسلاسته، ولا يخرجك من انغماسك في قراءة الكلام وتذوقه.

وبراعة الشيخ علي الطنطاوي، تبدأ من الحروف، مرورًا بالكلمات، ثم الجمل والتراكيب، انتهاءً بالسياق كله. فهو يُحسن اختيار الكلمة الفصيحة دون أن تكون وَحشيّة، أي دون أن تكون حروفها مُتنافرة، فتُحدث أثرًا مُستقبحًا على قارئها، ثم يُحسن ضَمّ الكلمة إلى الكلمة، ووضعها في تركيب يَألفها وتَألفه، وهو لا يُعقد التراكيب ولا يُبهِم الضمائر وإحالاتها، ثم يُنسق بين التراكيب والجمل في كلٍّ مُتجانِسٍ مُتآصِر، لا عِوج فيه ولا أمتًا.

ولهذا عندما نقرأ للشيخ علي الطنطاوي، لا نعرف أننا بدأنا القراءة إلا حين ننتهي، فالحروف والكلمات والجمل، تتدفق دون انقطاع، فتجرفك معها في سيلها المُنتظم، ويُسلّمك بعضها إلى بعض، فما تلبث تبدأ بالحرف الأول حتى تُفيق على نفسك تقرأ الحرف الأخير.

وهذا الانغماس الشديد في القراءة هو ما يميز الأسلوب السهل الممتنع عن الأسلوب الفاتِر، فالأسلوب الفاتِر – بالرغم من سهولته – ليست له سطوة على الذائقة الأدبية للقارئ، لأنه يفتقر إلى اللغة العالية، التي تستنفِر ملكات الفهم والتذوق الأدبي، وتُحفز الذهن دون أن تُرهقه.

خصوبة الخيال وثراء الانفعال

لا يرتكز الجمال الأدبي للنص على الألفاظ وحدها، وكما تُوجد زخرفة لفظية، تُوجد أيضًا زخرفة معنوية.

والزخرفة المعنوية أعز من الزخرفة اللفظية، لأنها تستلزم خصوبة الخيال وغِناه بالصور المعنوية، وقدرته على تَخلِيق الاستعارات والتشبيهات والكِنايات، التي تُجسِّد المعاني وتُحيِي النص، وتُؤلف بين الأفكار المُتنافرة في الظاهر، وتولِّد المعاني والأفكار من بعضها البعض.

والحقيقة أن غير الأدباء قد يلجأون إلى الزخرفة اللفظية، ولكن الأديب وحده هو الضّليع بالزخرفة المعنوية، وهو القَادر على تشكيل الأفكار والمعاني وتجسيدها، ورسم صور خياليّة، تتواءم فيها المعاني وتترابط.

وبعض الأدباء – كالرافعي – يلجأون إلى التصوير المعنوي ببذخ شديد، فيُنشئون صورًا خيالية غاية في التعقيد والتركيب، ويُكدسون التشبيهات والاستعارات، حتى يَنقلب الكلام في كثير من الأحيان إلى أَحَاجٍ وألغاز مُبهَمة، وهنا تَظهر سِمة أخرى للأسلوب السهل الممتنع عمومًا، وأسلوب الشيخ علي الطنطاوي خصوصًا، وهي جمال الصور الخيالية وبساطتها.

ولا يتوقف الأمر مع الشيخ علي طنطاوي عند الجمال والبساطة، بل ينضاف إلى ذلك، المُبالغة في إظهار الانفعال والعواطف، حتى لَتُحسّ بهذه الانفعالات تَسرِي إلى نفسك، فتدبّ فيها كما دبّت في نفس الشيخ.

والعجيب أن ثراء الانفعال في أسلوب الشيخ لا يظهر فقط عند كتابته في المواضيع الأدبية أو الوعظية أو المواضيع التي تحضر فيها العواطف حضورًا طبيعيًّا، ولكنه يكتب بانفعال دائمًا، حتى في المواضيع العلمية والفكرية والتاريخية، فالانفعال شرط أساسي في أسلوب الشيخ علي الطنطاوي.

غزارة الانتاج الأدبي

كان الشيخ علي الطنطاوي – طيّب الله ثراه – صاحب قلم ثَجّاج، ونِتاج أدبي غزير، حتى أنه كان يَندُر أن يَمُرّ عليه يوم دون أن تُنشر له مقالة في إحدى الصحف أو المجلات الأدبية، وبدأ يكتب وينشر وهو دون العشرين من عمره، وظل يُمارس الكتابة والخطابة أكثر من 60 سنة، فجاوز مِقدارُ ما نشر 10 آلاف صفحة.

ومن شدة انشغال الشيخ بالكتابة والعمل الدعوي، أنه كان يكتب ما يكتب، ثم يرسله مباشرة إلى المطابِع، دون أن يحتفظ لنفسه بنُسَخ من مقالاته، وقد سجّل الشيخُ ندمَه على ذلك في مذكراته، فقال نادمًا ناصحًا:

«وهذا تفريط كان مني، لم يعد إلى تداركه سبيل، لذلك أوصي كل قارئ لهذه لفصول أن يتخذ له دفترا، يدون لنفسه كل عشية ما رأى في يومه، لا أن يكتب ماذا طبخ وماذا أكل، ولا كم ربح وكم أنفق، فما أريد قائمة مطعم ولا حساب مصرف، بل أريد أن يسجل ما خطر على باله من أفكار، وما اعتلج في نفسه من عواطف، وأثر ما رأى وما سمع في نفسه، لا ليطبعها أو لينشرها، فما كل الناس من أهل الكتابة والأدب، ولكن ليجد فيها يومًا نفسه التي فقدها! فنحن في تبدل مستمر، كل يوم يموت فيّ شخص ويولد شخص، والميت أنا والمولود أنا».

ولولا فضل الله، ثم جهود الأستاذ مجاهد مأمون ديرانيّة، حفيد الشيخ علي الطنطاوي، لاندثر كم هائل من مقالات الشيخ رحمه الله.

نصيحة أخيرة

يُعد الأسلوب السهل الممتنع – بالمعنى الذي بلورناه في هذا المقال – خير مُعين على اكتساب عادة القراءة، وصَقل الملكات الأدبية واللغوية.

أضف إلى ذلك غزارة كتابات الشيخ علي الطنطاوي، والطبيعة المقالية الغالبة عليها. (حتى عندما كتب ذكرياته، كتبها في صورة مقالات).

كل هذه العوامل جعلتني أزعم أنه لا غنى لقُراء الأدب عمومًا عن مؤلفات الشيخ علي الطنطاوي، وخصوصًا في المراحل الأولى من القراءة، التي تتكون فيها الملكة اللغوية، ويتشكل الذوق الأدبي.

والإنسان – إذا أراد أن يُكوّن عادة جديدة – بدأ بممارسات سهلة وقصيرة، حتى يحصل على أهم ما يحتاجه الإنسان عند اكتساب العادات، ألا وهو الشعور بتراكم الإنجاز.

يدفعه هذا الشعور إلى الاستمرارية، ويربطه نفسيًّا وعاطفيًّا بالعادة الجديدة، ويجعل من الصعب عليه هُجرانها، بعدما أنجز ما أنجز فيها.

وبالإضافة إلى ما قررناه أن كتابات الشيخ علي الطنطاوي سهلة بغير إسفاف أو فُتور، فهي كذلك – في الأغلب – تتخذ صورة المقالات، وهي بهذا تجمع بين السهولة والقِصر، ولذا كانت أفضل ما يُمكن الاعتماد عليه لاكتساب عادة القراءة.

وإني لا أُسأَل عن ترشيح كتابٍ في الأدب أو التاريخ أو السّيَر، خصوصًا إذا كان السائل مبتدئًا، إلا وبحثتُ له أول ما أبحث في مؤلفات الشيخ الطنطاوي.

رحم الله الشيخ، وغفر له، ونفعنا بعلمه وأدبه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد