مرة أخرى، يثبت مريدو وأتباع الشيخ الكامل بمكناس (شمال شرق المملكة المغربية) وفاءهم وصدق ولائهم للشيخ الهادي بنعيسى؛ إذ عجت المدينة وضواحيها قبل أسبوع ونيف بأعداد غفيرة من الزوار، ممن يدينون لهذا الشيخ بالزيارة السنوية وبإحياء طقوس ذكرى المولد النبوي، وبإضاءة ممرات وغرف المزار بذات المدينة.

في الزاوية، كل شيء يعود إلى سنوات غابرة؛ تصطف نساء جئن من بوادي مكناس، يعرضن خدماتهن في ضرب الكف، أو النقش بالحناء، أو بيع حاجيات ارتبطت بالنسق الفكري الشعبي بالمغرب، وحتى وسائل التقرب من الأولياء أصحاب الكرامات، تظللن طيلة تواجدهن متمتمات بأدعية لأجل قضاء حاجة الزائر (الله يقضي الحاجة ويبلغ المقصود)، تخاطبنك في آن واحد.

المزار يحتضن عدد هائلًا من أحفاد الشيخ الكامل الذي اختاروا الدفن إلى جوار جدهم، كما يعج في هذه المناسبة بالعديد من أحفاده من الرجال والنساء الذين يسهرون على حسن وفادة الزائرين والمقيمين طيلة أسبوع ونيف، فأينما وليت وجهك تجد أطفالا ونساء ورجالا وشابات، يتخذون من بهو المزار مستقرا لهم، حيث يتبادل النساء أطراف الحديث، و(يفرجن) عن أنفسهن، بينما الأطفال يلعبون في الجوار، والشيوخ يتبادلون الكلام فيما بينهم، فيما تنزوي الشابات اللواتي جئن لقضاء حاجات لم يكتب لها الوصول من السماء، (تنزوي) إلى أركان البهو الفسيح فيستغرقن في التأمل أو في إعداد إحدى الوجبات اليومية.

جرعات الاعتقاد باستجابة الشيخ الكامل لـنيات مريديه وأتباعه، تزداد يوما بعد يوم خلال مقامهم، وهو ما يظهر في سلوكيات ومظاهر للتقرب إلى روح الشيخ، إذ تعمد النساء والفتيات إلى الولوج إلى بئر تتوسط الزاوية وتجاورها أضرحة كلٌ من خادم الشيخ وزوجة أحد أبنائه، فتغتسلن وتتمسحن بمياهها، ويوقدن الشموع بجنبات البئر طمعا في زيادة فرص الاستجابة.

ومن المظاهر الأخرى، أن تحمل النساء رزما من الشموع فتبدأ في توزيعها على الأضرحة، بدءا بضريح الشيخ مرورا بخادمه، ثم حفدته الذين أوصوا بدفنهم في المزار، حيث دفن أحدهم نهاية السنة الماضية فقط، أو أن يتخذن قبور الموتى بالزاوية مسندا لهن عند نومهن، أو يحدث أن تتملكهن الجذبة، فيبدأن في التحير والتمسح بضريح القبة الخضراء والطواف حولها أملا في حظ أجمل مع الحياة.

المقيمون في بهو الزاوية، يعتبرون التحلق حول الذاكرين وقارئي (حزب الله الدايم) الخاص بالشيخ الكامل، (يعتبرونه) فرض عين عليهم، وتخلفهم عن ذلك قد يجلب عليهم سخط الشيخ وغضبه، كما أن سر نجاح التبرك يقتضي النية الكاملة والتسليم والاعتقاد الجازم بأن الشيخ قادرٌ على قضاء حاجة السائل دون ذرة من الشك.

إلباس المناسبة (ذكرى مولد النبي محمد) لباسا بدعيا يظهر في سلوكيات تتجاوز التصوف، إلى اتخاذ الموتى وسطاء في تبديل شظف العيش إلى بحبوحة؛ يظهر تواتر الاعتقاد بالماورائيات لدى سلسلة ضخمة من الأجيال، تمتزج بها البدع بالشعوذة، وبترديد أذكار روحية تذكي حماس التقرب إلى الشيخ والإيمان بكراماته، حيث يجعل طالبي التبرك من الأضحية والدم أركان أساس لاكتمال الانفصال عن الروح وتحقيق سمو الروح.

شقٌ لبطون الخرفان، وشرب لدماءها وتبرك بها، هي مشاهدٌ سوريالية، لكنها حدثت، ومازالت، في احتفالات الذكرى بساحة كبيرة من أمام المزار، حيث يهيجون أتباع الشيخ وينقضوا على كل مرتد للون الأسود أو الأحمر، فيما ينبطح من بهم مسٌ على بطونهم بعتبة الزاوية حتى يتخطاهم عيساوة اعتقادا منهم أن في ذلك شفاء لهم.

القائمون على المزار أكدوا في غير من موضع، على تبرئة ذممهم مما يمارسه الوافدون من بدع، ووصل الأمر إلى أن تبرأوا من الموسيقى التي تصاحب الاحتفال، حيث سرد أحدهم بداية دخول عملية ضرب الدف إلى الزاوية، حيث تقول الرواية – كما حفظها حفدة الشيخ الكامل، أن الشيخ أمر خادمه في مهمة خارج مكناس، وأخبره أن لدى عودته، سيجد شيخه (المتحدث نفسه) قد توفي مباشرة، وأعلمه أنهٌ إذا وجد كتاب القرآن الكريم على يمين الشيخ، فإن هذا الأخير قد مات مسلما مرضيا عليه، أما إذا وجده على شماله، فإنه توفي على غير إسلام ولا إيمان.

عند رجوع الخادم، تضيف الرواية، طلب رؤية شيخه، فوجد الكتاب يتوسط منكبيه، فخاطبه، وهو متوفى، يا شيخي أنى لي أن أعرف أنك كنت أنت واضعه على اليمين، وليس أحدا بعد موتك؟ فرفع الشيخ – المتوفى – يده اليمنى وأرجعها لمكانها، فخرج الخادم إلى البهو الذي يتخذه الوافدون اليوم مقاما لهم، صائحا (فرحي وسعدي بسيدي مات مسلما) وهو يطبل على صينية، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يحدث طربا بالمكان.

إن ما يجري يوم الاحتفال، لمدعاة للسخرية والحسرة في آن؛ سخرية من حركات بهلوانية تتشابه وما كان في العبادات الوثنية، والحسرة على واقع شريحة تعد بالآلاف بل الملايين، من المغاربة بمختلف تلاوينهم العمرية ومن الجنسين معا، مازالت تنتظر تدخلا غيبيا لأجل قضاء حاجة في نفوسها، وتتخذ من الأضرحة والأشياء وسائل لتخليصها من كرباتها.

ما يقع أمام أعين السلطات، وبتسهيل منها في أحايين كثيرة، يدعو الجميع إلى التساؤل وبإلحاح حول من المستفيد من استمرار الوضع بهذا الشكل؟ ومن له مصلحةٌ في إذكاء الجهل والإيمان بالخوارق بين المغاربة؟ خصوصا وأن العديد ممن التقيناهم أكدوا أنه كانت إلى عهد قريب، تحدث جرائم قتل وافتراس يوم الاحتفال بذكرى المولد النبوي، أمام مرأى ومسمع من الجميع، حيث تنفك القيود الوضعية، وتغيب الأخلاق، وتستحيل إلى الفوضى و(السيبة) وكل شيء جائز هو السائد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد