عزيزي القارئ، قد تجد عنوان المقال قريب الشبه بعناوين عدد من الأفلام المصرية القديمة، تلك العناوين التي وضعها مؤلفوها خصيصًا لإثارة فضول المشاهد ودفعه دفعًا لإخراج ثمن تذكرة السينما من محفظته لدخول الفيلم وإرواء الظمأ المقدس للمعرفة والفضول.

فعلى غرار عناوين أفلام مثل (المرأة والساطور) و(العذراء والشعر الأبيض)، قمت بعنونة المقال الذي تقرؤه الآن، ولكني لم أُسم المقال بهذا العنوان لمجرد إثارة شغفك ودفعك للولوج لقراءة المقال فحسب، بل إن عنوان مقالنا نستطيع أن نفهمه بكل بساطة وسهولة بمجرد متابعة بعض الشيوخ المتناثرين على القنوات الفضائية، أولئك الذين يظهرون أمام الكاميرا بمظهر الملائكة المطهرين الأبرياء بينما نجدهم خلفها وقد تحولوا إلى شياطين مجرمين يحملون الشواكيش ويتوعدون مخالفيهم بالشر والأذى.

حكايتنا اليوم يا سادة عن أحد هؤلاء الشيوخ.

اسمه محمد عبد الله نصر، شاب من ملايين الشباب المصريين الذين وُلدوا في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن المنصرم، هو من أسرة بسيطة تشبه ملايين الأسر من الطبقة المتوسطة أو شبه المتوسطة، تلك الطبقة التي كانت تضم وتحتوي أغلبية الشعب المصري، قبل أن تختلف الموازين وتتغير الأحوال لتسقط معظم فئات تلك الطبقة إلى الطبقة الأدنى وتنضم إلى الطبقة الفقيرة أو شبه المعدمة.

ونظرًا لإمكانيات الأسرة المتواضعة وعدم القدرة على المشاركة في السباق المحسوم نحو الالتحاق بالكليات المؤهلة للأجهزة  السيادية في الدولة (الحربية – الشرطة- القضاء – الخارجية) مثله مثل العديد من المصريين، وكذلك بسبب عدم قدرتهم على المشاركة في السباق المحموم المؤهل لكليات القمة (الطب – الصيدلة – الهندسة)، فقد قامت العائلة المثقلة بأعباء الحياة وتكاليفها بإلحاق ابنها بالتعليم الأزهري منخفض التكاليف أملًا في أن يروه في يوم ما وقد أصبح شيخًا أزهريًا مهيبًا مثل الشيخ الشعراوي الذي كان قد بلغ أوج تألقه وتميزه في مرحلة الثمانينيات والتسعينيات.

التحق الشاب بالمدرسة الأزهرية، ثم معهد شبرا الخيمة الديني الأزهري.

ارتدى منذ صغره الجبة والقفطان اللذين كانا يكونان معًا الزي المميز للطالب الأزهري منذ أمد بعيد،

في البداية كان فخورًا بزيه، فقد أكسبه ذلك الزي مهابة وقدسية واحترامًا في نفوس أهله ومعارفه وجيرانه، ولكنه مع مرور الوقت ووصوله لسن الشباب والفتوة اكتشف أن ذلك الزي يقيده ويمنعه من الانطلاق والحرية والانفتاح الذين يتمتع بهم أترابه وأقرانه ممن أكملوا تعليمهم في الإطار النظامي التقليدي بعيدًا عن السلك الأزهري.

وفي ظل تلك القيود المكبلة له، وجد الشاب الأزهري في التخفي والكتمان حلًا سحريًا لممارسة رغباته التي فرضتها عليه سنون عمره التي أدخلته مرحلة المراهقة والشباب، فبدأ في تدخين السجائر بعيدًا عن الأنظار، والجلوس على بعض المقاهي المتطرفة البعيدة عن بيته والتي يطمئن قلبه إلى أن أنظار معارفه لا تستطيع أن تصل له وهو عليها.

أما في دراسته، فقد عرف الشاب الأزهري أن أسهل طريق إلى النجاح والتفوق هو الحفظ والترديد المستمر، فالحفظ والحفظ وحده هو الطريق الوحيد لاجتياز الامتحانات العقيمة التي يدخلها في نهاية كل عام ليتأهل بعدها للسنة الدراسية المقبلة.

يتذكر الشاب أمنيات أهله التي اعتقدت أنه من الممكن أن يصبح في يوم من الأيام عالمًا أزهريًا كبيرًا مثل الشيخ محمد متولي الشعراوي، عندها يبتسم بطرف فمه وهو يخرج من أنفه دخان السيجارة التي يدخنها في خمول ورتابة، ويفكر في مستقبله الوظيفي ومصير حياته الخاصة.

ترى هل يستطيع أن ينجح في امتحان الدعاة فيتم توظيفه إمامًا لأحد المساجد أو الزوايا؟

أم أن الظروف من الممكن أن توفر له فرصة أفضل داخل أحد أجهزة المؤسسة الأزهرية أو الأوقاف المنتشرة في شتى ربوع القطر المصري؟

ووسط كل تلك الظروف الرتيبة الكئيبة المملة التي مر بها الشاب الأزهري، مثله في ذلك مثل ملايين من الشباب الأزهريين وغير الأزهريين، إذ بالاحتجاجات السياسية تتصاعد وتيرتها في البلاد حتى تصل إلى منتهاها في يوم الجمعة 28 يناير 2011 م، عندها مكث الشاب الأزهري في بيته متابعًا التلفاز وهو على حالة غريبة من حالات الدهشة والاستغراب والتعجب.

ترى ماذا يحدث؟

أهي الثورة؟

هل يحدث في مصر كما حدث في تونس منذ فترة قريبة؟

هو لا يعلم ماذا حدث في تونس على وجه التحديد، فهو لا يهتم بالأخبار الإقليمية والعالمية، ولماذا يهتم بها، هل سوف تساعده تلك الأخبار في توفير مبلغ المسكن الذي يريد شراءه؟

هل توفر له تكاليف الزواج الباهظة؟

هل توفر له راتبًا جيدًا يمنحه مستقبلًا آمنًا؟

لا، لن تمنحه تلك الأخبار أيًّا من ذلك، إذن فتبًا لها، إنما هي نوع من الترف الذي لا يليق به وبأمثاله من الشباب الذين أنهكتهم الحياة وأضناهم اللهاث وراء متطلباتها.

وبعد أن استفاق من الصدمة الأولى، نزل الشيخ الأزهري الشاب إلى ميدان التحرير مدفوعًا في ذلك بالفضول والرغبة في فهم ما يدور حوله، خصوصًا وأن وسائل الإعلام المصرية كانت قد غضت الطرف في تلك الأيام عن إظهار ما يحدث في الميدان بشكل واضح وصريح.

نزل الشاب إلى الميدان فوجد آلافًا مؤلفة من أمثاله وأقرانه يهتفون ضد الديكتاتورية والطغيان، ويطالبون بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية.

أحس الشاب أن تلك الشعارات المرفوعة في الميدان تعبر عن حاله وتعرب عما يجيش به صدره من رغبات دفينة وما يدور في عقله من أحلام مكبوتة.

وفي لحظة مفاجئة لم يخطط لها أو يحسب حسابها، اندفع محمد إلى الهتاف وعلا صوته واغرورقت عيناه بالدموع، عندها شاهده بعض الثوار وهو على تلك الحالة، فرفعوه فوق أعناقهم وارتضوه قائدًا لهم، ثم سرعان ما اختاروه خطيبًا لهم بعدما التفتوا إلى لباسه الكهنوتي المميز.

بعد بضعة أيام من ذلك الموقف، ذهبت السكرة وجاءت الفكرة كما قال العرب القدامى.

الشيخ الشاب بذكائه الفطري عرف أن الشعارات التي هتف بها مع زملائه في الميدان لن تتحقق وأن الثورة برمتها لن تنجح في تحقيق أهدافها.

وفي زاوية متطرفة من الميدان، وأثناء التقاطه بعض أنفاس سيجارة تلفظ بين أصابعه أنفاسها الأخيرة، وضع محمد خطته المستقبلية.

خطة بسيطة وبرجماتية؛ هو لن ينتمي إلى الثورة ولن يرهن نفسه بمصيرها، بل إنه سوف يركب تلك الموجة الثورية وسيستغل الفرصة التي واتته بغير تخطيط أو ميعاد بأفضل وجه ممكن.

ومع مرور الوقت وتتابع الأحداث التي أعقبت ثورة يناير، بدأ نجم الشاب الأزهري المغمور في الصعود، حتى إذا وصل الإخوان المسلمون إلى السلطة وحاولوا أن يسيطروا على مقاليد الدولة وأزمّتها، وجد محمد نفسه خارج دائرة الأضواء وبعيدًا عن الهالة الإعلامية التي اعتاد عليها في الشهور السابقة لحكم الإخوان.

محمد حاول أن ينضم للجماعة الحاكمة ولكنه لم يجد لنفسه مكانًا داخل الكيان الإخواني مكتمل الصفوف، ولذلك غيَّرَ من تكتيكه وخطته، فعمل على الالتحاق بالجبهة المعارضة المضادة للإخوان.

كان محمد من أوائل من دعا إلى النزول يوم 30 يونيو، ولم يترك فرصة ولا مناسبة لانتقاد الإخوان وأعوانهم من السلفيين.

أعاد ذلك التغيير التكتيكي لمحمد حضوره الإعلامي القوي على شاشات التلفاز والجرائد الإلكترونية والورقية؛ ذلك أن الإعلام كله كان موجهًا في تلك الفترة ضد الإخوان، وكان معظم الإعلاميين يفتحون قلوبهم وأبواب إستوديوهاتهم على مصراعيها لكل من يخوض في انتقاد أحزاب الإسلام السياسي عمومًا، وحزب الحرية والعدالة خصوصًا.

يُتبع

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الشيخ
عرض التعليقات
تحميل المزيد