الله عز وجل قد صيّر أمة الإسلام خير أمة أخرجت للناس، وقيّض لحفظ هذه الخيرية رجالًا ذوي علم وفقه في دين الله عز وجل، هؤلاء الرجال بحق سدٌ أمام أباطيل الجُهَّال الموجهة نحو الدين والشريعة، كما أنهم سهمٌ في صدر كل ظالم مستبدِ يستغل الناس والدين لمطامعه الشخصية والحزبيّة.

فضيلة الشيخ حسن محمد أيوب من أعلام هؤلاء العلماء في الدعوة إلى الله عز وجل والذب عن دينه، والوقوف مع المظلومين والمهضومين. كان الشيخ رحمه الله مُحببًا في قلوب الناس، يعرف أقربائه منزلته، ويعرف البعيد منه فضله وعلمه، لطالما كان الشيخ رحمه الله هادئا الطباع وحسن الأسلوب مع الناس عندما يستفتونه ويسألونه عن العلوم.

ولد الشيخ رحمه الله تعالى بمحافظة المنوفية المصرية، وأكمل تعليمه في كلية أصول الدين حتى تخرّج من جامعة الأزهر الشريف، وكان الشيخ رحمه الله مؤثرًا جدًا في الناس عمومًا وفي الدعاة خصوصًا، ساند الإخوان المسلمين في مسيرتهم الإصلاحية حين ذاك؛ إيمانًا منه بما يحتمه عليه دينه من العمل للناس والسعي لمطالبهم وجلب منافعهم، وفي سبيل طريقه هذا قد تعرض لكثير من الاضطهاد والتضييق من قبل الحكومة حتى أنه تم اعتقاله بسبب نشاطه الدعوي مع جماعة الإخوان المسلمين، يقول رحمه الله: «وإني لن أنسى ما نزل بالإخوان المسلمين في كثير من البلاد العربية _ خصوصًا مصر _ من التفنن في تعذيب شبابهم وشيوخهم وأطفالهم ونسائهم بصورة يشيب لهولها الوليد، ويبكي عند سماعها الحجر الأسود».

لكنه رحمه الله لم يكن من أصحاب الفكرة الضعيفة الذين يتخلون عن مبادئهم عند أول مأزق أو عقبة تواجههم؛ بل سار حياته كلها التي تمثل تسعين عامًا من الجهد والعطاء في خدمة الناس وبث الثقافة الصحيحة والعلم السليم في عقولهم وقلوبهم، حتى لاقى الله عز وجل وقد قضى عمرًا كبيرًا أضاف من خلاله موسوعة علمية في شتى التخصصات تنير طريق الباحثين من بعده وتهدي المتعطشين لدعوة الناس وتعليمهم.

كان للشيخ حسن أيوب رحمه الله إسهامات كثيرة في شتى العلوم والتخصصات، ومن جهوده الكبيرة أنه سار على طريق تصحيح مفاهيم الإسلام المشوهة عند بعض الناس، كالتصوف والمتصوفة المنحرفين عن الطريق الصحيح؛ فقد تصدى الشيخ رحمه الله لهم بالتصحيح والتقويم لطريقتهم وبيّن أنه لا شيء اسمه علم ظاهر وعلم باطن للشريعة الإسلامية بالمعنى الذي يكون فيه البعض مستأثرًا بعلم الباطن دون غيرهم. وللشيخ رحمه الله باع كبير في شرح وتبسيط علوم الدين المختلفة كالعقائد والفقه بكل فروعه، وكأنه يعبر عن حاله بما قاله ابن حزم:

 

مناي من الدنيا علوم أبثهـــــا ** وأنشرها في كل باد وحاضـــــــر

دعاء إلى القرآن والسنن التي ** تناسى رجال ذكرها في المحاضر

وألزم أطراف الثغور مجاهدا ** إذا هيعة ثارت فأول نافــــــــــر

كان رحمه الله ذا عقيدة وسطية وفقه مرن مُيسر، فتباعد عن غلو السلفية المتطرفة وأهل الفرق المرجفة الأخرى، فسلك طريقًا وسطًا يسير فيه بنور القرآن الكريم وسنة النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم دون إفراط أو تفريط.

نظر الشيخ الى الإسلام نظرة الفقيه الواعِ فأخرج روح التيسير منه إلى الحياة يفتى بها الناس ويعلمهم، ولأن أهم قوام في المجتمع الإسلامي هو «الأسرة»، فصار الشيخ رحمه الله يبين أحكامها ونظامها، فبين بداية أنه لا شيء في الإسلام يقول بإجبار المرأة على العيش مع من لا تحب، فيجب أن تختار بكامل حريتها شريك عمرها، وأن قوامة الرجل عليها في البيت لا تتعدي طاعته في حياتهم الأسرية الخاصة، وأكد الشيخ رحمه الله أن للمرأة رأيًا وقد يكون أصوب من رأي الرجل نفسه، وأن التحقير من شأنها لهو طريق الجهلاء لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن النساء: «ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم».

وينبغي على تلك الأسرة القائمة على السماحة والحب ونظام الإسلام أن تنشأ الجيل الصالح الذي يضيف للحياة شتى ألوان الخيرات التي يحتاج إليها الناس، وعن طريق:

1. الإيمان المتمثل في الأب والأم.

2. والأخلاق الحسنة بينهم، وتبادل الاحترام.

تكون التربية الصحيحة الهادفة للأولاد، وعلى هذا المنوال كانت التربية قديمًا حتى خرج لأمة الإسلام أمثال صلاح الدين الأيوبي ومحمد الفاتح وغيرهما من المضحين لهذه الأمة.

فكان الشيخ بهذا مبينًا لقيمة المرأة وحقوقها في الإسلام بشكل رزين واضح يرد به على دعاة التحلل والانحراف في هذا اليوم.

آلم الشيخ رحمه الله حال أمته الذي يرثى له الجبين من أفعال ذوي السلطة والحكم فيهم من اضطهاد وتنكيل لهم، يصف الشيخ رحمه الله هذه الحالة فيقول: «وإنك لتبكي أسىً وكمدًا حين تعلم أن العربي الذي يعيش في إسرائيل أكثر حرية من العربي الذي يعيش في كثير من الأقطار العربية، في إسرائيل يقومون بالمظاهرات ضد الشرطة، وعندنا في البلدان العربية إن خرجت مظاهرات سُلطت عليها النيران وضرب المتظاهرون بالرصاص وأخذوا إلى أقفاص التعذيب، حتى أصبحت لا تسمع صوتًا واحدًا حرًا في أي بلد من البلاد العربية المحكومة بالديكتاتوريين».

ولم يقتصر الألم الذي ألم بالشيخ على حال هؤلاء الحكام فقط؛ بل يتألم من الأغنياء الجزارين الذين غابت عنهم روح التكافل، ومن الموظفين الذين لا يُحسنون صنعًا في عملهم.

لم ير الشيخ رحمه الله لهذه الحالة المبكية للأمة الإسلامية والعربية حلًا إلا حلًا واحدًا، وهو أن يرجع إلى دينه القويم، وأن يتشبع بالإيمان بالله عز وجل، وأن يسيروا على الطريق الذي رسمه الخالق لخلقه في حياتهم الإنسانية، حتى لا يجور الإنسان على أخيه الإنسان ويظلمه، فالإنسان بطبيعته الحيوانية لا ينقيه إلا الدين ولا يأخذ بيده إلى طريق المكارم والرُقي إلا نور الإيمان والعلم، إن خوف الله عز وجل يوم القيامة من عذابه ونقمته لحري بالمؤمن أن يجعلهم صالحين لا يؤذون الناس.

وقف الشيخ رحمه الله موقف مشرف تجاه قضية العصر: القضيّة الفلسطينية، كأي غيور على مقدساته ورفعة أمته، وأكد أنها قضية دينيّة وليست قضية سياسية، وأن موقف الزعامات المتسلطة ذات النفوس الذليلة المستسلمة لن تنصر شعبًا ولن تحمي وطنًا، وأن الواجب على الشعوب عامة والشعب الفلسطيني خاصة أن يمزقوا جميع رايات الاختلاف والتشرذم بينهم، وأن يُعلنوا في اتحاد وثقة كاملة أن الإسلام هو من رفع راية العدل بين الناس، والإسلام هو من أرسى الحرية والقسط بين بني البشر عن طريق الجهاد في سبيل الله من أجل تحرير الإنسان وتحرير الكرامة الإنسانية والحرية البشرية.

يروقُ صفاء الماءِ منه بوجهِه ** فأصبحَ منه الماءُ في الوجهِ صافيا

له هِمَّةُ تعلو على كُلِّ همةٍ ** كما قد علا البَدرُ النجومَ الدراريا

كان الشيخ رحمه الله كالغيث أينما حل نفع، سافر إلى الكويت عام 1970، وأقام بها سبع سنين ينشر العلم ويبث الوعي في الناس؛ خطب في كثير من مساجد الكويت، وألقى المحاضرات هناك في مسجد العثمان، وكانت السعادة قد ملأت قلبه لتواجده في هذا المسجد المبارك، وأسس لجنة زكاة سميت بلجنة زكاة العثمان لأنها أسست في مسجد العثمان بالكويت حينما رأى حال الناس وحاجتهم، ثم انتقل الشيخ رحمه الله إلى السعودية ليكمل ما بدأه من تفقيه الناس وتعليمهم؛ فعين أستاذا بجامعة الملك بن عبد العزيز للثقافة الإسلامية.

كان ممن أثّر فيهم الشيخ رحمه الله الداعية الكويتي أحمد القطان، حتى قال عنه: «لقد كان شيخي الذي علمني وأدبني ورباني، فهو حبر وعلامة».

لم يكن للشيخ رأي شخصي في آرائه وفتاواه، وإنما كانت آراءه وتوجهاته نابعة من الدين والشريعة، مؤمنًا بإحاطة الشريعة لكل جوانب الحياة وقدرتها على إصلاحها.

توفي الشيخ حسن رحمه الله في الشهر السابع من عام 2008، ليرحل عن عالمنا الغارق في حب الدنيا ولهوها، وكانت جنازته جنازة مهيبة مُلئت بالكثير من المحبين للشيخ رحمه الله، وقد دفن بمدينة منوف في محافظ المنوفية. رحل الشيخ وترك وراءه نور العلم المضيء الذي يخدم الحائر والمرتاب.

 

ومن جميل مؤلفاته الغزيرة التي تركها الشيخ للناس:

الخلفاء الراشدون القادة الأوفياء وأعظم الخلفاء

السلوك الاجتماعي في الإسلام

تبسيط العقائد الإسلامية

فقه الأسرة المسلمة

فقه الجهاد في الإسلام

الموسوعة الإسلامية الميسرة.

الله نسأل أن ينفع بجهوده وعلومه، وأن يُلحقنا به على خير وفي خير.. آمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد